حب وكرامة
شذى الياسمين في عتمة الشك
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الشمس الذهبية خجولة عبر ستائر غرفة نور، لتوقظها على همسات الصباح. فتحت عينيها ببطء، لتجد الغرفة غارقة في صمت يختلف عن صمت الأمس. صمتٌ ثقيل، محمّل بأسئلة لم تجد لها إجابة بعد. كانت كلمات الأستاذ أحمد، رئيس القسم، لا تزال ترن في أذنيها: "نور، أنتِ طالبة مميزة، ونحن نثق بكِ. لكن هذه المهمة تتطلب جهداً هائلاً، وموارد لا نملكها حالياً. قد يكون من الأفضل أن تتنازلي عنها لصالح زميل آخر."
تنازل؟ كيف لها أن تتنازل عن هذا الحلم الذي نسجته منذ سنوات؟ مشروع تخرجها، الذي طالما رأت فيه بصمتها الخاصة، ورؤيتها لمستقبلٍ أكثر عدلاً واستدامة. كانت قد بذلت فيه كل ما لديها، ساعات لا تحصى قضتها في البحث، والدراسة، والتخطيط. وكادت أن ترى نهايته السعيدة، ثمرة تعبها وجهدها.
نهضت من سريرها، متجهة نحو النافذة. نظرت إلى الخارج، إلى ساحة الجامعة التي بدأت تكتظ بالطلاب. كل وجهٍ يمر يحمل قصة، وكل خطوة تخطى تبشر بمستقبل. لكن مستقبلها بدا الآن ضبابياً، مغلفاً بظلال الشك.
ارتدت ملابسها بعناية، كعادتها، فقد كانت تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تعكس شخصيتها المنظمة. وضعت وشاحها الأزرق السماوي، الذي طالما شعرت أنه يجلب لها الهدوء. تناولت إفطارها بسرعة، قلبها يخفق بترقبٍ ممزوجٍ بقلق.
في قاعة المحاضرات، كان الجميع مشغولاً بتجهيز عروضهم التقديمية. كانت الأصوات تتداخل، تتنافس في إظهار الأفضل. جلست نور في مقعدها، تستمع إلى حديث زملائها، وتلاحظ حماسهم. لم يكن لديها نفس الحماس اليوم. كانت تفكر في الطريقة التي استقبل بها الأستاذ أحمد اقتراحها، وكأنها كانت تطلب المستحيل.
"هل يمكن أن يكون هناك حقاً مشكلة أكبر مما نتخيل؟" تساءلت في نفسها. "هل هناك جهات معينة لا تريد لهذا المشروع أن يرى النور؟"
تذكرت كيف أن المشروع يتعلق بإعادة تدوير النفايات الزراعية، وتحويلها إلى طاقة متجددة، وهو مشروعٌ كان يمكن أن يحسن حياة الكثيرين، خاصة في المناطق الريفية. ألم يكن هذا هو الهدف الأسمى من العلم، أن يخدم الإنسان والمجتمع؟
"صباح الخير يا نور."
التفتت نور لتجد ابتسامة حنونة تضيء وجه سارة، زميلتها المقربة. كانت سارة معروفة بتفاؤلها وقدرتها على رؤية الجانب المشرق في كل شيء.
"صباح النور يا سارة. كيف حالك؟" أجابت نور بصوتٍ حاول أن يخلو من أي أثر للتعب.
"بخير والحمد لله. لكنكِ تبدين متعبة قليلاً. هل كل شيء على ما يرام؟" نظرت سارة إلى عيني نور بنظرةٍ فاحصة.
لم تستطع نور أن تخفي الأمر عن سارة. فهي الوحيدة التي شاركتها كل تفاصيل مشروعها، والتي كانت تشجعها دائماً.
"الأستاذ أحمد... لم يوافق على مشروعنا. قال إنه يتطلب موارد كبيرة، وأنه قد يكون من الأفضل أن أتنازل عنه."
اتسعت عينا سارة بصدمة. "ماذا؟ هذا مستحيل! مشروعكِ هو الأفضل. كم كنتِ متحمسة له!"
"وأنا كذلك. لا أفهم السبب الحقيقي. أشعر أن هناك شيئاً مفقوداً في القصة."
جلست سارة بجوارها، وأمسكت بيدها. "لا تقلقي يا نور. سنكتشف السبب. ربما هو مجرد إجراءات روتينية. لا تدعي هذا يحبطكِ."
"لكن كيف؟ كيف يمكنني الاستمرار في العمل عليه إذا لم أحصل على الموافقة الرسمية؟"
"سنفكر في حل. ربما يمكننا البحث عن تمويل خارجي. أو ربما نجد طريقة لتبسيط المشروع ليتناسب مع الموارد المتاحة. الأهم الآن هو ألا تستسلمي."
نظرت نور إلى سارة، وشعرت ببعض الارتياح. كانت كلماتها كالبلسم على جراح قلبها.
"شكراً لكِ يا سارة. لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونك."
"نحن صديقتان، وهذا ما نفعله. الآن، لنركز على ما يمكننا فعله. أخبريني، ما هي العقبات التي ذكرها الأستاذ أحمد بالتحديد؟"
بدأت نور تشرح لسارة التفاصيل، وتستعرض أمامها النقاط التي أثارها الأستاذ أحمد. بينما كانت تتحدث، لاحظت أن سارة كانت تدون ملاحظاتٍ دقيقة، وتطرح أسئلةً ذكية.
"هل فكرتِ في استخدام مواد محلية بدلاً من تلك المستوردة؟" سألت سارة. "وكم ستبلغ تكلفة صيانة النظام على المدى الطويل؟"
بدأت نور تفكر في هذه الأسئلة، وترى أن لديها بعض الأجوبة، ولكن ربما ليست كافية.
"ربما يجب أن نتحدث مع الدكتور خالد. إنه خبير في هذا المجال، وقد يكون لديه رؤية مختلفة." اقترحت سارة.
هزت نور رأسها بالموافقة. الدكتور خالد، أستاذ الهندسة المدنية، كان معروفاً بدعمه للمشاريع المبتكرة، وكان يتمتع بعلاقات جيدة مع الكثير من الجهات الصناعية.
"فكرة رائعة." قالت نور. "ولكن كيف سنقنعه بالنظر في مشروعنا بعد رفض الأستاذ أحمد؟"
"سنقدم له دراسة جدوى مصغرة، نوضح فيها النقاط الرئيسية والجدوى الاقتصادية والبيئية. سنظهر له أننا لا نستسلم بسهولة."
وبينما كانت نور وسارة تبحثان عن أوراقهما، مر بهما محمد. كان يتمتع بابتسامةٍ واسعة، وكان دائماً ما يظهر بمظهر الواثق بنفسه.
"ما هذه الأوراق الكثيرة؟ هل تعملون على شيء مثير؟" سأل محمد.
"نحن نحاول." أجابت نور بابتسامةٍ خفيفة. "مشروع التخرج."
"آه، مشروع التخرج. أتمنى لكم كل التوفيق. هل تحتاجون أي مساعدة؟ لدي بعض الخبرة في إعداد العروض التقديمية."
"شكراً يا محمد، سنضع ذلك في الاعتبار." ردت سارة.
شعر محمد قليلاً بالتردد، وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر، ولكنه تراجع. "حسناً، إذا احتجتم أي شيء، فلا تترددوا."
وغادر، تاركاً نور وسارة تتساءلان عن سبب تردده. هل كان يشعر بالغيرة؟ أم كان لديه سبب آخر؟
مع نهاية الفصل، شعرت نور بأن الأمل بدأ يتسلل إلى قلبها مرة أخرى. كانت هناك عقبات، نعم، ولكنها لم تعد وحدها. سارة معها، وهناك احتمالية للتحدث مع الدكتور خالد. وربما، فقط ربما، كان رفض الأستاذ أحمد مجرد نقطة تحول، وليس نهاية الطريق. لكن ظل الشك كان لا يزال يخيم عليها، وظل محمد يمثل لغزاً غريباً.