أحبك رغم المسافة

همس الليالي وصراع القلوب

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات الليل تحمل معها رائحة الياسمين المتفتحة، وعطر الأرض الندية بعد رشاش مطر خفيف. جلسَتْ ليلى على شرفة غرفتها، تتأمل سواد السماء المرصع بنجومٍ بدت وكأنها قطع ألماسٍ نثرها القدر فوق سجادة مخملية. في يدها، كتابٌ مفتوحٌ على صفحةٍ غدت مألوفةً لروحها، لكن عينيها لم تعيَا ما تقرأ، فالفكرُ شاردٌ، والقلبُ مثقلٌ بهمومٍ أضحت تثقل كاهلها.

منذ أن غادرَ عبد الرحمن، لم يغبْ وجهه عن مخيلتها. كلّ ذكرى، كلّ كلمة، كلّ نظرةٍ كانت تتراقص أمامها، تبعثُ في روحها مزيجاً غريباً من الحنين والأمل، ومن الخوفِ والقلق. لقد أدركتْ أن المسافة، تلك الحاضرةُ الغائبةُ بينهما، لم تكن مجردَ فراغٍ جغرافي، بل كانت اختباراً لصلابةِ ما يربطهما، لتحدٍّ للعواصفِ التي قد تعصفُ بهما.

في تلك الليلة، قررتْ أن تخوضَ معركتها الخاصة. لم تعدْ تحتملُ صمتَ الروحِ وترقبَ المصير. اتصلتْ بخالد، شقيقها الأكبر، الذي كان دائماً ملاذها الآمن، وصديقها الحكيم.

"خالد، هل أنت مشغول؟" سألتْ بصوتٍ حاولَتْ أن تجعلَه هادئاً، رغمَ الاضطرابِ الذي اعتراها.

"ليلى! حبيبتي، بالطبع لا. ما الخبر؟ أرى قلقاً في صوتك." أجابَ بصوتٍ دافئٍ ومطمئن.

"أريدُ أن أتحدثَ إليك. أريدُ أن أستشيرك في أمرٍ يشغلُ بالي."

"تفضلي، أنا أسمع."

بدأتْ ليلى تتحدث، تسردُ له تفاصيلَ رحلةِ عبد الرحمن، والظروفَ التي اضطرته للسفر. تحدثتْ عن لقاءاتهما الأخيرة، عن وعودهما، وعن تلك اللحظةِ التي شعرتْ فيها بفراقٍ عميقٍ كأنما اقتلعَ منها جزءٌ من روحها. لم تخفِ عنه مخاوفها من مستقبلٍ غامضٍ، ومن احتمالاتٍ مؤلمة.

"أخشى يا خالد، أن تكونَ هذه المسافةُ أطولَ مما نتصور، وأن تكونَ الظروفُ أقوى مما نملك. أشعرُ أننا نسيرُ في طريقٍ قد تقوده الرياحُ إلى حيثُ لا نتوقع."

صمتَ خالدٌ لدقائق، وكأنه يستجمعُ كلماته، ليبنيَ لها جسراً من الثقةِ والأمل. "ليلى، أنتِ قويةٌ، وقلبكِ نقيٌّ. عبد الرحمن رجلٌ نبيلٌ، وصدقُ مشاعركما لا يغفَلُ عنه عاقل. المسافةُ حقاً اختبار، لكنها ليست نهايةَ المطاف. كم من قصصِ حبٍّ عبرتِ المسافاتِ وأثبتتْ أن الروحَ حين تتوقُ إلى الروح، لا تعيقها حدودٌ ولا جدران."

"ولكن، ماذا لو…؟" بدأتْ ليلى، لكن خالد قاطعها بلطف: "لا تقولي 'ماذا لو'، ليلى. قولي 'ماذا نستطيع'. ماذا نستطيع أن نفعل لنقوّيَ روابطنا، لنحافظَ على شعلةِ الأمل؟"

"لا أدري… أشعرُ بالعجز."

"العجزُ شعورٌ مؤقتٌ، يا ابنتي. ما تحتاجين إليه الآن هو الإيمان. الإيمانُ بنفسكِ، وبالحبِ الذي يجمعكِ بعبد الرحمن. تواصلوا، تبادلوا الرسائلَ، اجعلوا صوتَ الآخرِ يترددُ في آذانكم وأرواحكم. ليُدركَ كلٌّ منكما أن الآخرَ يفكرُ فيه، ويدعو له، وينتظره. هذهِ الكلماتُ الطيبةُ، وهذا الاهتمامُ، هي الوقودُ الذي يُبقي الحبَّ حياً في غيابِ اللقاء."

"لكن، يا خالد، هناك أمرٌ آخرُ يثقلُ كاهلي. لقد ذكرَ لي عبد الرحمن أن هناكَ بعضَ الصعوباتِ في إتمامِ بعضِ الإجراءاتِ المتعلقةِ بعمله، وأنه قد تتطلبُ منهُ وقتاً أطولَ مما توقع. لم يفصحْ عن التفاصيل، لكني أخشى أن يكونَ الأمرُ أكبرَ من مجردِ تأخيرٍ بسيط."

شعرَ خالدٌ بتغيّرٍ طفيفٍ في نبرةِ صوتِ أخته، وهو ما أثارَ فضوله. "وما هي طبيعةُ هذهِ الصعوباتِ إن علمتِ؟"

ترددتْ ليلى لحظة، ثم قررتْ أن تشاركه كلَّ ما لديها من شكوك. "لقد تحدثَ إليّ عن بعضِ الأمورِ المتعلقةِ بشراكةٍ قديمةٍ له، وعن وجودِ شخصٍ لا يثقُ به، يحاولُ عرقلةَ مساره. لم يتحدثْ عن أسماءٍ، لكنه ألمحَ إلى أن الأمرَ قد يكونُ شخصياً."

ارتسمَ القلقُ على وجهِ خالد. كان يعرفُ أن عبد الرحمن رجلٌ ذو سمعةٍ طيبةٍ في مجالِ عمله، وأن أيَّ عرقلةٍ قد تكونُ مدبرةً. "هل ذكرَ لكِ أيَّ تفاصيلَ أخرى؟ أيَّ تلميحاتٍ تدلُّ على هويةِ هذا الشخص؟"

"لا… لقد كانَ غامضاً جداً، وكأنهُ يحاولُ حمايتي من معرفةِ تفاصيلَ قد تقلقني. لكن شعوري بالخطرِ يزدادُ مع كلِّ يومٍ يمرُّ."

"فهمت. هذهِ الأمورُ تتطلبُ حذراً شديداً، ليلى. إذا كانَ هناكَ من يحاولُ إيذاءَ عبد الرحمن، أو عرقلةَ مشروعه، فعلينا أن نكونَ متيقظين. هل لكِ أن تحاولي معرفةَ المزيد؟ ربما تتصلينَ بأحدٍ مقربٍ منهُ هناك؟"

"لم أُفكرْ في ذلك. أخشى أن أُثقلَ على أحدٍ، أو أن أُسببَ مشكلةً بغيرِ قصد."

"حتى في أصعبِ الظروف، ليلى، لا تخافي من طلبِ المساعدةِ أو تقديمِها. الأهلُ والأصدقاءُ الحقيقيون يقفونُ بجانبِ بعضهم البعض. حاولي أن تتواصلي معَ شقيقِ عبد الرحمن، أحمد. ربما يكونُ على درايةٍ بما يحدث."

"فكرةٌ جيدة. سأفعلُ ذلك غداً."

بعدَ انتهاءِ المكالمة، شعرتْ ليلى براحةٍ نسبية. لم تختفِ المخاوفُ تماماً، لكنها شعرتْ بقوةٍ أكبرَ، وباليقينِ بأنها ليست وحدها في مواجهةِ هذهِ التحديات. أما خالد، فقد بدأَ يفكرُ ملياً في الكلماتِ التي سمعها، وفي احتمالِ وجودِ مؤامرةٍ تحاكُ ضدَ عبد الرحمن. كانَ حبهُ لأختهِ ولشخصِ عبد الرحمن يدفعهُ إلى البحثِ عن طريقةٍ لمساعدتهما، حتى لو كانت المسافةُ تفصلُ بينهما.

في تلك الليلة، لم تنمْ ليلى إلا قليلاً. كانتَ صورُ عبد الرحمن تتداخلُ معَ تخوفاتٍ على مستقبلهما. غداً، ستبدأُ بخطواتٍ حقيقية، لاكتشافِ ما يخفيهِ الغموض، وللتأكدِ من أن حبهما سيصمدُ أمامَ كلِّ امتحان. كانتْ تعلمُ أن الطريقَ قد لا يكونُ سهلاً، لكنها كانتْ مستعدةً لخوضِ المعركة، لأجلِ قلبٍ أحبتهُ بكلِّ جوارحها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%