أحبك رغم المسافة

اللقاء في صدى الأماني

بقلم ليلى الأحمد

هبت نسمةٌ باردةٌ تلفحُ وجهَها، تحملُ معها عبقَ الياسمينِ والترابِ المبللِ بقطراتِ المطرِ الأولى. وقفتْ "ليلى" على شرفةِ منزلِها القديمِ، تترقبُ الأفقَ بلهفةٍ تشبهُ لهفةَ الأمِّ لعودةِ ابنِها الغائب. لم تكنْ تترقبُ شخصًا بعينهِ فحسب، بل كانتْ تترقبُ وعدًا، أملًا، وشيئًا من نورٍ يتسللُ إلى عتمةِ الانتظار. كانتْ عيناها الواسعتانِ، بلونِ العسلِ الداكنِ، تبحثانِ في فراغِ السماءِ عن خيطٍ رفيعٍ من السعادةِ قد يعيدُ إليهِ قلبَها دفئَه المفقود.

كانتْ في أوجِ شبابِها، تتجاوزُ ربيعَها الثاني والعشرين، وتلكَ السنينُ كانتْ كفيلةً بأنْ تنحتَ في روحِها معانٍ عميقةٍ من الصبرِ والتحدي. ترتدي حجابَها بلونِ السماءِ الصافيةِ، وكأنَّه يعكسُ نقاءَ روحِها وطموحَها. ينسدلُ شعرُها الأسودُ الفاحمُ تحتَ الحجابِ كليلٍ بهيِّ، وتتزينُ يداها بأسورةٍ فضيةٍ بسيطةٍ، كلُّ واحدةٍ منها تحملُ قصةً.

لم تكنْ حياتُها مجردَ رتابةٍ وهدوء. بل كانتْ مليئةً بالصخبِ الداخليِّ، بالآمالِ المعلقةِ على خيوطٍ رفيعةٍ، وبالتحدياتِ التي تتجرعُها بصمتٍ. ترعرعتْ في بيتٍ عربيٍّ أصيلٍ، حيثُ القيمُ والمبادئُ هيَ أساسُ الحياةِ، وحيثُ تتربى الفتاةُ على العفةِ والحياءِ، وعلى احترامِ الذاتِ قبلَ احترامِ الآخرين. كانَ والدُها، رجلٌ وقورٌ، ذا هيبةٍ لا تخطئُها العينُ، قد غرسَ فيها حبَّ القراءةِ والشغفَ بالمعرفةِ، وعلمَها كيفَ تكونُ قويةً وشجاعةً في مواجهةِ تقلباتِ الدهر. أما والدتُها، فكانتْ نبعَ الحنانِ والعطاءِ، ومرجعَها في كلِّ أمورِ الحياةِ، تعلمتْ منها أصولَ الطبخِ، وحلاوةَ الحديثِ، وقوةَ التحملِ.

في هذا المساءِ، كانتْ ليلى تنتظرُ ردًّا. ردًّا من ذلكَ الرجلِ الذي اقتحمَ حياتَها كفجرٍ جديدٍ، تاركًا وراءَه أثرًا لا يُمحى. كانَ "فارس"، اسمهُ وحدهُ يحملُ ألفَ معنىً. شابٌ من مدينةٍ بعيدةٍ، جمعتْهما ساحاتُ الجامعةِ في قسمِ الهندسةِ المعماريةِ. لم يكنْ لقاءُهما الأولُ مجردَ صدفةٍ عابرةٍ، بل كانَ تقديرًا إلهيًّا، حيثُ تداخلتْ أرواحُهما في قاعةِ المحاضراتِ، وتناغمتْ أفكارُهما في نقاشاتٍ طويلةٍ، وشعرتْ كلٌّ منهما بالآخرِ قبلَ أنْ يلتقيا.

كانَ فارسُ شابًا طموحًا، يتمتعُ بذكاءٍ حادٍّ، وابتسامةٍ تذيبُ القلوبَ، وعينينِ بلونِ البحرِ الهائجِ، فيهما عمقٌ ورزانةٌ. كانَ يمتلكُ روحًا نقيةً، وقلبًا طيبًا، وشخصيةً قويةً تجعلُ من حولَه يحبونَهُ ويحترمونَهُ. كانَ ملتزمًا بتعاليمِ دينِه، ويحملُ في قلبِه حبًّا صادقًا لوطنِه، وشغفًا ببناءِ المستقبلِ.

جمعتْهما دروسُ التصميمِ، وحلقاتُ البحثِ، والأمسياتُ الطويلةُ التي يقضيانِها في المكتبةِ الجامعيةِ. لم يكنْ حديثُهما يدورُ حولَ المشاريعِ الدراسيةِ فحسب، بل امتدَّ ليشملَ أحلامَهما، مخاوفَهما، طموحاتِهما المستقبليةَ. كانَ فارسُ يرى في ليلى روحًا فريدةً، ذكاءً لامعًا، وقلبًا كبيرًا، يتغنى بجمالِها الداخليِّ والخارجيِّ. وكانتْ ليلى ترى فيهِ السندَ، الأمانَ، والشريكَ الذي طالما حلمتْ بهِ.

لكنَّ الظروفَ لم تكنْ دائمًا في صفِّ الحبِّ. كانَ فارسُ يعيشُ في مدينةٍ أخرى، تبعدُ مئاتِ الأميالِ، وكانَ عملُه بعدَ التخرجِ قد استقرَّ فيهِ هناكَ، في مشروعٍ كبيرٍ سيغيرُ مسارَ حياتِه المهنيةِ. أما ليلى، فكانتْ مرتبطةً بمسؤولياتِ عائلتِها، وواجباتِها تجاهَ والديها اللذينِ لم يستطيعا الاستغناءَ عنها.

جاءَ هذا اللقاءُ في صدى الأماني، بعدَ أشهرٍ من الفراقِ، وأيامٍ مليئةٍ بالترقبِ. كانَ فارسُ قد أرسلَ لها رسالةً عبرَ بريدِها الإلكترونيِّ، يعبرُ فيها عن مشاعرِه بصدقٍ، ويسألُها عن موافقتها على التقدمِ لخطبتِها رسميًّا، بعدَ استشارةِ أهلهِ. كانتْ كلماتهً كالمطرِ على أرضٍ عطشى، تروي ظمأَ روحِها.

ولكنْ، كانتْ هناكَ عقبةٌ. عقبةٌ لم تكنْ بالسهولةِ التي تتخيلُها. والدا فارسَ، على الرغمِ من طيبتِهما، كانا متحفظينَ بعضَ الشيءِ. كانتْ أمُّ فارسَ، امرأةٌ فاضلةٌ، لكنَّها تخشى على ابنِها من أيِّ شيءٍ قد يعكرُ صفوَ حياتِه. بينما كانَ والدُهُ، رجلٌ عمليٌّ، يرى أنَّ الزواجَ يجبُ أنْ يكونَ مبنياً على أسسٍ ماديةٍ مستقرةٍ، وأنَّ أيَّ خطوةٍ عاطفيةٍ يجبُ أنْ تُدرسَ بعنايةٍ فائقةٍ.

كانتْ ليلى تعلمُ أنَّ قرارَ فارسَ لم يكنْ سهلًا. وأنَّ موافقةَ أهلهِ على خطبتِها تتطلبُ الكثيرَ من الجهدِ والإقناعِ. لهذا، كانتْ تنتظرُ. تنتظرُ كلمةً منهُ، تؤكدُ لها أنَّ كلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يرام.

وإذا بالسماءِ تضيءُ بوميضٍ خاطفٍ، تلاهُ صوتُ رعدٍ خافتٍ. وكأنَّ الطبيعةَ تعكسُ عواطفَها المتلاطمةَ. رفعتْ ليلى رأسَها، فرأتْ ضوءًا خافتًا يقتربُ في الطريقِ. ضوءَ سيارةٍ. هل هوَ هو؟ هل جاءَ؟

ارتعشَ قلبُها، وتسارعتْ أنفاسُها. لم تستطعْ أنْ تتأكدَ. لكنَّها شعرتْ بشيءٍ. شعرتْ بأنَّ الأملَ بدأَ يتجسدُ أمامَها. مشتْ بخطواتٍ متثاقلةٍ نحو البابِ، يدُها ترتعشُ وهيَ تفتحُه.

كانَ يقفُ أمامَ البابِ، وجهُهُ مضاءً بنورِ المصباحِ الخارجيِّ. فارسَ. بكلِّ هيبتِهِ، بابتسامتِهِ المعهودةِ التي تبعثُ على الطمأنينةِ. كانَ يحملُ بينَ يديْهِ باقةَ وردٍ حمراءَ، حمراءَ بلونِ الحبِّ الذي يتوهجُ في قلبيهما.

"ليلى..." همسَ باسمِها، صوتُهُ أجشُّ قليلاً من فرطِ المشاعرِ.

ابتسمتْ لهُ، ابتسامةٌ واسعةٌ امتدتْ حتى بللتْ عينيها بدموعِ الفرحِ. "فارس..."

وقفَ الاثنانِ للحظاتٍ، تتحدثُ العيونُ بما تعجزُ عن وصفِه الكلماتُ. ثمَّ تقدمَ فارسُ بخطواتٍ ثابتةٍ، مدَّ يدَهُ نحوها. أمسكتْ بيدِهِ، وشعرتْ بدفءٍ يسرى في عروقِها.

"هل أنتِ مستعدةٌ يا ليلى؟" سألَها بصوتٍ هادئٍ، لكنَّهُ يحملُ كلَّ ثقلِ السؤالِ.

نظرتْ في عينيهِ، ورأتْ فيهما مستقبلًا مشرقًا، وحبًّا صادقًا، ووعدًا بالبقاءِ. "نعم يا فارسَ، أنا مستعدةٌ."

كانتْ تلكَ اللحظةُ بدايةَ قصةٍ جديدةٍ، قصةَ "أحبكِ رغمَ المسافةِ". قصةً ستُكتبُ بمدادِ الأملِ، والصبرِ، والتحديِّ. قصةً ستُثبتُ أنَّ الحبَّ الحلالَ، الصادقَ، قادرٌ على قهرِ المسافاتِ، وتخطي العقباتِ، والوصولِ إلى برِّ الأمانِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%