أحبك رغم المسافة
ضباب الشكوك وعواصف المشاعر
بقلم ليلى الأحمد
لم تستطع ليلى النوم تلك الليلة. كلمات السيد راشد كانت تتردد في ذهنها كصدى مظلم. "هل أنتِ مستعدة لمواجهة أم خليل؟" "هل أنتِ مستعدة لهذه التضحيات؟" كانت تشعر وكأن الأرض تدور بها. لقد وثقت بخليل، وثقت بحبه، وثقت بقراره. ولكن هل كان قراره هو مجرد هروب مؤقت من الواقع، أم بداية لصراع أعمق؟
في صباح اليوم التالي، طلبت ليلى من جدتها الإذن بالعودة إلى المدينة. "يا جدتي، أظن أنني يجب أن أعود. أحتاج أن أتحدث مع خليل، وأن أفهم ما يحدث." نظرت السيدة عائشة إليها بابتسامة حزينة. "أعلم يا ابنتي. أحياناً، تكون المواجهة ضرورية. ولكن كوني حذرة. الكلمات يمكن أن تجرح، وقد تكون أشد من السهام." "سأكون حذرة يا جدتي. ولكن لا يمكنني أن أبقى هنا وأنا أشعر بكل هذا القلق."
بعد ساعات قليلة، كانت ليلى تقف أمام باب شقة خليل في المدينة. كان قلبها يخفق بشدة، خوفاً وترقباً. استقبلتها مدبرة المنزل بابتسامة، وقادتها إلى غرفة المعيشة. كان خليل جالساً على الأريكة، يحتسي القهوة، يبدو عليه الإرهاق. "ليلى! ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟" سأل بلهفة، وقف واحتضنها. شعرت ليلى بالراحة في حضنه، لكنها سرعان ما تذكرت أسئلتها. "خليل، نحتاج أن نتحدث." قالت وهي تبتعد قليلاً. "بالتأكيد. هل حدث شيء؟" "السيد راشد زارني في بيت جدتي. تحدث معي... عن والدتك. وعن اعتراضاتها." تغير وجه خليل. تنهد بعمق، وجلس مرة أخرى. "آه... السيد راشد. لم أتوقع منه ذلك." "إذن... صحيح؟ والدتك... لا توافق؟" "ليلى، أمي... لديها رؤيتها الخاصة عن المستقبل. وعن العائلة. هي... كانت تتمنى لو أنني ارتبطت بفتاة أخرى." "فتاة أخرى؟" سألت ليلى، وقد شعرت ببرودة تسري في عروقها. "ليست بالضرورة فتاة أخرى. ولكن... فتاة من عائلة معينة، لها مكانتها. هي لم تعجب بفكرة ارتباطي بكِ منذ البداية، ولكنها... كانت تتوقع أنكِ لن تكوني مناسبة على المدى الطويل." "ولماذا لم تخبرني بهذا؟ لماذا طلبت مني أن أبقى في بيت جدتي؟ هل كنت تحاول حمايتي؟ أم أنك كنت تحاول أن تكسرني ببطء؟" "لا يا ليلى! أبداً! كنت أحاول أن... أن أجد حلاً. أن أرى كيف ستسير الأمور. أردت أن أتأكد من مشاعرك، ومن مشاعري. أردت أن نبني شيئاً قوياً، يتحمل هذه الضغوط." "ولكن... ما جدوى هذا البناء إذا كان أساسه الشك؟ إذا كانت هناك عواصف ستأتي لتهدمه؟" "العواصف يا ليلى، هي التي تختبر قوة السفينة. أنا أثق بكِ. وأثق بحبنا. ولكن... أمي... هي أمي. ولا أريد أن أؤذيها." "وأنا؟ ماذا عني؟ ألا تؤذيني وأنا أرى كل هذا الغموض؟ ألا تؤذيني وأنا أسمع عن فتاة أخرى؟" "لم أقل فتاة أخرى! قلت... فتاة أخرى كانت ستكون مناسبة في نظرها. لم يكن هناك شيء جدي." "ولكن... هل أمكِ فقط من لديها رأي؟ ماذا عن رأيك أنت؟ هل حقاً... تريدني؟ أم أنك تريد... أن ترضي والدتك؟" وقف خليل، وتوجه نحوها. وضع يديه على كتفيها. "ليلى، انظري في عيني. أنا أحبكِ. أحبكِ بكل معنى الكلمة. وهذا الحب هو الذي دفعني لأطلب منكِ البقاء. لأرى إن كان حبنا سيصمد أمام التحديات. لم يكن الأمر سهلاً عليّ أيضاً." "ولكن... كيف سنواجه هذا؟ كيف سنجعل والدتك تتقبلني؟" "هذا هو التحدي يا ليلى. ولذلك طلبت منكِ البقاء. لأبدأ في تمهيد الطريق. لأشرح لها من أنتِ. ولأظهر لها أن سعادتي الحقيقية معكِ." "ولكن... إذا لم تتقبلني؟ ماذا سنفعل؟" "إذا لم تتقبلني... فسأواجهها. وسأختار. وأعلم ما هو اختياري." كانت كلماته تحمل صدقاً، لكن الشكوك كانت قد بدأت تتسلل إلى قلب ليلى. هل كان هذا القرار سهلاً على خليل؟ وهل كان حبه لها قوياً بما يكفي لمواجهة عائلته؟
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى العودة إلى بيت جدتها. قررت أن تبقى في المدينة، قريبة من خليل، لتواجه معه هذا الوضع. جلس الاثنان في شقة خليل، يتحدثان لساعات. حاول خليل أن يطمئنها، أن يشرح لها طبيعة علاقته بوالدته، وأن يبين لها أنها ليست شخصاً يسهل إرضاؤه. "أمي... عاشت حياة صعبة. وتريد أن تضمن لي مستقبلاً خالياً من المتاعب. وهي ترى أن المال والمكانة هما مفتاح هذا المستقبل." "ولكن... هل هذا ما تريده أنت؟" "هذا ما كانت تريده لي. ولكن الآن... أريد شيئاً آخر. أريد السعادة. وأنتِ مصدر سعادتي يا ليلى." "ولكن... إذا كانت والدتك تريد أن تتزوجني من شخص آخر... فهل ستتزوجني؟" "لا يا ليلى. أبداً. ولن أسمح بذلك." "ولكن... إذا اضطررت للاختيار؟" صمت خليل لبرهة. "إذا اضطررت للاختيار... فسأختار ما يجعل قلبي مرتاحاً، وما يجعل روحي سعيدة. وأعلم أن قلبي مرتاح معكِ."
كانت كلمات خليل تبعث على الأمل، لكنها لم تمحِ تماماً الخوف الذي استقر في قلب ليلى. كانت تعرف أن أمامها طريقاً صعباً، وأن عليها أن تستعد لمواجهة الأمور.
في تلك الأثناء، كانت السيدة فاطمة، والدة خليل، تجلس مع صديقتها المقربة، السيدة هدى. "والله يا هدى، لا أعرف ما الذي يريده هذا الولد. يريد أن يفسد كل شيء. فتاة عادية، لا تعرف شيئاً عن عالمنا. يريد أن يتزوجها؟" "ولكن يا فاطمة، خليل يبدو أنه يحبها حقاً." "الحب؟ الحب يا هدى... لا يبني بيوتاً. الحب يتلاشى. وما يبقى هو العائلة، والاسم، والمكانة." "ولكن... ألا ترين أنه سعيد معها؟" "السعادة التي يراها الآن، هي سعادة مؤقتة. عندما يواجه صعوبات الحياة، عندما يرى كم هي مختلفة عنه... سيعرف خطأه. أنا فقط أحاول أن أحميه. أن أمنع عنه هذا الألم المستقبلي." "ولكن... هل أنتِ متأكدة من أن هذه الفتاة... غير مناسبة؟ ربما لو أعطيتها فرصة؟" "فرصة؟ وما الذي ستجنيه من هذه الفرصة؟ مجرد خيبة أمل؟ لا يا هدى. أنا لن أسمح بذلك."
شعرت ليلى بأنها تقف على حافة بركان. كان عليها أن تواجه والدة خليل، وأن تقنعها بأن حبها لابنها صادق، وأنها تستحق أن تكون جزءاً من حياته. لكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ، ولم تكن متأكدة من ردة فعل السيدة فاطمة. بدأت الشكوك تتكاثر في قلبها، وكأن ضباباً كثيفاً يحيط بمستقبلها.