الفصل 9 / 25

حب أبدي

غيمةٌ في سماء صافية

بقلم فاطمة النجار

كانت نسائم المساء تحمل عبير الياسمين من حديقة منزل العائلة، تتسلل عبر النوافذ المفتوحة لغرفة فاطمة، ممزوجةً بضجيج الحياة اليومية الذي سرعان ما خفت ليتحول إلى سكونٍ ووقار. جلست فاطمة أمام المرآة، تتأمل وجهها الذي أضاءته شمعةٌ خافتة، ترسم ظلالاً راقصة على قسماتٍ اعتادت عليها البسمة والرضا. لكن الليلة، كان هناك شيءٌ غريبٌ يغلف روحها. منذ لقائها الأخير بـ "خالد"، شعورٌ متناقضٌ يعتمل في صدرها. إعجابٌ عميقٌ بالشاب المهذب، وتقديرٌ لأخلاقه الرفيعة، واطمئنانٌ لحديثه الذي يخلو من التكلف. ولكن، كان هناك أيضاً قلقٌ خفي، بذرةٌ زرعها في قلبها حديث والدتها عن "سعاد".

تنهدت فاطمة، وسحبت دفتر مذكراتها العتيق، الصفحات الصفراء التي شهدت على أحلامها وهمومها. فتحته بيدٍ ترتجف قليلاً، وبدأت تكتب، تستدعي الكلمات لتفهم ما يعتريها:

"يا دفتر الذكريات، يا صديقي الوحيد في هذه الليالي الهادئة. إن قلبي يشبه سماءً كانت صافيةً وساطعة، لكن غيمةً صغيرةً بدأت تلوح في الأفق، لا أعرف مصدرها، ولا أخشى حجمها، ولكني أتساءل عن معناها. التقيت بخالد، الشاب الذي لطالما سمعت عنه الأحاديث الطيبة، ورأيت فيه ما يجعل القلب يميل. حديثه حلوٌ، ولسانه فصيح، وأخلاقه شهادةٌ له. لكن، هل تمنع هذه الصفات وجود أحلامٍ أخرى في زوايا عقله؟ هل كانت تلك النظرة العابرة، وذلك السؤال الذي طرحه عن 'سعاد'، مجرد فضولٍ عابر؟ أم أنه يحمل في جعبته ما لم يبح به؟"

أغلقت فاطمة الدفتر، واحتضنته بصدرها. كانت تعرف أن التفكير الزائد قد يكون سبباً في إرباك الأمور. تذكرت وصية جدتها: "يا ابنتي، القلب إذا مال، فليكن ميله فيما يرضي الله، ومع من يبني بيتاً لا يهدمه." كانت هذه الكلمات بمثابة بوصلةٍ لها في كل قراراتها.

في منزل آل "البدري"، كان خالد يجلس مع والده، الأستاذ "عبد الرحمن"، رجلٌ وقورٌ في عقده السادس، اشتهر بفكره المستنير وحكمته. كانت رائحة القهوة العربية تفوح في أرجاء المجلس، ممتزجةً بعبق البخور.

"يا بني،" بدأ الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه تلمعان ببريق الأب المحب، "قل لي، ما الذي يشغل بالك هذه الأيام؟ أرى في عينيك ما لا يبدو مريحاً."

تنهد خالد، ونظر إلى والده باحترام، "والدي العزيز، أنا بخير، ولكن... هناك أمورٌ تتداخل في عقلي."

"وهل هذه الأمور تتعلق بالأخت فاطمة؟" سأل الأب بهدوء، وكأنه قرأ ما في صدر ابنه.

احمر وجه خالد قليلاً، وردّ، "نعم يا أبي. التقيت بها، ورأيت فيها ما يجعل القلب يطمئن. إنها فتاةٌ تملك العقل والروح. ولكن... هناك أمرٌ يزعجني."

"وما هو؟"

"إنني أخشى أن يكون هناك شخصٌ آخر في حياتها. لقد سمعت من بعض المعارف القدامى عن 'سعاد'، وأنها كانت قريبةً من فاطمة، وأن هناك شيئاً كان يجمع بينهما قبل سنوات."

ابتسم الأستاذ عبد الرحمن، وربت على كتف ابنه، "يا بني، الماضي لا ينبغي أن يكون سداً أمام المستقبل. أما بالنسبة لـ 'سعاد'، فإنها بالفعل كانت صديقةً مقربةً لفاطمة. ولكن، الظروف قد فرقت بينهما، ولا أعلم إن كانت تلك الصلة قد عادت كما كانت. إن الأهم هو الحاضر، وما تراه عيناك وما يشعر به قلبك. هل ترى في فاطمة الزوجة التي تتمناها؟"

نظر خالد في عيني والده، وشعر بالسكينة تغمره. "نعم يا أبي. أراها. ولكن، هل من حقّي أن أتقدم إليها في ظل هذه الشكوك؟"

"حقّك يا بني، أن تسعى لما تريده بالحلال. وعليك أن تكون صريحاً. إذا شعرت تجاهها بالارتياح، فابدأ بالتعرف عليها أكثر، بالطرق التي ترضي الله. واسأل عن 'سعاد' إذا كنت ترى في ذلك ضرورةً، ولكن لا تجعل الشكوك تعيق مسيرة الخير."

شعر خالد بارتياحٍ كبير. لم تكن مخاوفه هي مجرد وهم، ولكن والدته قد طرحتها أمامه بوضوح، مما جعله يفكر فيها بعمق. كان يدرك أن "سعاد" قد تكون مفتاحاً لفهمٍ أعمق لبعض الأمور، ولكن كيف يصل إليها؟

في صباح اليوم التالي، بينما كانت فاطمة تتفقد أزهار الياسمين في الحديقة، اقتربت منها والدتها، السيدة "زينب"، امرأةٌ طيبة القلب، ولكنها كانت تحمل في صدرها هموم عائلتها.

"يا بنيتي،" قالت بصوتٍ حنون، "لقد رأيت وجهكِ الليلة الماضية لم يكن مرتاحاً. هل هناك ما يقلقك؟"

جلست فاطمة بجوار والدتها، وتحدثت إليها بصراحة، "أمي، إنني أفكر في خالد. إنه شابٌ طيب، وأرى فيه ما يسرّ. ولكن، ما ذكرته لي عن 'سعاد'، أشعر أنه قد يكون هناك ارتباطٌ ما لم تتضح معالمه."

نظرت السيدة زينب إلى ابنتها بعينين مليئتين بالحنان، "يا عزيزتي، 'سعاد' كانت صديقةً عزيزةً لكِ. ولكن، الحياة تأخذنا في دروبٍ مختلفة. لا تتركي الذكريات تعيق سعادتكِ. أما 'خالد'، فهو شابٌ يعرف قيمه، وقد رأيت فيه ما يجعله زوجاً صالحاً لابنتنا."

"ولكن يا أمي، كيف أتأكد؟ هل من المناسب أن أسأل أنا؟"

"الصبر يا بنيتي. الصبر مفتاح الفرج. وربما يأتيكِ الخبر اليقين من حيث لا تحتسبين. لا تتعجلي الأمور، ودعيها تأخذ مجراها الطبيعي. فالله هو الميسّر."

ابتسمت فاطمة ابتسامةً باهتة، ثم عادت لتتفقد أزهار الياسمين. كانت تعلم أن والدتها على حق، ولكن الشكوك كانت تخيم على أفكارها. شعرت بحاجةٍ ملحةٍ لأن تفهم ماضي "سعاد" وعلاقتها بـ "خالد"، ليس بدافع الغيرة، بل بدافع الرغبة في معرفة الحقيقة كاملة، قبل أن تتخذ أي خطوةٍ قد تغير مسار حياتها.

في هذه الأثناء، كان خالد قد قرر أن يجمع معلوماتٍ إضافية. تذكر أن "السيد محمود"، أحد جيرانهم القدامى، كان يعرف عائلة "سعاد" جيداً. في وقت الظهيرة، وبعد أداء صلاة الظهر، قصد خالد منزل السيد محمود.

"أهلاً وسهلاً بخالد!" رحب السيد محمود، الذي كان رجلاً طاعناً في السن، يتمتع بذاكرةٍ قويةٍ وروحٍ ودودة. "ما الذي أتى بك إلينا اليوم؟"

"بارك الله فيك يا عم محمود," قال خالد، وجلس. "لقد أتيت أسأل عن أمرٍ قديم. هل تتذكر عائلة 'سعاد'؟"

"آه، 'سعاد'... الفتاة الهادئة الطيبة. نعم، أتذكرها. كانت من أجمل الفتيات في الحي. والدها كان زميلاً قديماً لوالدي."

"هل لك أن تخبرني شيئاً عن علاقتها بـ 'فاطمة'؟"

"كانتا صديقتين حميمتين، يا بني. لا تفترقان. ولكن، عندما سافر والد 'سعاد' للعمل في الخارج، رحلت معه، وانقطعت أخبارها عنا."

"وهل تتذكر سبب رحيلها؟ هل كان هناك أي أمرٍ كان يربطها بأحدٍ في الحي؟" سأل خالد، محاولاً أن يبدو طبيعياً قدر الإمكان.

تفكير السيد محمود عميقاً، ثم قال، "لم أسمع شيئاً عن ارتباطٍ بعينه. ولكن، أتذكر أن والد 'سعاد' كان قد تحدث مرةً مع والد 'فاطمة' عن أمرٍ ما، وبدا عليهما الجدية. لم أفهم القصة كاملة، ولكنني شعرت أن هناك أمراً مهماً. ثم بعد ذلك، سافرت 'سعاد' وانتهى الأمر."

شعر خالد بتضاربٍ في مشاعره. كلام السيد محمود أضفى مزيداً من الغموض على الموقف. هل كانت "سعاد" مرتبطةً بـ "فاطمة" بشكلٍ أعمق مما بدا؟ هل كان لوالدهما علاقةٌ بهذا الارتباط؟

خرج خالد من منزل السيد محمود، والفكر يتقاذفه. كان يعلم أن التسرع في الحكم سيكون خطأً كبيراً. عليه أن يواصل البحث، ولكن بحذرٍ شديد. لم يكن يريد أن يخسر فرصة الارتباط بـ "فاطمة" بسبب شكوكٍ قد تكون بلا أساس. في نفس الوقت، لم يكن مستعداً للدخول في علاقةٍ قد تكون مبنيةً على إخفاءٍ أو عدم شفافية.

عاد إلى منزله، فوجد والده جالساً في المجلس. "كيف كان لقاؤك بالسيد محمود؟" سأل الأب.

"كان مفيداً يا أبي، ولكنه أضاف المزيد من التساؤلات."

"قل لي يا بني، وما هي هذه التساؤلات؟"

روى خالد ما سمعه من السيد محمود، ثم قال، "أتساءل يا أبي، هل كان لوالدي 'سعاد' علاقةٌ بوالد 'فاطمة'؟ وهل كان هناك شيءٌ يجمع بين 'سعاد' و 'فاطمة' أكثر من مجرد صداقة؟"

ابتسم الأستاذ عبد الرحمن، وقال، "يا بني، لا تقلق. إن 'سعاد' كانت بالفعل قريبةً جداً من 'فاطمة'. وكان بين والديهما بعض الصلات العائلية القديمة. ولكن، الأمور تغيرت. ما يهمنا الآن هو 'فاطمة'. هل رأيت فيها ما يجعلك تختارها؟"

"نعم يا أبي. ولكن، أخشى أن تكون هناك مفاجآتٌ غير سارة."

"إذا كنت تخشى المفاجآت، فابحث عنها بنفسك، يا بني، ولكن بالحكمة والروية. لا تترك الشكوك تتغلغل في قلبك، ولكن لا تتسرع في الحكم. غداً، سأذهب لزيارة الحاج 'أحمد'، صديق والد 'فاطمة' القديم. ربما يكون لديه بعض التفاصيل التي قد تفيدك."

شعر خالد بارتياحٍ شديد. كان يعلم أن والده سيجد له الحل. ولكن، في قرارة نفسه، كان هناك شعورٌ بأن هذه القصة لم تنتهِ بعد، وأن "سعاد" ليست مجرد ذكرى عابرة، بل ربما تكون مفتاحاً لفك شفرةٍ معقدة.

في هذه الأثناء، كانت فاطمة قد اتخذت قراراً. قررت أن تتحدث مع جدتها، السيدة "عائشة"، التي كانت تتمتع بحكمةٍ تفوق عمرها، ونظرةٍ ثاقبةٍ للأمور.

"يا جدتي،" بدأت فاطمة، وهي تجلس إلى جانبها في شرفة المنزل المطلة على الحديقة، "هل لي أن أسألكِ عن أمرٍ قديم؟"

"تفضلي يا ابنتي،" قالت الجدة، ونظرت إليها بعينيها اللتين شهدتا الكثير من تقلبات الحياة.

"أتذكرين 'سعاد'؟ صديقتي القديمة."

"آه، 'سعاد'... الفتاة الظريفة. نعم، أتذكرها. لقد كانت أشدّ أصدقائكِ. لماذا تسألين عنها؟"

"لقد سمعت أنها رحلت مع والدها. هل تتذكرين سبب رحيلها؟"

تفكير الجدة عاد بها إلى سنواتٍ مضت، "نعم، أتذكر. لقد سافر والد 'سعاد' للعمل في الخارج، وكان يريد لابنته أفضل الفرص. ولكن، ما أعرفه جيداً، هو أن تلك الرحلة لم تكن مجرد عمل. لقد كان هناك أمرٌ ما يزعج والد 'سعاد'، ويبدو أنه كان يتعلق بمسألةٍ شخصيةٍ في الحي."

"وهل كان هذا الأمر يتعلق بـ 'فاطمة' أو بوالدي؟" سألت فاطمة، وقلبها يخفق بقوة.

"لم أسمع تفاصيل دقيقة، يا ابنتي. ولكن، ما أذكره هو أن والد 'سعاد' كان قد تحدث مع والدكِ قبل الرحيل. وبدا عليهما الجدية. ثم بعد ذلك، رحلت 'سعاد'."

شعرت فاطمة أن الألغاز تتراكم. كانت تبحث عن إجابةٍ واضحة، ولكنها تجد المزيد من الأسئلة. هل كانت "سعاد" مرتبطةً بـ "خالد" بطريقةٍ ما؟ وهل كان لهذا الارتباط دورٌ في علاقتها بخالد؟

"يا جدتي،" قالت بصوتٍ خافت، "هل تعتقدين أن 'سعاد' قد تكون ذات أهميةٍ الآن؟"

ابتسمت الجدة، وربتت على يد حفيدتها، "كل ما يحدث في حياتنا له حكمةٌ يا ابنتي. ولكن، إذا كان قلبكِ يتجه نحو 'خالد'، فلا تجعلي الماضي يعيقكِ. فالحياة بيد الله، وهو يختار لنا ما فيه الخير."

كانت كلمات الجدة مطمئنة، ولكنها لم تزِل الغموض. شعرت فاطمة أنها في مفترق طرق. هل يجب عليها أن تبحث عن "سعاد"؟ وهل كان ذلك ممكناً؟

في هذه الأثناء، كان خالد قد تلقى اتصالاً من والده. "يا بني، لقد تحدثت مع الحاج أحمد. يبدو أن هناك بالفعل قصةً قديمةً تتعلق بـ 'سعاد' وبوالدها. ولكن، لم يتحدث عن تفاصيل واضحة. ومع ذلك، فقد ذكر شيئاً مهماً."

"وما هو يا أبي؟" سأل خالد، وارتعشت شفتاه.

"ذكر أن والد 'سعاد' كان يفكر في تزويجها من شخصٍ من عائلتهم، ولكن لم يكتمل الأمر. ثم سافر. لا أدري إن كان لهذا علاقةٌ بما تفكر فيه."

شعر خالد أن العالم يدور من حوله. قصة "سعاد" كانت تزداد تعقيداً. هل كانت "سعاد" مرتبطةً به بطريقةٍ ما؟ وهل كان هذا الأمر هو السبب الذي جعل والده يتحدث عن "سعاد" بهذه الطريقة؟

لقد بدأت غيمةٌ صغيرةٌ تتشكل في سماء صافية، وكان خالد وفاطمة يشعران بقلقٍ متزايدٍ من احتمالية أن تتحول هذه الغيمة إلى عاصفة. كانت الأيام القادمة تحمل في طياتها المزيد من الأسرار، والمزيد من التحديات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%