حب وكرامة
عاصفة القرارات ووشوشات الخداع
بقلم سارة العمري
كانت أجواء الجامعة في ذلك اليوم مشحونة بالتوتر. لم يكن الأمر يتعلق فقط بمشاريع التخرج، بل كانت هناك شائعات تتناقل بين الطلاب عن تغييرات وشيكة في الإدارة، وعن ضغوط خارجية تؤثر على قرارات قسم الهندسة. جلس الأستاذ أحمد في مكتبه، وقد بدا عليه الإرهاق، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريقٍ غريب، بريقٌ لم ترتبه نور بعد.
كان يراجع بعض الملفات، وبينها ملف مشروع نور. كان قد أعد ملاحظاتٍ دقيقة، ليس فقط عن الجوانب التقنية، بل عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. كان يرى في مشروع نور فرصةً حقيقية، فرصةً كان قد تمنى أن يراها يتحقق منذ زمنٍ بعيد. ولكن كانت هناك قوةٌ خفية، قوةٌ أشد منه، تضغط عليه لاتخاذ قراراتٍ تتعارض مع قناعاته.
"هل أنت متأكد من هذا يا أحمد؟" سأل صوتٌ هادئ، ولكنه كان يحمل ثقلاً كبيراً.
التفت الأستاذ أحمد ليرى السيد غسان، رجل الأعمال الذي كان له نفوذٌ كبير في قطاع الطاقة. كان غسان يرتدي بذلةً فاخرة، ويحمل حقيبة جلدية لامعة.
"مرحباً يا غسان. تفضل بالجلوس." قال الأستاذ أحمد.
جلس غسان، ونظر إلى ملف نور. "مشروعٌ طموحٌ جداً. ولكن هل يخدم مصالحنا حقاً؟"
"إنه يخدم مصلحة البيئة والمجتمع." رد الأستاذ أحمد بحزم.
"المصالح التجارية هي الأهم يا أحمد. وهذا المشروع، إذا تم تطبيقه على نطاق واسع، قد يؤثر على مبيعات بعض منتجاتنا. هل أنت مستعد لتحمل هذه المسؤولية؟"
"أنا مسؤول عن سمعة الجامعة، وعن مستقبل طلابها."
"وانا مسؤول عن استثمارات الشركة، وعن موظفينا. نحن ندعم الجامعات، ولكن بشرط أن تكون مشاريعها متوافقة مع رؤيتنا. هل فهمت؟"
شعر الأستاذ أحمد بالضيق. كان يعلم أن غسان لا يتحدث عن رأي فقط، بل عن تهديد. كان يعلم أن غسان قادر على إحداث مشاكل كبيرة إذا لم يمتثل لطلباته.
"حسناً. سأفكر في الأمر." قال الأستاذ أحمد، وهو يخشى على مستقبل نور.
بعد أن غادر غسان، نظر الأستاذ أحمد إلى ملف نور مرة أخرى. كانت صورته، وهو يقف بجوار نموذج صغير للمشروع، تبعث فيه الأمل. كانت عيناه تلمعان بالعزيمة، وتنبئان بمستقبلٍ مشرق.
"ماذا أفعل؟" تساءل بصوتٍ خافت. "كيف يمكنني حماية هذا الحلم من الذين يسعون لدفنه؟"
في هذه الأثناء، كانت نور وسارة في مكتب الدكتور خالد. كان الدكتور خالد قد استمع إلى قصة نور بعناية، وكان يرى في عينيها الإصرار.
"مشروعكِ له قيمةٌ كبيرة يا نور. ولن نسمح لأي عقبات بأن تقف في طريقكِ." قال الدكتور خالد.
"ولكن كيف؟ الأستاذ أحمد يبدو متمسكاً بقراره." قالت نور.
"في بعض الأحيان، يتطلب الأمر ضغوطاً من نوع آخر. هل أنتِ مستعدة للذهاب إلى الجهات العليا؟"
ترددت نور قليلاً. لم تكن تريد أن تسبب مشاكل، ولكنها كانت مستعدة لفعل أي شيء لتحقيق حلمها.
"نعم، أنا مستعدة." أجابت.
"جيد. سأتحدث مع رئيس الجامعة. وسأوضح له أهمية مشروعكِ، ومدى الظلم الذي تتعرضين له."
"وهل تعتقد أنه سيستمع؟"
"رئيس الجامعة يعرف قيمة العلم، ويعرف أهمية دعم الطلاب الموهوبين. ولكن، علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات."
وبينما كانوا يتحدثون، جاءت سارة برسالةٍ على هاتفها. "إنها من الأستاذ أحمد. يقول إنه يريد مقابلتي أنا ونور في أقرب وقت ممكن. يريد أن يتحدث معنا."
نظرت نور إلى الدكتور خالد، ثم إلى سارة. "هل تعتقد أن هذا هو الوقت المناسب؟"
"ربما يريد أن يعتذر، أو أن يقدم حلاً. لا نعرف. ولكن علينا أن نذهب." قال الدكتور خالد.
توجهت نور وسارة إلى مكتب الأستاذ أحمد. كان المكتب هادئاً، وكأن الأستاذ أحمد ينتظرهما.
"تفضلا بالجلوس." قال الأستاذ أحمد، وهو يشير إلى الكراسي أمامه.
نظرت نور إلى الأستاذ أحمد، وحاولت أن تقرأ ما في عينيه. كان هناك مزيجٌ من الندم، والأسف، والقلق.
"نور، سارة. أنا آسف. ربما لم أكن واضحاً بما فيه الكفاية في المرة السابقة." بدأ الأستاذ أحمد. "مشروعكِ... هو مشروعٌ رائع. ولكنه يتطلب موارد هائلة، وقد يكون من الصعب جداً تنفيذه في ظل الظروف الحالية."
"ولكننا مستعدون للبحث عن حلول." قالت نور. "نحن نريد فقط فرصة."
"أعلم، وأنا معجبٌ بإصراركِ. ولكن هناك اعتبارات أخرى. اعتباراتٌ تتعلق بمصلحة الجامعة، وبدعم من الجهات الخارجية."
"هل تقصد السيد غسان؟" سألت سارة.
تظاهر الأستاذ أحمد بالدهشة. "ما علاقة السيد غسان بهذا الأمر؟"
"سمعنا أنه هو من يمول بعض المشاريع. وأن مشروعنا قد لا يكون متوافقاً مع مصالحه."
صمت الأستاذ أحمد للحظة. كان يعلم أن غسان قد كشف عن وجهه الحقيقي.
"السيد غسان له رأيه، ولكن الجامعة لها رأيها أيضاً." قال الأستاذ أحمد، وهو يحاول كسب الوقت. "أنا هنا لأقدم لكم اقتراحاً. ربما يمكننا تأجيل مشروع التخرج لهذا العام، والعمل عليه بشكلٍ أوسع، مع البحث عن تمويلٍ خارجي."
"تأجيل؟" قالت نور بصدمة. "هذا يعني أنني لن أتخرج هذا العام."
"أنا أفهم ذلك. ولكنه الحل الوحيد الذي يمكنني تقديمه في الوقت الحالي. وإلا، سأضطر إلى رفض المشروع تماماً."
شعر قلب نور وكأنه انقبض. هل كانت هذه نهاية كل شيء؟ هل كان الأستاذ أحمد يخاف من غسان؟
"ولكن... لماذا؟ لماذا كل هذا التعقيد؟" سألت نور. "ما الذي يخيفك لهذه الدرجة؟"
نظر الأستاذ أحمد إلى نور، ورأى فيها براءةً لم يعد يمتلكها. "الحياة يا نور ليست دائماً كما نتمنى. هناك قوى أكبر منا، وقراراتٌ لا نستطيع التحكم فيها. ولكن، تذكري شيئاً واحداً: لا تدعي هذا الإحباط يقتل شغفكِ. ابحثي عن طريق آخر، وسوف تجدين."
خرجت نور وسارة من مكتب الأستاذ أحمد، وقد ساد الصمت بينهما. كانت عينا نور تترقرقان بالدموع، ولكن إصرارها كان لا يزال قوياً. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، وأن العاصفة قد بدأت للتو.