حب أبدي
ظلال الرغبة المستترة
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة الهواء العليل التي تهب من شرفتها، حاملةً عبق الياسمين المتسلل من حديقة الجيران، لا تكفي لتلطيف حرارة روحه المتصاعدة. عاد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بصوتٍ مكتوم، وكأنه يغلق على صراعٍ داخليٍ لا ينتهي. جلس على طرف سريره، واضعاً مرفقيه على ركبتيه، محاولاً أن يجمع شتات أفكاره المتناثرة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال، أو بالمكانة، أو حتى بجمالها الباهر الذي أسر قلبه منذ اللقاء الأول. كان شيئاً أعمق، شيئاً ينهشه من الداخل، يقضم من صبره، ويسلبه هدوءه.
تذكر كلماتها، حين قالت له ببرودٍ يشبه جليد الشتاء: "هل أنت متأكدٌ حقاً مما تفعل يا مهند؟ هذه الخطوة قد تكون أبعد مما تتخيل." لم يكن يقصد بها أن يتهرب من مسؤولياته، أو أن يضعف أمام أي ضغط. لقد كانت دائماً هي مرساته، وصخرته التي يستند إليها في بحر الحياة المتقلب. ولكن هذه المرة، كانت هناك قوةٌ خفية، وحشرةٌ لاذعةٌ تقرص عقله، تدفعه نحو مسارٍ لم يكن ليتخيله في أشد أحلامه جموحاً.
أخرج هاتفه المحمول، وتصفح قائمة الاتصالات، يتردد في الضغط على اسمٍ واحد. اسمٌ بدا له حلّاً، ومخرجاً، ولكنه في الوقت ذاته كان بدايةً لفخٍ مظلم. لطالما آمن بكلمة "الصلاح"، وأن الله لا يغلق باباً إلا ويفتح ألف بابٍ غيره. ولكن هذه الحشرة، بدأت تبث في روحه سموماً من الشك واليأس، تغريه بالحلول السهلة، بالمسارات المختصرة التي قد تبدو جذابةً في ظاهرها، تخفي تحت ثوبها زيفاً وظلاماً.
"مهند؟" صوتُ أبيه المرتعش وصله من الخارج، يقطع شروده. نهض بخطواتٍ ثقيلة، وفتح الباب ليجد والده واقفاً، وجهه يعكس قلقاً عميقاً، وعيناه تبحثان عن إجاباتٍ غامضة. "أبي؟ هل تحتاج شيئاً؟" سأل، محاولاً أن يبدو طبيعياً، وكأنه لم يخض معركةً شرسةً مع نفسه قبل لحظات. "ألا تنام؟ الوقت متأخرٌ جداً يا بني." قال الأب، ثم أردف بلهجةٍ تحمل بين طياتها الكثير: "قلت لي أنك ستتحدث معها اليوم. هل حدث شيء؟"
شعر مهند بوطأة كلماته، وكأنها تسقط عليه كصخرة. لم يكن كاذباً، ولكن لم يكن صادقاً تماماً أيضاً. لقد تحدث معها، ولكن الحديث لم يسفر عن شيءٍ ملموس، بل زاد الطين بلة. "لقد تحدثت معها يا أبي، ولكن..." توقف، يبحث عن الكلمات المناسبة. كيف يشرح لوالده، الرجل الصالح الذي لم يعرف في حياته إلا طريق الاستقامة، عن هذا الصراع الداخلي الذي يتملكه؟ "ولكن ماذا؟" سأل الأب، وعيناه تزدادان لمعاناً من القلق. "هل هناك ما يقلقك؟ هل فعلت شيئاً... لم أعهده عنك؟"
أومأ مهند برأسه، ثم نفاه بسرعة. "لا يا أبي، ليس الأمر كذلك. الأمر فقط... معقد." "كل الأمور المعقدة لها حلولٌ إذا تناولناها بالهدوء والعقل، وبطلب العون من الله." قال الأب، يمسح على جبين ابنه بيدٍ حانية. "ولكن ما الذي يجعلك تبدو وكأنك تحمل هموم الدنيا على كتفيك؟ هل هو الأمر المتعلق بالزواج؟ هل رفضتك؟"
كلمة "رفضتك" اخترقت أذنيه كسهام. لم يكن رفضاً، ولكنها كانت كلماتٌ أشبه بحكمٍ قاسٍ، بإنذارٍ مبكرٍ لعاصفةٍ قادمة. "لا لم ترفضني يا أبي. الأمر فقط... يتعلق ببعض الظروف." قال، محاولاً أن يقتبس من لغةٍ رسميةٍ تخفي حقيقة رغبته الجامحة. "لقد طالبت ببعض الأمور التي... يصعب تحقيقها في الوقت الراهن."
سكت الأب للحظة، يقرأ في عيني ابنه ما لا يقوله لسانه. لطالما عرف مهنداً، يعرف طيبته، وقوة إيمانه. ولكن في هذه الفترة، كان هناك شيءٌ مختلف، شيءٌ يغير من ملامحه، ويجعل عينيه تلمعان ببريقٍ لم يعرفه من قبل. "ما هي تلك الأمور يا بني؟ ربما يمكننا إيجاد حلٍ معاً." قال الأب، متقرباً من ابنه، وكأنه يحاول أن يستعيد حضوره المعهود.
تردد مهند. لم يكن يريد أن يكشف لأبيه عن ضعفٍ بدا له كأنه عارٌ. ولكن نظرة والده، الحنونة، الصادقة، جعلته يشعر ببعض الراحة. "لقد طلبت... شيئاً مادياً كبيراً. شيئاً يتجاوز قدرتي الحالية، ويتطلب جهداً إضافياً، بل ربما... قروضاً." قال مهند، والشعور بالخزي بدأ يتسلل إلى روحه. "شعرتُ وكأنها... تضعني أمام امتحانٍ ماديٍ بحت."
تنهد الأب بعمق. "إذاً، كانت تريد تأكيداً لقدرتك على توفير حياةٍ كريمةٍ لها. هذا حقها الشرعي، ولكن ربما كان أسلوبها... قاسياً بعض الشيء. ولكن يا مهند، هل كان طلبها هذا هو ما يجعلك تبدو هكذا؟ هل شعرتَ بأنك عاجز؟"
"ليس عجزي يا أبي، بل... ضغطي. ضغطٌ داخليٌ كبيرٌ دفعني للتفكير... في حلولٍ أخرى." قال مهند، ونظره يتجول في أرجاء الغرفة، وكأنه يبحث عن مخرجٍ وهمي. "حلولٌ قد تكون سريعة، ولكنها... غير مألوفة."
"ما هي هذه الحلول غير المألوفة يا بني؟" سأل الأب، وبدت نبرته تحمل مزيجاً من الحذر والفضول. "لا تفكر بالحلول التي تخرجك عن الطريق المستقيم يا مهند. تذكر أن البركة في القليل الحلال، أكثر من الكثير الحرام."
"أعلم يا أبي، ولكن... الأمر يبدو وكأنه كابوسٌ يطاردني. رغبةٌ لا أستطيع كبتها، وشعورٌ بالعجز يدفعني لكسر القواعد. لقد... تلقيت عرضاً، عرضاً مغرياً، ولكنه يتطلب مني... بعض التجاوزات." قال مهند، والكلمات تخرج بصعوبةٍ من بين شفتيه.
"تجاوزات؟" تردد الأب الكلمة، وكأنها ثقيلةٌ على لسانه. "هل تتحدث عن شيءٍ فيه شبهةٌ شرعية؟"
أومأ مهند برأسه ببطء، ثم نفاه بسرعة، محاولاً تلطيف الحقيقة. "ليس تماماً يا أبي. الأمر فقط... يتطلب مني أن أكون... جريئاً أكثر، وأن أستخدم علاقاتي بطريقة... مختلفة."
"مختلفة كيف؟" أصر الأب، وعيناه مثبتتان على وجه ابنه، تبحثان عن إشارةٍ تكشف له الحقيقة كاملة. "هل تتحدث عن شيءٍ قد يضر بسمعتنا؟ أو سمعتك؟"
"لا، لا أعتقد ذلك." قال مهند، محاولاً أن يقنع نفسه قبل والده. "الأمر فقط... يتعلق بكيفية الحصول على المال بسرعة. لقد قيل لي أن هناك... استثماراً سريعاً، ولكنه يحمل بعض المخاطر. والمخاطر... قد تتطلب بعض المرونة في تطبيق القوانين."
"مرونة في تطبيق القوانين؟" تكرر الأب الكلمة، وكأنها لحنٌ مزعج. "المرونة في تطبيق القوانين، يا مهند، هي بداية الانزلاق. ولا تأمن لدولةٍ يسهل فيها تجاوز القانون. هل تحدثت مع هذا الشخص الذي قدم لك هذا العرض؟ من هو؟ وما هي طبيعة هذا الاستثمار؟"
"هو... شخصٌ تعرفه يا أبي. رجل أعمالٍ معروف، وله صلاتٌ واسعة." قال مهند، ولم يستطع أن يكشف عن اسمٍ بدا له في تلك اللحظة كمنقذٍ وملعونٍ في آنٍ واحد. "وهو وعدني بتحقيق أرباحٍ خياليةٍ في وقتٍ قصيرٍ جداً."
"رجل أعمالٍ معروف؟" تكرر الأب، وكأنه يحاول استحضار صورٍ وأسماء. "ومن هو هذا الرجل الذي يخاطر بكل شيءٍ من أجل تحقيق الربح السريع؟ وهل أنت مستعدٌ أن تخاطر بما بنيته طوال عمرك، سمعتك، استقامتك، من أجل وهمٍ زائل؟"
"ليس وهماً يا أبي، بل... حلٌ لمشكلةٍ تبدو مستعصية." قال مهند، وعقله يدور في دوامةٍ من التفكير. "لقد شعرتُ بالضغط، بالرغبة في أن أكون الرجل الذي يرضيها، الرجل الذي يقدر على توفير كل ما تطلبه. وهذه الرغبة... تقتلني."
"وهل تظن أن شراء هذه الرغبة بمالٍ مشبوهٍ سيجلب لك السعادة؟" سأل الأب، ونبرته تحمل حكمة السنين. "السعادة يا بني، تكمن في الرضا، وفي القناعة، وفي ما هو حلالٌ طيب. وما بني على باطلٍ، فهو باطل."
"ولكنها... قد لا ترضى بي إذا لم أكن قادراً على تلبية طلباتها." قال مهند، وعيناه تعكسان يأسًا عميقًا. "لقد رأيتُ كيف كانت تنظر إلي. وكأنها تقيمني، لا كشخصٍ، بل ك... محفظةٍ مالية."
"لا تجعل من نظرةِ امرأةٍ تقيّم رجلاً، سبباً للانحراف." قال الأب، يشد على كتف ابنه بقوة. "إذا كانت تنظر إليك هكذا، فربما ليست هي الفتاة المناسبة لك. ولكن هذا لا يعني أن تبيع نفسك، أو أن تخون مبادئك. تذكر يا مهند، الرجل الحقيقي، هو من يثبت على مبادئه، حتى في أحلك الظروف."
"ولكنني... أحبها يا أبي." قال مهند، وكأنها كلمة السر التي ستذوب كل الجبال. "وأريدها أن تكون لي. وأعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة."
"الحب يا مهند، يجب أن يكون جسراً، لا سبباً للانحدار. إذا كان حبك لها يدفعك لفعل ما يغضب الله، فاعلم أن هذا ليس حباً، بل هو وهمٌ قد يدمرك. فكر جيداً يا بني. وقبل أن تتخذ أي قرار، استشر قلبك، واستشر ربك. ولا تخف من الصعاب، فإن الله مع الصابرين."
ترك الأب ابنه واقفاً في منتصف الغرفة، يتأمل كلماته، يتأمل صراعه الداخلي. كانت الظلال تتكاثف في غرفته، وظلال الرغبة المستترة بدأت تغطي على كل ما حوله. هل سيستطيع مهند أن يقاوم هذا الإغراء، أم أنه سيقع في الفخ الذي بدأ يمد خيوطه حوله؟ كانت الإجابة معلقةً في الهواء، تحمل معها ثقل المستقبل.