أحبك رغم المسافة

شائعاتٌ وظلالٌ في الأفق

بقلم ليلى الأحمد

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى على نورِ الشمسِ المتسللِ من ستائرِ نافذتها. كانَ الجوُّ خارجاً منعشاً، لكنّ القلقَ الذي رافقها طوالَ الليلِ لم يفارقها. فورَ انتهائها من صلاتها وقراءةِ أذكارها، أمسكتْ بهاتفها، وبدأتْ بالبحثِ عن رقمِ أحمد، شقيقِ عبد الرحمن. كانَ هذا الرقمُ محفوظاً لديها منذُ لقائهما القصيرِ في حفلِ خطوبةِ صديقةٍ مشتركةٍ قبلَ عام.

تنفستْ بعمقٍ، ثم ضغطتْ على زرِ الاتصال. مرتْ ثوانٍ بدتْ لها دهراً، قبلَ أن تسمعَ صوتاً رجولياً أجشّ يقول: "من المتحدث؟"

"مرحباً يا أحمد. أنا ليلى، خطيبةُ عبد الرحمن." قالتْ بصوتٍ حاولتْ أن تجعلَه ثابتاً، رغمَ رجفةٍ خفيفةٍ سرتْ في أطرافها.

"آه، ليلى! تفضلي، كيفَ حالكِ؟ لم أتوقعْ اتصالكِ." ردَّ أحمدُ بصوتٍ بدا فيهِ مزيجٌ من المفاجأةِ والترحاب.

"أنا بخيرٍ، الحمدُ لله. أتصلُ بكَ لأنني قلقةٌ على عبد الرحمن. لقد أخبرني أنهُ يواجهُ بعضَ الصعوباتِ في عملهِ، ولكنه لم يفصحْ عن التفاصيل. أردتُ أن أعرفَ إن كنتَ على علمٍ بأيِّ شيءٍ قد يساعدني على فهمِ الوضعِ بشكلٍ أفضل."

صمتَ أحمدُ قليلاً، صمتٌ حملَ معهَ ثقلاً محسوساً. بدا وكأنهُ يزنُ كلماته، قبلَ أن يجيبَ بصوتٍ خافتٍ: "ليلى، الأمرُ معقدٌ بعضَ الشيء. نعم، عبد الرحمن يواجهُ بعضَ التحدياتِ، لكنه رجلٌ قويٌّ وقادرٌ على تجاوزها. إنهُ يحاولُ حمايتكِ من القلقِ الزائد."

"أفهمُ ذلك، لكن قلقي يتزايدُ كلما زادَ غموضُ الأمر. هل هيَ مشاكلُ ماليةٌ؟ أمْ هناكَ ما هوَ أعقدُ من ذلك؟"

"ليسَ الأمرُ مالياً بالدرجةِ الأولى. بل يتعلقُ ببعضِ الشراكاتِ القديمة، وببعضِ الأشخاصِ الذينَ يحاولونَ استغلالَ وضعهِ الحالي. لقد كانَ عبد الرحمن متردداً في إخباركِ، لأنهُ لا يريدُ أن يشغلكِ عن دراستكِ وراحتكِ."

"لكنني جزءٌ من حياتهِ، وأيُّ شيءٍ يؤثرُ فيهِ يؤثرُ فيّ. هل يمكنكَ أن تحدثني أكثرَ عن هؤلاءِ الأشخاص؟ هل همُ معروفونَ؟ هل لديهمْ تاريخٌ معَ عبد الرحمن؟"

"هناك شخصٌ واحدٌ بالذات، اسمهُ "طارق". لقد كانَ شريكاً لعبد الرحمن في مشروعٍ سابقٍ، وانتهتِ الشراكةُ بشكلٍ سيء. يبدو أن طارقاً يحملُ ضغينةً تجاهَ عبد الرحمن، وهو يحاولُ الآنَ استخدامَ بعضِ الأساليبِ غيرِ القانونيةِ لعرقلةِ مشاريعهِ الجديدة."

"طارق؟ لم أسمعْ بهذا الاسمِ من قبل. وما هيَ الأساليبُ التي يستخدمها؟"

"إشاعاتٌ مغرضةٌ، محاولاتٌ لتشويهِ سمعتهِ أمامَ العملاءِ المحتملين، وربما بعضُ الضغوطِ على الموردين. عبد الرحمن يتحرى الأمرَ بنفسهِ، لكنه لا يريدُ أن يُشعرَكِ بالخوف. لقد أخبرني أن لديهِ خطةً للتعاملِ معَ هذا الوضع."

شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. كلُّ كلمةٍ من أحمدَ كانتْ تؤكدُ مخاوفها. لم يكنْ عبد الرحمن قد بالغَ في وصفِ الوضع. "وهل عبد الرحمن متأكدٌ من أن طارقاً هوَ المسؤولُ عن كلِّ هذا؟"

"نعم، هناكَ دلائلُ تشيرُ إلى ذلك. عبد الرحمن رجلٌ حكيمٌ، ولا يتسرعُ في اتهاماتهِ. لكنه يتعاملُ معَ الأمرِ بجديةٍ بالغة."

"وهل حاولَ أحدٌ أن يتفاوضَ معه؟ أن يحلَّ الأمرَ ودياً؟"

"لا أظنُّ. يبدو أن طارقاً مدفوعٌ بنوايا سيئةٍ للغاية. وهوَ لا يخجلُ من استخدامِ أساليبَ ملتوية. لقد قالَ لي عبد الرحمن أن لديهِ بعضَ الأدلةِ التي ستُثبتُ تورطَ طارق، وسوفَ يقدمها لجهاتٍ مختصةٍ إذا لزمَ الأمر."

"هذا مطمئنٌ بعضَ الشيء. ولكن، هل يمكنُ أن يكونَ لهذا الأمرِ تأثيرٌ على قدرتهِ على العودةِ قريباً؟"

ترددَ أحمدُ مجدداً. "لا يمكنني الجزم، ليلى. قد تتطلبُ الأمورُ بعضَ الوقتِ حتى يتمَّ حلُّها. لكن عبد الرحمن وعدني بأنهُ سيُبقينا على اطلاعٍ دائمٍ بالمستجدات."

"شكراً جزيلاً لكَ يا أحمد. لقد وفّرتْ عليّ الكثيرَ من القلقِ والوحدة. سأحاولُ التحدثَ معَ عبد الرحمن الليلة، وأُشعرهُ بأنني بجانبهِ، حتى لو كانت المسافةُ تفصلُ بيننا."

"أتمنى لكما كلَّ التوفيق. وتذكري، ليلى، أنكما لستما وحدكما. أنا وابنتي وكلُّ العائلةِ نقفُ معَ عبد الرحمن. وهوَ سيُحافظُ على وعدهِ لكِ."

أغلقتْ ليلى الهاتفَ وقلبها يخفقُ بعنف. لم تعدْ القضيةُ مجردَ مسافةٍ، بل أصبحتْ صراعاً ضدَ أطرافٍ خفيةٍ تحاولُ إلحاقَ الأذى بمن تحب. أدركتْ أن عليها أن تكونَ أقوى، وأن لا تسمحَ لليأسِ بأن يتسللَ إلى قلبها.

في المساءِ، عندما تحدثتْ إلى عبد الرحمن، حاولتْ أن تبدوَ مطمئنةً، لكن صوتها خانها قليلاً. "كيفَ حالكَ يا حبيبي؟ هل تسيرُ الأمورُ على ما يرام؟"

شعرَ عبد الرحمن بتغيّرٍ طفيفٍ في نبرتها، وأدركَ أنها ربما علمتْ شيئاً. "أنا بخيرٍ يا ليلى. وكلُّ الأمورِ تحتَ السيطرة. لا تقلقي."

"لكنني سمعتُ… سمعتُ أن هناكَ بعضَ المشاكلِ المتعلقةِ بشراكاتٍ قديمةٍ وشخصٍ اسمهُ طارق؟" سألتْ، محاولةً أن تكونَ هادئة.

توقفَ عبد الرحمن لبرهة، ثم قالَ بصوتٍ هادئٍ وحازم: "لقد أخبركَ أحمدُ، أليسَ كذلك؟ نعم، هناكَ بعضُ التحدياتِ. لكنها ليستْ أكبرَ منا. أنا أتعاملُ معَ الأمرِ بجديةٍ، وسوفَ أحميكِ من أيِّ قلقٍ قد يزعجكِ. الأهمُّ هوَ أننا نحنُ معاً، وأن حبنا أقوى من أيِّ شيء."

"ولكن، ماذا لو…؟"

"لا تقولي 'ماذا لو'، ليلى. قولي 'ماذا نفعل'. أنا أحتاجُ إلى دعمكِ، إلى طاقتكِ الإيجابية. لا تدعي هذهِ الأمورِ تُفسدُ علينا لحظاتِنا. نحنُ سننتصرُ. بالتأكيد."

كلماته حملتْ إليها بعضَ الطمأنينة، ولكنها شعرتْ بأن هناكَ الكثيرَ مما لم يقلْ. أدركتْ أن الأمرَ أخطرُ مما يبدو، وأنها لا تستطيعُ البقاءَ مكتوفةَ الأيدي. لقد حانَ وقتُ الاستعدادِ لمواجهةِ ما هوَ قادم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%