الفصل 6 / 25

حب أبدي

ضباب الشك وتفاصيل الصفقة

بقلم فاطمة النجار

عاد مهند إلى كرسيه، وجلس أمامه، يحدق في شاشة هاتفه التي أضاءت بتنبيهٍ جديد. لم يكن التنبيه رسالةً عادية، بل كان وعداً، وإغراءً، وبدايةً لطريقٍ لا يدري نهايته. كانت رسالةً من "ذلك الشخص"، كما كان يسميه في قرارة نفسه، لتأكيد لقاءٍ غامضٍ في مكانٍ بعيدٍ عن الأعين، وفي وقتٍ يختفي فيه نور الشمس.

"لا تقلق يا مهند. كل شيءٍ سيكون على ما يرام. الأرباح مضمونة، والمخاطر قليلةٌ جداً. لقد أعددت لك كل شيء. فقط احضر في الموعد المحدد."

كلماتٌ بسيطة، ولكنها تحمل في طياتها ثقل العالم. "الأرباح مضمونة"، "المخاطر قليلةٌ جداً". جملٌ لطالما سمعها في قصصٍ انتهت بالدمار، ولكنها في هذه اللحظة، بدت له كمناراتٍ تبدد ظلام اليأس.

عاد ليحاول استرجاع تفاصيل ما دار بينه وبين والده. كلماتُ الأب الصادقة، ونصائحه الحكيمة، كانت تبدو وكأنها صدىً بعيدٍ في أذنيه، تتلاشى أمام صخب الرغبة التي تضج في داخله. لقد حاول أن يقنع نفسه بأن ما يفعله ليس خطأً، بل هو استغلالٌ لفرصةٍ لا تعوض. ولكن صوت ضميره، الذي لطالما قمعته هذه الرغبة، بدأ يعلو، محذراً إياه من عواقب وخيمة.

"هل تذكر يا مهند، كيف كنت تتحدث عن الأمانة؟ عن البركة في الرزق الحلال؟ هل نسيت كل ذلك؟" همس له صوته الداخلي.

"ولكن هذا الحب..." رد صوتٌ آخر، أشد تأثيراً، صوتٌ يبث في روحه شعوراً بالأحق بالوجود، بالاستحقاق. "هذا الحب يستحق أن تبذل كل شيءٍ لأجله. وهي لا تستحق إلا الأفضل. ألا تريد أن تكون الرجل الذي يوفر لها كل شيء؟"

"ولكن على حساب ماذا؟ على حساب مبادئك؟ على حساب راحة ضميرك؟"

"راحة الضمير... شعورٌ يمكن اكتسابه لاحقاً. ولكن هذه الفرصة، قد لا تتكرر."

كانت هذه هي المعركة الحقيقية. ليست معركةً مع والده، ولا مع خطيبته، بل مع نفسه. مع ذلك الجزء المظلم، الذي بدا أنه يستيقظ من سباته ليطالب بحقه.

قرر مهند أن يذهب إلى مكتبةٍ قديمة، يبحث فيها عن كتابٍ لطالما أحبه، كتابٌ يتحدث عن سيرة صحابةٍ عظام، وعن صبرهم وتضحياتهم. ربما يجد فيه بعض الإلهام، بعض القوة لمواجهة هذا التيار الجارف.

تجول بين الرفوف المليئة بالكتب القديمة، كلٌّ منها يحمل تاريخاً، ودروساً. استقر بصره على كتابٍ ذي غلافٍ جلديٍ عتيق. "قصصٌ من نور"، هكذا كان عنوانه. فتح الكتاب، وقرأ فيه قصةً عن صحابيٍ واجه إغراءً عظيماً، ولكنه استعصم بالله، فلم يمسسه السوء.

شعر ببعض الراحة، ببعض الأمل. ولكن سرعان ما عادت إليه تلك الحشرة اللعينة، تهمس له: "هذه قصصٌ قديمة، يا مهند. هذا هو الواقع. الواقع يختلف عن القصص. هنا، الفرص تأتي وتذهب بسرعة. ومن يتردد، يخسر كل شيء."

عاد إلى المنزل، ودخل غرفته. لم يكن يرغب في رؤية أحد. أخذ حماماً بارداً، لعله يطفئ نار الشهوة والرغبة التي تأججت في صدره. ارتدى ملابسه، ونظر في المرآة. رأى وجهه، وجهٌ بدا له غريباً، شاحباً، وعيناه تحملان بريقاً لم يعرفه من قبل. بريقٌ ينم عن صراعٍ داخليٍ قاسٍ.

"هل أنت حقاً مهند؟" سأل نفسه. "أم أنك شخصٌ آخرٌ حلّ مكانك؟"

تذكر حديثه مع والدته قبل بضعة أيام، حين سألته عن حاله، وعن خطيبته. كان جوابه لها مختصراً، سطحياً، يخفي خلفه العاصفة التي كانت تتشكل. لطالما كانت والدته ترى فيه ملاكاً، لم تتخيل قط أن ابنها قد يفكر في الانحراف عن الطريق.

"مهند، حبيبي، هل أنت بخير؟" صوت والدته الحنون وصله من خلف الباب. فتح الباب ببطء، وابتسم ابتسامةً باهتة. "نعم يا أمي، أنا بخير. فقط مرهقٌ قليلاً." "أراك دائماً مرهقاً في الآونة الأخيرة يا بني. هل هناك ما يثقل كاهلك؟ هل يتعلق الأمر بخطيبتك؟" "لا يا أمي، ليس الأمر كذلك. إنه فقط... ضغط العمل." قال، محاولاً أن يطمئنها.

"ولكن عملك يحتاج إلى راحةٍ يا بني. لا ترهق نفسك أكثر من اللازم. وتذكر دائماً أن الله هو الرازق، وهو المعين. لا تطلب إلا منه، ولا تخف إلا منه." "نعم يا أمي." أجاب، وشعر بوخزةٍ من الندم. كيف يمكنه أن يكذب على أمه، وعلى والده، وهما اللذان ربياه على الصدق والأمانة؟

في تلك الليلة، لم ينم مهند. كان يقلب الأمر في رأسه، يزن بين الحب، والمال، والمبادئ. كلما اقترب من اتخاذ قرار، وجد نفسه يتراجع، ويجد حجةً أخرى، وسبباً جديداً. كان الأمر أشبه بمتاهةٍ لا مخرج منها.

بدأ يتذكر أحاديثه مع خطيبته. لم تكن تطلب منه المال مباشرةً، بل كانت تتحدث عن أحلامها، عن رغبتها في حياةٍ كريمة، حياةٍ لا ينقصها شيء. كانت تتحدث عن مستقبلٍ تتشاركان فيه كل شيء، ولكن هذا المستقبل بدا لها أنه يتطلب الكثير من المال.

"لو كان لديّ ما يكفي، ما ترددت لحظةً واحدة." قالت له ذات يوم، وبدت كلماتها تحمل بين طياتها حزناً، وحسرة. "ولكنني سأعمل لأجل ذلك. وسأوفر لك كل ما تريدين." قال مهند، واثقاً من نفسه. "وأنا أثق بك يا حبيبي." أجابت، ولكن نظرةً خاطفةً في عينيها، نظرةً تحمل شيئاً من الشك، جعلت قلبه يقلق.

الآن، فهم مهند تلك النظرة. لم تكن نظرة شكٍ في حبه، بل نظرة شكٍ في قدرته. قدرته على تلبية أحلامها، على منحها الحياة التي تتخيلها. هذا الشعور، شعور عدم الكفاية، هو ما دفع به نحو هذا الطريق.

"هل هذا يعني أنني لستُ كافياً لها؟" سأل نفسه، وعقله يمتلئ بأسئلةٍ لا إجابات لها. "هل أحبها حقاً، أم أنني أحب فكرة أن أكون الرجل الذي تستحقه؟"

تذكر صفقةً قديمةً عرضها عليه صديقٌ قديم، صفقةٌ كانت تبدو مشبوهةً حينها، ولكنه رفضها بشدة. الآن، بدأ ذلك الصديق يتواصل معه مجدداً، وكأنه يشعر بحاجته. "مهند، صديقي القديم! لقد علمتُ أنك تواجه بعض الصعوبات. لديّ صفقةٌ رائعة، مضمونة الربح، وسريعة."

شعر مهند بوخزةٍ من الرجاء. هل هذا هو المنقذ؟ هل هذه هي اليد التي سترفع عنه هذا العبء؟ "ما هي طبيعة هذه الصفقة؟" سأل، متردداً. "لا تقلق، كل شيءٍ قانوني، ولكن يحتاج إلى بعض... الإبداع في التنفيذ." أجاب الصديق، بنبرةٍ تحمل ذكاءً ماكراً.

"الإبداع في التنفيذ." تكرر مهند الكلمة، وعقله يرسم صوراً مبهمة. هل هذا هو ما قصده والده بـ "التجاوزات"؟ هل هو ما سيخسر به كل شيء؟

نظر إلى صورة خطيبته المعلقة على حائط غرفته. وجهها البريء، ابتسامتها الواثقة. هل سيقدر على النظر إليها بعد ذلك؟ هل سيعرف كيف يبرر لها ما سيفعله؟

"لا، لا يمكنني أن أفعل ذلك." قال لنفسه بصوتٍ عالٍ. ولكن سرعان ما رد عليه صوتٌ آخر، صوتٌ أقوى، صوتٌ يمثل رغبته الجامحة: "ولكن هل يمكنك أن تخسرها؟ هل يمكنك أن ترى خيبة الأمل في عينيها؟"

كانت المعركة مستعرةً، والضباب يزداد كثافةً. لم يعد مهند يرى بوضوح، ولم يعد يميز بين الطريق الصحيح والطريق المنحرف. كل ما كان يشعر به هو ضغطٌ هائل، ورغبةٌ متزايدة، وشكٌ ينهش روحه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%