الفصل 15 / 25

حب وكرامة

همسات الماضي في أروقة المستقبل

بقلم سارة العمري

كانت نسائم المساء تحمل معها رائحة البخور المتصاعدة من البيوت المجاورة، ممزوجةً بصوت الأذان الذي أعلن عن صلاة المغرب. جلست فاطمة في شرفتها، تتأمل النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء المدينة. كانت تضع كوب شايٍ بالنعناع أمامها، لكنها لم تلمسه. كان ذهنها مشغولاً بصورةٍ تتردد على ذاكرتها، صورةٌ لوجهٍ لطالما شغل تفكيرها.

منذ سنواتٍ طوال، ومنذ أن كانت طفلةً تلعب في حديقة منزل جدتها، وهي تتذكر ذلك الشاب الوسيم، ذو العينين الواسعتين والابتسامة الهادئة. كان يأتي لزيارة والدها، ابن خالته، وكان يحمل معه دائماً هدايا جميلة. كان يدعوها "غاليتي"، ويجبرها على أكل الحلويات التي يحضرها. كان اسم والدته "ليلى"، وكانت تتذكر أنها كانت امرأةً طيبة القلب، تحب الرسم.

تنهدت فاطمة. كان ذلك الشاب هو نفسها "أحمد". أحمد الذي أصبح الآن رجل أعمال ناجحاً، ومعروفاً في الأوساط الاجتماعية. كان يبدو أنه قد بنى لنفسه عالماً خاصاً، بعيداً عن ذكريات الطفولة وبساطتها.

"ما الذي أتى بكِ إلى هنا يا أمي؟"

التفتت فاطمة لتجد ابنتها، لمى، تقف عند باب الشرفة، وعيناها تفيضان بالفضول. كانت لمى، في عامها الثاني الجامعي، تشبه أمها في جمالها وهدوئها، ولكنها كانت أكثر جرأةً وحيوية.

"لا شيء يا ابنتي، مجرد بعض الذكريات." قالت فاطمة بابتسامةٍ حزينة.

"ذكريات عن من؟" سألت لمى، واقتربت لتجلس بجانب والدتها.

"عن والدتك. أتذكرين والدة أحمد، السيدة ليلى؟"

"نعم، أتذكرها. كانت سيدة طيبة جداً. كنتِ دائماً تقولين إنها كانت مثل خالتكِ."

"كانت كذلك. وكانت هي وأنا مقربتين جداً. وكنا نتمنى أن يصبح أبناؤنا، عندما يكبرون، زوجين."

اتسعت عينا لمى. "تتحدثين عن زواج؟"

"نعم. كان هذا حلمنا المشترك. ولكن الحياة لها خطط أخرى."

"ومن هو أحمد؟ هل تقصدين رجل الأعمال أحمد؟"

"هو نفسه."

"عجباً! أنا لا أعرف الكثير عنه، ولكنني أرى صورته أحياناً في المجلات. يبدو شخصاً مختلفاً تماماً عن صورة الطفل الذي تصفينه."

"الزمن يغير الناس يا لمى. وقد يحمل معه تجارب جديدة، وأعباءً ثقيلة."

"وهل والدكِ كان يعرف بهذا؟"

"كان يعرف. ولكن الأمور لم تسر كما خططنا. عندما كبرنا، أصبح كل واحد منا في طريق."

"وهل ما زلتم على تواصل؟"

"قليلاً. نلتقي في المناسبات العائلية، ولكن لا يوجد الكثير من الحديث."

صمتت لمى للحظة، ثم قالت: "أمي، هل تعتقدين أن هذا كان سبباً في اختيار الأستاذ أحمد لمشروع نور؟"

نظرت فاطمة إلى ابنتها بدهشة. "ما علاقة مشروع نور بوالدة أحمد؟"

"لا أعرف تماماً. ولكنني سمعت أن الأستاذ أحمد هو رئيس مجلس إدارة الشركة التي تمول بعض مشاريع التخرج، وأن مشروع نور قد يكون منافساً لبعض استثماراتهم. هل يمكن أن يكون له علاقة بالماضي؟"

فكرت فاطمة ملياً. كانت تعرف أن أحمد رجل أعمال حذر، وأن قراراته دائماً ما تكون مدروسة. ولكن أن يربط قراراته المهنية بمسائل شخصية قديمة، بدا أمراً غريباً.

"لا أعرف يا لمى. ولكن ما تقولينه يجعلني أفكر. هل يمكن أن يكون الأستاذ أحمد قد تذكر وعد جدتك؟ أو ربما يريد أن يبتعد عن كل ما يذكره بتلك الأيام؟"

"أو ربما لديه سبب آخر أكثر تعقيداً. ما رأيكِ أن نتحدث مع الأستاذ خالد؟ ربما يكون لديه فكرة عما يدور."

"فكرة جيدة. الأستاذ خالد رجل حكيم، وقد يكون لديه رؤية."

ارتدت فاطمة وشاحها، وتوجهت مع لمى إلى سيارتها. كانا متجهتين إلى منزل الأستاذ خالد، الذي كانا يعتبرانه صديقاً للعائلة.

عندما وصلتا، استقبلهما الأستاذ خالد بحفاوة. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، له شاربٌ كثيف، وعينان لامعتان بالذكاء. كان منزله يعج بالكتب، ورائحة القهوة العربية تفوح في الأرجاء.

"أهلاً بكما، تفضلا بالجلوس. ما الذي أتى بكما في هذا الوقت؟" سأل الأستاذ خالد.

جلست فاطمة ولمى، وبدأت فاطمة تشرح له الأمر، بدايةً من مشروع نور، ورفض الأستاذ أحمد، وصولاً إلى نظريات لمى حول العلاقة المحتملة بين أحمد والماضي.

استمع الأستاذ خالد بانتباه، ثم هز رأسه ببطء. "مسألة معقدة حقاً. الأستاذ أحمد رجلٌ متقلب المزاج أحياناً، ولديه دوافعه الخاصة. ولكني لا أستطيع أن أجزم شيئاً دون معرفة المزيد."

"ولكن هل تعتقد أن هناك أي صلة بين رفضه لمشروع نور وبين ماضي والدته؟" سألت لمى.

"من الصعب الجزم. قد يكون السبب مجرد تعارض في المصالح التجارية، وهو أمر شائع في عالم الأعمال. ولكن إذا كان هناك جانب شخصي، فمن الصعب جداً كشفه. الأستاذ أحمد لا يكشف عن أسراره بسهولة."

"ولكن ما الذي يمكننا فعله؟" سألت فاطمة. "نحن نريد أن ندعم نور، وهي تشعر بالإحباط الشديد."

"عليكم أن تتركوا نور تتحدث مع الأستاذ أحمد مباشرة. قد يكون هناك سوء فهم. وإذا لم يسفر ذلك عن شيء، يمكننا البحث عن بدائل. جامعة أخرى، أو ربما شركة خاصة ترغب في تمويل مثل هذه المشاريع."

"ولكن جامعة أخرى، قد يعني كل شيء من جديد." قالت فاطمة بحزن.

"لا تيأسي يا فاطمة. نور فتاة قوية، وشغوفة. وإذا كانت تريد هذا المشروع حقاً، فسوف تجد طريقه. والآن، دعونا نتناول بعض القهوة، ولنتحدث عن أمور أخرى."

وبينما كان الأستاذ خالد يتحدث، لمعت فكرة في ذهن فاطمة. "هل تعرف ما إذا كانت والدة أحمد، ليلى، قد تركت أي شيء يتعلق بمشاريعها الفنية؟"

"لماذا تسألين؟"

"لا أعرف، فقط فضول. أظن أنها كانت تحب الرسم كثيراً. هل يمكن أن تكون قد تركت شيئاً متعلقاً به؟"

"في الواقع، أعتقد أنها تركت بعض اللوحات القديمة في منزلها القديم. هل تريدين أن أذهب معكِ لإلقاء نظرة؟"

"سأكون ممتنة لكَ."

في تلك اللحظة، شعرت فاطمة بأن الخيوط بدأت تتشابك. خيوط الماضي، وخيوط الحاضر، وخيوط المستقبل. لم تكن تعرف إلى أين ستقودها هذه الخيوط، ولكنها كانت تشعر بأنها تسير في الاتجاه الصحيح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%