أحبك رغم المسافة
عاصفةُ المعلوماتِ واقترابُ المواجهة
بقلم ليلى الأحمد
بدأتْ الأيامُ تتسارعُ، حاملةً معها أخباراً متضاربةً ومشاعرَ متقلبة. كانَ السيدُ حسام، والدُ ليلى، يعملُ بجدٍّ على جمعِ المعلوماتِ التي طلبها عبد الرحمن. وبعدَ يومينِ من البحثِ المكثف، تمكنَ من الحصولِ على تقريرٍ مفصلٍ عن شركةِ "الشرق للأعمالِ الدولية".
اتصلَ بحسامٍ بليلى، وصوتهُ يحملُ مزيجاً من الجديةِ والاهتمام. "ليلى، لقد حصلتُ على التقرير. والأمرُ ليسَ بالهينِ كما تخيلتُ. شركةُ الشرقِ للأعمالِ الدوليةِ ليستْ مجردَ شركةٍ عادية. إنها واجهةٌ لعملياتٍ استثماريةٍ كبيرة، ويُقالُ أن خلفها شخصياتٍ نافذةٍ جداً، بعضُها غيرُ معروفٍ إعلامياً. لكنّ الملفتَ للنظرِ هوَ أن أحدَ المستثمرين الرئيسيين، وداعماً هاماً لهذهِ الشركة، هوَ شخصٌ يدعى 'عمر الغامدي'. هل تعرفينَ هذا الاسم؟"
شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في جسدها. "عمر الغامدي؟" كررتْ الاسمَ بصوتٍ مرتجف. "لا، لم أسمعْ بهِ من قبل. من هوَ؟"
"بحسبِ المعلوماتِ المتوفرة، يبدو أنهُ رجلُ أعمالٍ سابق، لديهِ تاريخٌ طويلٌ في السوق، ولديهِ سمعةٌ سيئةٌ نسبياً. يُقالُ أنهُ كانَ لهُ خلافاتٌ معَ عددٍ من رجالِ الأعمالِ في الماضي، وأن لديهِ علاقاتٍ مشبوهة. والمدهشُ في الأمرِ أن اسمهُ ارتبطَ بشراكةٍ قديمةٍ معَ عبد الرحمن، لكنها انتهتْ بشكلٍ سيءٍ قبلَ سنواتٍ طويلة."
"شراكةٌ قديمةٌ؟ معَ عبد الرحمن؟ لم يذكرْ لي ذلك قط!" قالتْ ليلى بذهول.
"قد يكونُ لديهِ أسبابهُ لعدمِ ذكرِ الأمر. ربما لأنهُ يعتبرهُ صفحةً مطويةً، أو لأنهُ لا يريدُ أن يُشغلكِ بأمورٍ قديمة. لكنّ المعلوماتِ التي حصلتُ عليها تشيرُ إلى أن عمرَ الغامدي هوَ الشخصُ الذي كانَ يقصدهُ عبد الرحمن باسمِ 'طارق' الذي تحدثَ عنه أحمدُ. يبدو أن الاسمَ الذي ذكرهُ أحمدُ كانَ اسماً مستعاراً، أو ربما كانَ اسمَ شريكٍ ظاهريٍّ لعمر الغامدي. والدليلُ الأقوى هوَ أن عمرَ الغامدي هوَ أحدُ كبارَ المساهمينِ في شركةِ الشرقِ للأعمالِ الدولية، التي يبدو أنها تستهدفُ شركاتٍ معينة، ومنها شركةُ عبد الرحمن."
أدركتْ ليلى أن الأمورَ قد تعقدتْ بشكلٍ كبير. لم يكنْ صراعاً ضدَ منافسٍ تجاريٍّ بسيط، بل كانَ صراعاً ضدَ شخصٍ لديهِ تاريخٌ قديمٌ معَ عبد الرحمن، ولديهِ نفوذٌ وقدرةٌ على استخدامِ أساليبَ قذرة.
"وهل هناكَ ما يربطُ عمرَ الغامدي بشركةِ عبد الرحمن مباشرةً؟" سألتْ.
"لا يوجدُ دليلٌ مباشرٌ على ذلك حتى الآن. لكنّ الشركةَ التي أسسها عمرُ الغامدي، والتي تحملُ اسمَ 'الشرق للأعمالِ الدولية'، يبدو أنها تتبعُ استراتيجيةً ممنهجةً لاستهدافِ شركاتٍ معينة، ومنها على ما يبدو شركةُ عبد الرحمن. قد يكونُ هدفُهُ هوَ إفلاسُ عبد الرحمن، أو الاستيلاءُ على شركتهِ بأيِّ طريقة."
"هذا مرعبٌ يا أبي! ماذا يمكنُ أن نفعل؟"
"الآن، ليلى، يجبُ عليكِ إبلاغُ عبد الرحمن بكلِّ هذهِ المعلوماتِ فوراً. هذهِ التفاصيلُ قد تساعدهُ في صياغةِ خطتهِ. وأنا سأواصلُ بحثي، وسأحاولُ معرفةَ ما إذا كانَ هناكَ أيُّ شخصٍ آخرَ متورطٌ في هذهِ القضيةِ من جهةِ عمرَ الغامدي."
في تلكَ الليلة، تحدثتْ ليلى معَ عبد الرحمن. كانتْ نبرةُ صوتها تحملُ ثقلاً لم تعهدهُ من قبل. روتْ لهُ كلَّ ما حصلتْ عليهِ من والدها، عن عمرَ الغامدي، وعن شركةِ الشرقِ للأعمالِ الدولية.
صمتَ عبد الرحمن لبرهةٍ طويلة، بدتْ وكأنها تعادلُ قروناً. ثم قالَ بصوتٍ هادئٍ ولكنْ مليءٍ بالحنكةِ والتصميم: "لقد كنتُ أشكُّ في أن الأمرَ أكبرُ من مجردِ طارق. عمرُ الغامدي… لم أكنْ أتوقعُ أن يصلَ الأمرُ إلى هذا الحد. لقد كانَ شريكاً لي قبلَ سنواتٍ في مشروعٍ صغير، ولكنهُ كانَ طماعاً وعديمَ الضمير. حاولَ استغلالي، وعندما رفضتُ، انتهتِ الشراكةُ بشكلٍ فوضوي. لم أكنْ أعلمُ أنهُ لا يزالُ يحملُ هذهِ الضغينة."
"ولكن، يا عبد الرحمن، لماذا لم تخبرني؟" سألتْ ليلى، تشعرُ بمرارةٍ خفيفة.
"لأني كنتُ أريدُ حمايتكِ. أردتُ أن أحلَّ الأمرَ بنفسي، دونَ أن أُثقلَ عليكِ. لكن يبدو أن المسافةَ تجعلُ الحمايةَ أمراً صعباً. هذهِ المعلوماتُ منكِ ومن والدكِ ثمينةٌ جداً. إنها تُعطيني الصورةَ الكاملةَ التي كنتُ أفتقدها."
"وما هيَ خطتكَ الآن؟"
"سوفَ أستخدمُ هذهِ المعلوماتِ لتعزيزِ موقفي. لقد بدأتُ بتجميعِ الأدلةِ ضدَّ عمرَ الغامدي، والآنَ لديَّ معلوماتٌ قويةٌ جداً. لقد تحدثتُ معَ محاميي، وسوفَ نتخذُ إجراءاتٍ قانونيةً صارمة. وأنا متأكدٌ أنني سأكشفُ عن كلِّ المتورطينَ الآخرينَ معه."
"وهل سيعودُ كلُّ هذا الوقتَ؟ هل ستتمكنُ من العودةِ قريباً؟" سألتْ ليلى، وعيناها تترقرقانِ بالدموع.
"أعدكِ يا ليلى، أنني سأعودُ بأسرعِ وقتٍ ممكن. هذهِ المعركةُ ليستْ مجردَ معركةٍ تجارية، بل هيَ معركةٌ عن شرفي، وعن مستقبلي، وعن حبنا. ولن أسمحَ لأيِّ شخصٍ بأن يُفسدَ علينا ذلك."
شعرتْ ليلى ببعضِ الطمأنينةِ تسرى في قلبها. إصرارُ عبد الرحمن، وثقتهُ بنفسهِ، منحاها قوةً كبيرة. أدركتْ أن هذهِ هيَ اللحظةُ الحاسمة، وأن عليهما أن يكونا أقوياءَ ومتحدينَ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى.
"أنا معك، يا عبد الرحمن. مهما حدث، أنا معك."
"وأنا معكِ أيضاً، يا حبيبتي. أنتِ نورُ حياتي، وسببُ قوتي. جهزّي نفسكِ، فالقادمُ قد يكونُ صعباً، ولكنهُ سيكونُ النهايةَ الحقيقيةَ لهذهِ المحنة."