حب وكرامة
أشباح الماضي تقتحم الحاضر
بقلم سارة العمري
في ذلك المساء، وبينما كانت فاطمة تستعد لزيارة منزلها القديم، وصلتها رسالةٌ من لمى. "أمي، كنت أتحدث مع أحد زملائي. سمع أن السيدة ليلى، والدة أحمد، كانت تركت بعض الأعمال الفنية في معرضٍ خاص قبل وفاتها، وأن هذه الأعمال لم تُعرض للعامة بعد. هل يمكن أن يكون هناك شيءٌ مهمٌ هناك؟"
شعرت فاطمة بوخزةٍ مفاجئة في قلبها. السيدة ليلى، والدة أحمد، كانت فنانةً موهوبة. كانت تحب الرسم، وكانت ترى في الألوان عالماً آخر. هل يمكن أن يكون هناك شيءٌ يتعلق بمشروع نور؟
قررت فاطمة أن تغير خطتها. بدلاً من الذهاب إلى منزلها القديم، توجهت مع لمى إلى المكان الذي أشارت إليه لمى. كان معرضاً فنياً صغيراً، في منطقةٍ راقية من المدينة. يبدو أنه كان تابعاً للسيدة ليلى، ولكنه لم يفتح أبوابه للعامة قط.
"لا أعرف لماذا لم يُفتح هذا المعرض." قالت لمى وهي تنظر حولها. "لم أسمع عنه من قبل."
"ربما كان ذلك حلم والدة أحمد. أن تفتتح معرضاً لأعمالها." قالت فاطمة.
عندما اقتربتا من باب المعرض، وجدتا مفتاحاً معلقاً في مكانٍ مخفي. ترددت فاطمة للحظة، ثم أخرجت المفتاح وفتحت الباب.
دخلتا إلى الداخل، فوجدتا المكان غارقاً في ظلامٍ خفيف، ورائحة الأتربة والزمن تفوح في الأرجاء. كان المكان يبدو مهجوراً، ولكن الصور المعلقة على الجدران كانت واضحة. صورٌ بالألوان الزيتية، تحمل بصمة فنانةٍ متمكنة.
"يا إلهي، إنها رائعة!" قالت لمى وهي تتأمل إحدى اللوحات.
بدأت فاطمة تتجول في المكان، وقلبها يخفق بشدة. كانت تتذكر كيف كانت ليلى تتحدث عن شغفها بالفن، وعن رؤيتها للعالم من خلال الألوان.
"انظري يا أمي." نادت لمى. "هذه اللوحة... تبدو مختلفة."
اقتربت فاطمة لتنظر. كانت اللوحة عبارة عن منظر طبيعي، ولكنه كان يحمل ألواناً داكنة، توحي بالكآبة. في زاوية اللوحة، كان هناك رسمٌ صغيرٌ جداً، لشجرةٍ وحيدة، وعليها طائرٌ صغيرٌ يبدو وحيداً.
"لم أتذكر أن ليلى كانت ترسم بهذا الأسلوب." قالت فاطمة. "كانت دائماً تميل إلى الألوان المشرقة."
"ولكن انظري إلى التفاصيل." قالت لمى. "هناك رمزٌ غريبٌ تحت الشجرة. يبدو وكأنه حرف."
اقتربت فاطمة أكثر، ورأت الرمز. كان يشبه حرف "ألف" ولكنه كان مائلاً، وغير مكتمل.
"أنا لا أعرف ما هذا." قالت فاطمة.
"ربما كان حرف اسم شخصٍ ما." قالت لمى.
"ربما."
وبينما كانت فاطمة تتأمل اللوحة، لمحتا صندوقاً خشبياً صغيراً، موضوعاً تحت طاولةٍ قديمة. كان مغلقاً بإحكام.
"هل نجرب فتحه؟" سألت لمى.
فتحت فاطمة الصندوق، لتجد بداخله مجموعةً من الرسائل القديمة، وبعض الصور الفوتوغرافية. كان معظم الرسائل مكتوباً بخط يد ليلى، ولكن هناك بعض الرسائل الأخرى، بخطٍ مختلف.
أخذت فاطمة إحدى الرسائل، وقرأت اسمها. كانت موجهةً إلى "ليلى الغالية". وبدأ قلبها يخفق بقوة.
"هذا ليس خط ليلى." قالت فاطمة. "هذا خط يد أحمد."
فتحت الرسالة، وقرأت. كانت رسالةً مليئةً بالحب، ولكنها كانت تحمل أيضاً همساً بالخوف. "ليلى، لا أستطيع أن أواصل هكذا. الضغوط تزداد. يجب أن نتخذ قراراً. لا أعرف ما إذا كنا سنتمكن من تحقيق حلمنا، ولكنني سأحاول بكل ما أوتيت من قوة. تذكري أن حبنا هو قوتنا."
"ماذا يعني ذلك؟" سألت لمى.
"لا أعرف. ولكن يبدو أن والدة أحمد كانت تخفي سراً."
فتحت فاطمة رسالةً أخرى، وكانت موجهةً من أحمد. في هذه الرسالة، كان الحديث مختلفاً. كان أحمد يتحدث عن فشلٍ ذريع، عن خسارةٍ فادحة. "ليلى، لقد فشلت. لم أستطع حمايتكِ. لقد خسرنا كل شيء. آمل أن تسامحيني. سأحاول أن أعوضكِ عن هذا، مهما كلف الأمر."
"ماذا خسرا؟" سألت لمى. "وما علاقة هذا بمشروع نور؟"
توقفت فاطمة. بدأت كل الألغاز تتجمع في ذهنها. أحمد، مشروعه، واليته، رفضه لمشروع نور. هل كان كل هذا بسبب ماضي ليلى؟
"لمى، أعتقد أن علينا أن نذهب إلى أحمد." قالت فاطمة. "لدينا بعض الأسئلة التي يجب أن نطرحها."
أثناء ذلك، كانت نور تجلس في غرفتها، تشعر بالإحباط. نظرت إلى صورةٍ صغيرةٍ لها مع والديها، والابتسامة تملأ وجهها. كانت تتذكر كيف كانت تدعمها دائماً.
"ماذا أفعل؟" تساءلت بصوتٍ متهدج. "هل أستسلم؟ هل أترك هذا الحلم يضيع؟"
فجأة، سمعت طرقاً على الباب. فتحت لتجد سارة واقفةً أمامها، وعيناها تلمعان بالحماس.
"نور، لدي أخبارٌ رائعة!" قالت سارة. "لقد تحدثت مع الدكتور خالد، وهو مستعدٌ لتقديم دعمٍ كبير. وليس هذا فقط، لقد وجدتُ زميلاً آخر، زميلاً موهوباً، اسمه حسام، وهو متحمسٌ لمشروعكِ ويريد مساعدتكِ."
"حسام؟ من هو؟"
"هو ابن أحد رجال الأعمال الذين يدعمون المشاريع البيئية. سمع عن مشروعكِ، ويريد أن يساهم في تمويله."
شعر قلب نور ببعض الدفء. كان هناك من يدعمها، من يؤمن بها.
"ولكن... الأستاذ أحمد..." بدأت نور.
"الأستاذ أحمد لديه أسبابه. ربما يخاف من شيءٍ ما. ولكن لا تدعي هذا يوقفنا. لدينا الآن فرصةٌ جديدة."
وبينما كانت نور وسارة تتبادلان الأحاديث، كان هناك من يراقبهما. في سيارةٍ فاخرة، كان يجلس السيد غسان، وبجانبه رجلٌ يرتدي قناعاً.
"هل تأكدت من أن الأمور تسير كما خططنا؟" سأل غسان.
"نعم يا سيدي. المشروع في طريقه إلى الفشل. والأستاذ أحمد يتخذ قراراتٍ حكيمة، وفقاً لتوجيهاتكم."
"جيد. لا أريد أي مفاجآت. وخاصةً عندما يتعلق الأمر بسمعة الشركة. تذكر، لا شيء يجب أن يصل إلى العلن."
"مفهوم يا سيدي."
في تلك اللحظة، شعرت نور بأنها تقف على حافة الهاوية. كانت الأشباح تتسلل من الماضي، وتحاول أن تدمر مستقبلها. ولكنها كانت مصممة على المقاومة.