الفصل 6 / 25

حب وكرامة

بين الجدران الخفية

بقلم سارة العمري

اتخذت زينب قرارها. لم تعد قادرة على العيش في دوامة الشك والخوف. في صباح اليوم التالي، حين أشرقت الشمس بوهجها المعتاد، واستيقظ أحمد من نومه العميق، وجد زينب تجلس أمامه، ترتدي ثوباً بسيطاً، وفي عينيها مزيج من الحزن والقوة. كان هدوءها هو ما أثار قلقه.

"صباح الخير يا أحمد." قالت بصوت هادئ، ولكن كان يحمل في طياته ثقلاً لا يمكن تجاهله. أجابها بصوت متعب، وهو يحاول استجماع طاقته: "صباح النور يا حبيبتي. هل أنت بخير؟" لم تجب فوراً. نظرت إليه مطولاً، كأنها تحاول أن ترى ما وراء قناع البرود الذي يرتديه. ثم قالت: "لا، لست بخير. وأنت أيضاً لست بخير."

شعر أحمد ببرودة تسري في عروقه. كان يعلم أن هذه اللحظة قادمة، ولكنه كان يأمل، في قرارة نفسه، أن تظل بعيدة. "ماذا تقصدين؟" سأل، وحاول أن يظهر الثقة في صوته، ولكن كانت يداه ترتجفان قليلاً.

"أحمد، لقد اكتشفت." كانت الكلمة بسيطة، ولكنها كانت كالقذيفة التي اخترقت سكون الصباح. احمر وجه أحمد، وشحب لونه في آن واحد. حاول أن يبتسم، ولكنه لم يستطع. "اكتشفت ماذا؟" سأل، صوته يكاد يكون همساً.

"اكتشفت أنك تعيش حياة مزدوجة. اكتشفت أن هناك ما تخفيه عني، ما تخفيه عن الجميع." ارتعش جسد أحمد. كانت الحقيقة أمامه، واضحة كالشمس. لم يعد بإمكانه الإنكار، ولا يمكنه التهرب. "زينب، أرجوكِ..." بدأ، ولكن زينب قاطعته.

"أرجوك ماذا؟ أرجوكِ أن أسكت؟ أرجوكِ أن أغمض عيني عن حقيقتك؟ أرجوكِ أن أعيش في وهم؟" رفعت صوتها قليلاً، ولكنها حافظت على رباطة جأشها.

"لم أقصد أبداً أن أؤذيكِ." قال أحمد، وعيناه تترقرقان بالدموع. "ولكنك فعلت. لقد آذيتني. لقد آذيت ثقتي بك. لقد آذيت كل شيء بنيناه معاً." جلست زينب أمامه، ووضعت يديها على الطاولة. "أحمد، أحبك. ولكن لا يمكنني أن أعيش مع رجل يكذب علي. لا يمكنني أن أبني مستقبلي مع رجل يعيش في ظلال، مع رجل يفضل ملذاته الزائلة على حب حقيقي، حب مشرف."

شعر أحمد بالضعف يغشاه. كانت زينب، بقوتها وهدوئها، تسحقه. كان يعرف أن لديه مشكلة، مشكلة حقيقية، ولكنه لم يكن يمتلك القوة الكافية لمواجهتها. كان يجد في اللذة السريعة ملاذاً مؤقتاً، ولكنه كان يعلم أن هذا الملاذ سيتحول إلى سجن.

"لقد تعبت يا زينب. تعبت من هذا الصراع." اعترف أحمد، وصوته يرتجف. "أنا... أنا لست قوياً كما تظنين." "ولكنني أردتك قوياً. أردتك رجلاً استطيع أن أعتمد عليه. أردتك رجلاً يبني بيتاً، لا يهدمه." "أنا مدمن يا زينب. مدمن على... على هذه الحياة." اعترف أخيراً، وكانت الكلمة مؤلمة له بقدر ما كانت مؤلمة لها.

"مدمن؟ على ماذا؟ على الكذب؟ على الخيانة؟ على إيذاء من يحب؟" "على... على البحث عن شيء ما. شيء أشعر أنه ناقصني. شيء لا أجده في حياتي المستقيمة." "وماذا تظن ستجده في هذه الحياة المظللة؟ ستجد الفراغ، ستجد الندم، ستجد الدمار."

كانت زينب تتحدث بجدية، بجدية رجل دين، بجدية حكمت عليه الأيام بما لم يتوقعه. "أعرف أن هذا خطأ. أعرف أنني أسير في طريق مظلم." قال أحمد، وهو ينظر إلى يديه. "ولكنني لا أعرف كيف أتوقف. كلما حاولت، عدت إلى نفس الدائرة."

"لهذا السبب، يجب أن تطلب المساعدة. يجب أن تعترف أمام الله، وأمام نفسك، وأمام من تحب. الاعتراف هو أول خطوة نحو الشفاء." "وهل ستسامحينني؟" سأل أحمد، وارتسمت على وجهه نظرة رجاء.

"المسامحة تأتي بعد التصحيح، يا أحمد. تأتي بعد أن تريني تغييراً حقيقياً. لا يكفي أن تقول 'أنا مدمن'، بل يجب أن تثبت أنك تريد التغلب على هذا الإدمان." "ولكن كيف؟" سأل، وهو يشعر ببعض الأمل يتسلل إلى قلبه. "من أين أبدأ؟"

"ابدأ بالتوقف عن الكذب. ابدأ بالصدق المطلق معي، ومع نفسك. ثم ابحث عن مساعدة متخصصة. هناك من يمكنه أن يرشدك، من يفهم هذا الضعف البشري، ومن يستطيع أن يعينك على تجاوزها." "وهل ستكونين بجانبي؟" سأل أحمد، وارتسمت على وجهه نظرة طفل ضائع.

"سأكون بجانبك، يا أحمد، ولكن ليس كشريكة حياة لرجل يعيش في وهم. سأكون بجانبك كصديقة، كأخت، كمن يريد لك الخير، حتى وإن كان ذلك يعني أن نبتعد مؤقتاً. لا يمكنني أن أشارك في بناء بيت مبني على الكذب والغش." تألم أحمد من كلماتها، ولكن كان يعلم أنها على حق. كانت زينب، بصدقها، تمنحه فرصة لم يكن يستحقها.

"أتمنى أن تفهمي." قال أحمد، وعيناه مملوءتان بالحسرة. "أتفهم أن لديك صراعاً. ولكنني لا أستطيع أن أكون جزءاً من هذا الصراع بطريقة تضرني وتضر مستقبلي. يجب أن تقرر، يا أحمد. إما أن تختار طريق الشفاء، طريق الكرامة، أو أن تختار طريق الهلاك."

صمت أحمد. لم يكن يعرف ماذا يقول. كانت الكلمات تتقاذف في صدره، والأفكار تتصارع في ذهنه. كان يعلم أن زينب قد وضعت أمامه طريقين. طريق صعب ولكنه يؤدي إلى الخلاص، وطريق سهل ولكنه يؤدي إلى الدمار.

"سأفكر." قال أخيراً، ولم يستطع أن يرى عيني زينب. "التفكير وحده لا يكفي يا أحمد. يجب أن يكون هناك فعل. يجب أن يكون هناك قرار حاسم." وقفت زينب، وبدأت في جمع أغراضها. "سأمنحك بعض الوقت للتفكير. ولكن، لا تطل المسافة بينك وبين القرار. حياتي، ومستقبلي، وكرامتي، لا يمكن أن تكون معلقة إلى الأبد."

خرجت زينب من الغرفة، تاركة أحمد وحيداً مع أفكاره، مع ذنوبه، ومع صراعه الداخلي. كان يعلم أن هذه ليست نهاية القصة، بل بداية فصل جديد، فصل قد يكون مليئاً بالألم، ولكنه قد يكون أيضاً فصل الخلاص. كان يشعر بالضغط، بالخوف، وبالأمل. كان يعلم أن زينب قد فتحت له باباً، وأن عليه أن يختار بين الدخول إليه أو البقاء في الظلام.

====

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%