أحبك رغم المسافة
صدى الشكوكِ وبصيصُ الأمل
بقلم ليلى الأحمد
مرتْ أيامٌ ثقيلةٌ على ليلى. كلُّ رسالةٍ من عبد الرحمن، كلُّ مكالمةٍ هاتفيةٍ، كانتْ تزيدُ من قلقها. كانَ يبدو عليها الإصرارُ على طمأنتها، وعلى تقليلِ حجمِ المشاكلِ التي يواجهها. لكنّ صمتَهُ عن بعضِ التفاصيل، وتجنبهُ لبعضِ الأسئلةِ المباشرة، كانتْ تثيرُ في روحها موجاتٍ من الشكوكِ المتجددة.
بعدَ حديثها معَ أحمد، أدركتْ ليلى أن القضيةَ أكبرُ من مجردِ خلافٍ تجاري. اسمُ "طارق" أصبحَ يترددُ في ذهنها كظلٍّ أسودٍ يحاولُ التسللَ إلى حياتهما. قررتْ أن تبحثَ بنفسها، وبحذرٍ شديد. لم تكنْ تريدُ أن تُقلقَ عبد الرحمن أكثر، لكنها شعرتْ بمسؤوليةٍ تجاهَ حبهما، وتجاهَ مستقبلهما.
بدأتْ تبحثُ عبرَ شبكةِ الإنترنت، مستخدمةً أسماءَ مستعارةً وحساباتٍ مجهولة. حاولتْ أن تجمعَ أيَّ معلومةٍ عن "طارق"، عن علاقاتهِ السابقةِ بعبد الرحمن، وعن طبيعةِ مشاريعهِ. وجدتْ بعضَ الإشاراتِ إلى شخصٍ يدعى "طارق البارودي"، رجلَ أعمالٍ معروفٍ في بعضِ الدوائر، لكنّ سمعتهُ كانتْ غامضةً، وتُحيطُ بهِ بعضُ القصصِ عن صفقاتٍ مشبوهةٍ وخلافاتٍ شخصية.
كلُّ معلومةٍ وجدتها كانتْ تزيدُ من مخاوفها. لم يكنْ طارقٌ مجردَ منافسٍ عادي، بل بدا أنهُ شخصٌ مستعدٌّ لاستخدامِ أيِّ وسيلةٍ لتحقيقِ أهدافه. بدأتْ تتساءلُ عن مدى خطورةِ الوضعِ حقاً، وعن قدرةِ عبد الرحمن على حمايةِ نفسهِ، وعلى حمايةِ حبهما.
في إحدى الأمسيات، تلقتْ ليلى رسالةً من عبد الرحمن. كانتْ مختلفةً عن الرسائلِ المعتادة. كانتْ أقصر، وأكثرَ تركيزاً. "ليلى، أحتاجُ إلى أن أكونَ صادقاً معكِ تماماً. الأمورُ ليستْ على ما يرام. طارقٌ ليسَ مجردَ منافسٍ. إنهُ يستهدفني شخصياً، ويستخدمُ أساليبَ قذرةً. لقد اكتشفتُ أنهُ يتعاونُ معَ شخصٍ في جهةٍ لا يُفترضُ بها أن تكونَ معهُ. الأمرُ خطيرٌ حقاً. لا أستطيعُ أن أفصحَ عن المزيدِ الآن، لكني أعدكِ أن أبذلَ قصارى جهدي لحلِّ هذهِ المشكلةِ بأسرعِ وقتٍ ممكن. أحبكِ."
كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ صدمةٍ لها. لم تكنْ تتوقعُ أن يكونَ الوضعُ بهذا السوء. لم يعدِ الأمرُ يتعلقُ بخلافٍ تجاري، بل بشيءٍ أعمقَ وأكثرَ خطورة. شعرتْ بالخوفِ يتملكها، وبأن المسافةَ التي تفصلُ بينهما أصبحتْ أشدَّ وطأةً.
ردتْ عليهِ بسرعةٍ، بصوتٍ مرتجفٍ: "يا حبيبي، أنا قلقةٌ جداً عليك. ماذا تقصدُ بشخصٍ في جهةٍ لا يُفترضُ بها أن تكونَ معهُ؟ هل أنتَ في خطرٍ؟ أرجوكَ أخبرني، لستُ أحتملُ هذا القلق."
جاءَ ردهُ بعدَ وقتٍ بدا لها طويلاً: "لا تقلقي، أنا حذرٌ. لكنني احتاجُ إلى أن تتأكدي من بعضِ الأشياءِ هنا. هل يمكنكِ أن تتواصلي معَ والدي؟ وأن تطلبي منهُ أن يساعدني في البحثِ عن بعضِ المعلوماتِ عن شركةٍ معينةٍ. اسمها "الشرق للأعمالِ الدولية". أريدُ أن أعرفَ من همُ المستثمرون الرئيسيون فيها، ومن همُ المسؤولون فيها. هذهِ المعلوماتُ قد تساعدني كثيراً."
كانَ الطلبُ غريباً، لكنه بدا لها مهماً. والدها، السيدُ حسام، كانَ لهُ علاقاتٌ واسعةٌ في عالمِ المالِ والأعمال، وكانَ لديهِ قدرةٌ على الوصولِ إلى معلوماتٍ لا تتاحُ بسهولة.
"بالتأكيد، يا عبد الرحمن. سأتحدثُ معَ والدي فوراً. هل هناكَ أيُّ شيءٍ آخر؟"
"لا، فقط كوني قويةً، وليلى. هذا كلُّ ما أحتاجهُ الآن. إيمانكِ بي، وحبكِ لي. إنهما مصدرُ قوتي."
بعدَ انتهاءِ المكالمة، شعرتْ ليلى بمزيجٍ من الخوفِ والقوة. الخوفُ من المجهول، ومن المخاطرِ التي تحيطُ بعبد الرحمن. والقوةُ التي منحها لها إصرارهُ على أن حبَهُما قادرٌ على تجاوزِ أيِّ عقبة.
اتصلتْ بوالدها، وروتْ لهُ القصةَ بإيجاز، معَ التأكيدِ على أهميةِ المعلومة. كانَ السيدُ حسامُ رجلاً حكيماً، وأدركَ على الفورِ أن الأمرَ ليسَ بالبسيط. "لا تقلقي يا ابنتي. سأبذلُ قصارى جهدي للحصولِ على هذهِ المعلومات. ولكن، هل يمكنكِ أن تخبريني، ما هوَ دافعُ عبد الرحمن وراءَ هذا الطلبِ تحديداً؟"
"لقد قالَ إنها متعلقةٌ ببعضِ الشراكاتِ القديمة، وببعضِ الأشخاصِ الذينَ يحاولونَ عرقلةَ مشروعه. لكنه كانَ متحفظاً عن التفاصيل."
"حسناً. سأعملُ على الأمر. ولكن، يجبُ عليكِ أن تتواصلي معَ عبد الرحمن كلَّ يوم، وأن تُطمئنيهِ بأنكِ تعملينَ على الأمر. وأن تُخبريهِ بأننا ندعمُهُ."
في تلكَ الليلة، لم تستطعْ ليلى النومَ. كانتْ تتخيلُ سيناريوهاتٍ مختلفة، كلها تحملُ نذيرَ شؤم. لكنها كانتْ متمسكةً ببصيصِ الأملِ الذي منحها إياه عبد الرحمن. لقد أدركتْ أن عليهما أن يتعاونا، وأن كلَّ واحدٍ منهما يمكنهُ أن يلعبَ دوراً حاسماً في هذهِ المعركة. المسافةُ قد تكونُ عائقاً، لكنها لم تكنْ حاجزاً أمامَ الإرادةِ القويةِ لأناسٍ يحبونَ بعضهم البعض.