الفصل 2 / 25

حب وكرامة

بين الشك واليقين

بقلم سارة العمري

عندما ارتفعت الشمس ملء سمائها، واكتست أرجاء البيت بالضياء، كانت "نور" قد استيقظت والدتها، الحاجة "فاطمة"، على وقع خطواتها الهادئة في أرجاء المنزل. كان صباحاً كأيّ صباح، حيث تستقبل الأم ابنتهت بسؤالٍ عن حالها، وتطمئن عليها. لكنّ "نور" كانت تحمل سراً، ثقيلاً كالحجر، يخنق أنفاسها ويجعلها تتظاهر بالهدوء.

"صباح الخير يا أمي،" قالت "نور" بابتسامةٍ باهتة، وهي تحتسي فنجان قهوتها المعتاد.

"صباح النور يا بنيتي،" أجابت الحاجة "فاطمة" بصوتٍ دافئ. "كيف نمتِ؟ تبدين شاحبةً بعض الشيء."

"الحمد لله يا أمي، فقط قليلٌ من التعب. ربما سهرتُ متأخرةً قليلاً في قراءة كتابي." كان هذا العذر هو الأسهل، والأقل إثارةً للريبة.

لم تشكّ الأم بابنتها، فقد كانت "نور" معروفةً بحبّها للقراءة، وعمق تفكيرها. كانت تلمسها بحنانٍ وتربت على كتفها. "أهمّ شيء صحتكِ يا حبيبتي. لا ترهقي نفسكِ أكثر من اللازم. تذكرتُ أنّه اليوم يوم السوق، هل ترغبين في الذهاب معي؟"

"ربما بعد قليل يا أمي،" أجابت "نور" وهي تشعر بوطأة المسؤولية التي بدأت تفرض نفسها. كانت تعلم أنّ "أحمد" لن يتأخر في اتخاذ قراره، وأنّ عليها أن تكون مستعدةً لمواجهة تبعات ما حدث.

كانت "نور" فتاةً نشأت في بيتٍ يقدّس القيم الإسلامية، ويكرم المرأة. كانت والدتها، الحاجة "فاطمة"، نموذجاً للمرأة الصالحة، التي بنت حياتها على تقوى الله، ورضا زوجها، وتربية أبنائها. وكان والدها، الحاج "عبد الله"، رجلاً ورعاً، صاحب كلمةٍ ورأي، يعمل بجدٍ لتوفير العيش الكريم لأسرته، ويحرص دائماً على أن تكون أسرته على منهج الله.

في بيتهم، لم يكن الحبّ مجرد عاطفةٍ عابرة، بل كان رحلةً مقدسة، تبدأ بالتعارف المشروع، ثمّ الخطبة، فالزواج، ثمّ بناء أسرةٍ سعيدة، تسير على هدى الدين. وعندما التقت "نور" بـ "أحمد" في الجامعة، وجدت فيه الشاب الذي يتّسم بالصفات التي لطالما حلمت بها. كان محترماً، ومتديناً، وطموحاً. بدأت علاقتهما بصداقةٍ بريئة، تحوّلت تدريجياً إلى حبٍّ عميق، حبٍّ كان مبنياً على تبادل الاحترام، والتقدير، والدعم المتبادل.

كانت "نور" قد شاركت خططها المستقبلية مع "أحمد" بصدقٍ تام، وبادلها "أحمد" نفس الصدق. كانا يتحدثان عن بناء بيتٍ صغيرٍ، مملوءٍ بالدفء، والألفة، وتربية أطفالٍ صالحين. كانت "نور" ترى في "أحمد" شريك حياتها، وسندها، وأبا أولادها.

لكنّ كلمات "أحمد" بالأمس بدت كسكينٍ اخترق كلّ هذه الأحلام. "سفره"، "مشروع تجاري"، "زواج من ابنة العائلة الصديقة"، "رباط وثيق"، "خطوة استراتيجية". كلّ هذه الكلمات بدت غريبةً، ومقلقةً، ومنافيةً لما كانت تظنه.

بينما كانت "نور" تتناول طعام الإفطار، وصلت رسالةٌ نصيةٌ إلى هاتفها. كان المرسل هو "أحمد". بدأت يداها ترتجفان وهي تفتح الرسالة.

"يا نور، أرجو أن تتفهمي. الأمر أعقد مما يبدو. سأتحدث معكِ اليوم بعد صلاة العصر، في مكانٍ هادئ. أريد أن أشرح لكِ كلّ شيءٍ بوضوح."

كانت هذه الكلمات كبلسمٍ يخفف من قلقها، لكنّها لم تزله تماماً. "مكان هادئ؟" هل هذا يعني أنّه لم يعد بإمكانهما اللقاء في منزلها؟ هل أصبحت علاقتهما محفوفةً بالمخاطر؟

قررت "نور" أن تتصل بـ "ليلى"، صديقتها المقربة، التي كانت تعرف بكلّ تفاصيل قصتها مع "أحمد". كانت "ليلى" دائماً خير معينٍ لها، ومستشارةٍ أمينة.

"ألو، ليلى؟"

"أهلاً يا نور! كيف حالكِ؟ كنتُ أنتظر اتصالكِ منذ البارحة."

"لم أكن أعرف ماذا أقول،" قالت "نور" بصوتٍ متعب. "الأمر حدث، يا ليلى. قال لي كلّ شيء."

"ماذا قال؟ أنا قلقةٌ جداً عليكِ."

سردت "نور" لـ "ليلى" كلّ ما دار بينها وبين "أحمد". شعرت "ليلى" بالصدمة والغضب.

"كيف يجرؤ؟ كيف يفكر في الزواج من أخرى وهو مرتبطٌ بكِ؟ هذا لا يليق بشابٍ مثله، ولا يرضي ربّ العالمين!"

"هو يقول إنّها مسؤولياتٌ أسرية، وضغطٌ تجاري. ويطلب مني وقتاً."

"وقتٌ لأيّ شيء؟ وقتٌ ليؤكد لكِ أنّه قد باعكِ؟ يا نور، لا تمنحيه هذا الوقت. إنّ كرامتكِ أغلى من أيّ شيء. إذا كان يحبكِ حقاً، فلن يختار طريقاً يؤذيكِ. هذا النوع من العلاقات، التي تبدأ بالخيانة، لا تبنى عليها حياةٌ سعيدة."

"لكنّي أحبّه يا ليلى. أحبّه بصدق. ولا أستطيع أن أتخيل حياتي بدونه."

"الحبّ الحقيقي لا يأتي بالذلّ والهوان. الحبّ الذي يرضي الله، هو الحبّ الذي يحفظ كرامة الطرفين، ويحرص على رضا الله. فكّري ملياً يا نور. إذا كان هذا الرجل مستعداً للتضحية بكِ من أجل مصالح دنيوية، فماذا تتوقعين منه في المستقبل؟"

كانت كلمات "ليلى" قاسيةً، لكنّها منطقية. بدأت "نور" تشعر بأنّ الأمور تتضح لها أكثر. لم يكن الأمر مجرد قرارٍ صعب، بل كان اختباراً لقيمها، ولمبادئها.

بعد صلاة الظهر، قررت "نور" أن تتحدث إلى والدتها. كانت تخشى أن تخبرها، لكنّها لا تستطيع أن تحتفظ بهذا السرّ.

"أمي، هل تسمحين لي أن أتحدث معكِ في أمرٍ مهم؟"

"تفضلي يا حبيبتي. ما الذي يقلقكِ؟"

ترددت "نور" قليلاً، ثمّ بدأت تحكي لوالدتها ما سمعته من "أحمد". كانت الحاجة "فاطمة" تستمع بصمت، وعيناها تفيضان بالأسى. عندما انتهت "نور"، احتضنتها والدتها بحنان.

"يا بنيتي، إنّ الدنيا دار ابتلاء. وما يحدث لكِ قد يكون اختباراً من الله. عليكِ أن تتذكري دائماً أنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. لا تسمحي لأحدٍ بأن يمسّ بكرامتكِ، أو يقبل منكِ ما يغضب الله. إنّ الزواج رزقٌ من الله، وإذا كان هذا الشابّ لم يصن عهدكِ، ولم يراعِ حقّكِ، فلا تقبلي منه ما يرضي غير الله."

"ولكنّي أحبّه يا أمي."

"الحبّ الذي يرضي الله، هو الذي يؤدي إلى الحلال، إلى الزواج الشرعي، إلى بيتٍ مبنيٍّ على السعادة والسكينة. أما الحبّ الذي يدفعكِ إلى التنازل عن كرامتكِ، أو يجعلكِ في موقفٍ مذلّ، فهذا ليس حبّاً، بل هو فتنةٌ وابتلاء. عليكِ أن تصلي صلاة الاستخارة، وتستعيني بالله، وتستشيري قلبكِ. والله لن يخذلكِ."

شعرت "نور" براحةٍ نفسيةٍ كبيرة بعد حديثها مع والدتها. كانت كلماتها كبلسمٍ شافٍ، أعادت إليها بعضاً من قوتها. كانت تعلم أنّ الطريق لن يكون سهلاً، لكنّها استشعرت أنّها ليست وحدها.

عندما حان وقت العصر، ارتدت "نور" حجابها، وتوجهت نحو المكان الذي حدده "أحمد". كان قلبه ينبض بسرعة، وعقلها يمتلئ بالأسئلة. هل سيتمكن "أحمد" من شرح موقفه بطريقةٍ تجعلها تفهمه؟ أم أنّه سيؤكد لها ما تخشاه؟ كانت تعلم أنّ هذه المقابلة ستكون حاسمة، وأنّها قد تحدد مصير علاقتهما، ومصير حياتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%