أحبك رغم المسافة

ظلال الشوق وقيود الواجب

بقلم ليلى الأحمد

في تلك الليلة، التي أشرقت فيها النجوم كدموع في عيني السماء، احتضنت جدران منزل الأستاذ سالم حواراً ثقيلاً، حمل في طياته أثقال الأيام والآمال. كان الهواء مشبعاً برائحة البخور العطرة، لكنه لم يستطع أن يخفف من وطأة ما كان يدور بين الأب وابنه. جلست أمينة، ووجهها شاحب كغصن شجر فقد نوره، تراقب بصمت، وقلبها يخفق بقلق دفين.

"يا بني،" بدأ الأستاذ سالم بصوتٍ حملته السنين، "لقد راقبتك طويلاً. رأيت بريق العلم في عينيك، وشغفك بما تعلمت، لكنني رأيت أيضاً شيئاً آخر ينمو، شيئاً يهدد كل تلك المكتسبات."

رفع عبد الرحمن رأسه، وعيناه تلمعان ببريقٍ غامض، مزيج من التحدي والتساؤل. "وما هو هذا الشيء الذي تقصده يا والدي؟"

"إدمانك." قالها الأستاذ سالم بكلمةٍ واحدة، لكنها انقضت على مسامع عبد الرحمن كصاعقة. سكت للحظة، ثم هز رأسه ببطء، وكأنه يبحث عن مخرجٍ لم يكن موجوداً.

"إدمان؟" رد بصوتٍ فيه نبرةٌ ساخرة، "أبي، أنا أعمل. أنا أدرس. أنا أبني مستقبلي."

"تلك ليست أعذاراً يا بني،" قال الأستاذ سالم بنبرةٍ أقوى، "لقد رأيتك تسهر الليالي، لا تلهث خلف العلم، بل خلف وهم. رأيتك تهمل واجباتك، تهمل صحتك، بل وتهمل من حولك."

تنهدت أمينة بصوتٍ خافت، وأمسكت طرف ثوبها بيدٍ مرتجفة. كانت تعلم أن ما يقوله زوجها صحيح، لكنها لم تكن تجرؤ على مواجهة ابنها مباشرة. لقد حاولت مراراً، لكن عناده كان أشد من صخر.

"تلك مجرد هوايات يا أبي،" قال عبد الرحمن محاولاً التهرب، "وسائل للتسلية بعد عناء الدراسة."

"الهوايات لا تسرق منك عقلك ولا تقضي على وقتك كله،" قاطعه الأستاذ سالم بحزم، "ما تفعله يا بني ليس تسلية، بل هو هروب. هروب من واقعٍ ربما لا تريده، أو هروب من مسؤولياتٍ أصبحت ثقيلة عليك."

وقف عبد الرحمن، وكأن الكلمات أوقدت فيه ناراً. "هروب؟ ومن قال لك أنني أهرب؟ أنا أبني، أنا أتطور. هذه الوسائل الحديثة، هذه العوالم الافتراضية، فيها من المعرفة والتواصل ما لا تجده في الكتب القديمة."

"العوالم الافتراضية!" رفع الأستاذ سالم صوته قليلاً، "وهل هذه العوالم تمنحك السكينة؟ هل تجعلك إنساناً أفضل؟ هل تقربك من ربك؟"

ازداد توتر عبد الرحمن، وبدت على وجهه علامات الانزعاج. "هذه أمور لا تفهمها يا أبي. أنت تعيش في عصرٍ مضى."

"أنا أفهم أن الإنسان مخلوقٌ ليعبد ربه، وليعمر أرضه، وليحسن إلى خلقه،" قال الأستاذ سالم بهدوءٍ حكيم، "وليس ليغوص في بحرٍ لا قرار له، يستهلك وقته وعمره فيما لا ينفع."

"وإذا كنت لا ينفع، فلماذا هو موجود؟" سأل عبد الرحمن بعناد، "لماذا يخلقه الله؟"

"هذه فتنة يا بني،" أجاب الأستاذ سالم، "امتحانٌ من الله ليختبر صبرنا وشكرنا. الدنيا مزينةٌ لنا، ولكنها يجب أن لا تنسينا غايتنا الأساسية."

نظرت أمينة إلى ابنها، ورأت فيه مزيجاً من الإصرار والضياع. كانت تدرك أن هذه ليست مجرد هواية عابرة، بل هي غالباً تلك الألعاب الإلكترونية التي يسمع عنها، تلك الشبكات التي تقضي ساعاتٍ عليها. لقد حاولت مراراً أن تسأله، لكنه كان يغلق الباب في وجهها، ويصفها بأنها لا تفهم "عالم الشباب".

"يا بني،" قالت بصوتٍ متردد، "إذا كان هذا الأمر يزعج أباك، فربما عليك أن تستمع إليه. أنت شابٌ واعد، ولا يجب أن تضيع وقتك في أمورٍ قد تندم عليها."

التفت عبد الرحمن نحو أمه، وبدا وكأنه يشعر بالذنب لوهلة. "أمي، أنتِ لا تفهمين. هذا عالمي، هذا ما يريحني."

"الراحة ليست في الانغماس في اللاواقع يا بني،" قال الأستاذ سالم، "الراحة في طاعة الله، وفي رضا الوالدين، وفي بذل الجهد فيما ينفعك في دنياك وآخرتك."

"وإذا كان هذا ينفعني؟" سأل عبد الرحمن، "إذا كان هذا هو المجال الذي أجد فيه نفسي، وأطور فيه قدراتي؟"

"إذا كان هذا المجال هو سبب تقصيرك في صلاتك، وسبب هجرك لصحبة الصالحين، وسبب إهمالك لدراستك، فكيف يمكن أن يكون نافعاً؟" رد الأستاذ سالم، وكانت عيناه تحملان مزيجاً من الأسى والأمل.

"لقد رأيت إعلاناً عن مسابقةٍ عالمية،" قال عبد الرحمن فجأة، وكأن فكرةً ما قد أضاءت في ذهنه، "جوائزها قيمة، وفرصةٌ لعرض ما تعلمته."

"مسابقة؟" سأل الأستاذ سالم، وبدت علامات الاستغراب على وجهه. "وفي أي مجال؟"

"في عالم الألعاب الإلكترونية،" أجاب عبد الرحمن، وبدأت النبرة في صوته ترتفع شيئاً فشيئاً. "أنا أتدرب منذ أشهر، وحققت مستوياتٍ متقدمة. يمكنني الفوز بهذه المسابقة، وهذا سيثبت لكم أنني على الطريق الصحيح."

نظر الأستاذ سالم إلى زوجته، ثم عاد بنظره إلى ابنه. رأى في عينيه بريقاً، ولكنه لم يكن بريق العلم الذي كان يعرفه، بل كان بريق التحدي والرغبة في الإثبات.

"يا بني،" قال الأستاذ سالم بحذر، "إذا كان الأمر يتعلق بكسب رزقٍ حلال، وبالتطور في مجالٍ فيه منفعة، فلا بأس. ولكن يجب أن يكون هناك ضوابط. لا يجب أن يتحول ذلك إلى إدمان يسرقك من نفسك ومن دينك."

"لن يحدث ذلك، أبي،" أقسم عبد الرحمن، وبدت كلماته صادقة، ولكنها كانت تحمل في طياتها وعداً يصعب عليه الوفاء به، خاصةً وأن جذور هذا "الإدمان" بدأت تتغلغل عميقاً في روحه.

"أتمنى ذلك يا بني،" قال الأستاذ سالم، "ولكن تذكر، هناك فرقٌ كبير بين الشغف وبين الهوس، بين الهواية وبين الانغماس الذي يفسد الحياة."

نهض عبد الرحمن، وكأن ثقلاً قد أزيح عن كاهله، على الأقل في الوقت الراهن. "سأثبت لكم، أبي. سأثبت لكم جميعاً."

عاد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه. كانت أصوات الألعاب الإلكترونية تتسرب من خلفه، ممزوجةً بأصواتٍ أخرى، أصواتٌ لم تكن مفهومة تماماً، لكنها كانت تبدو وكأنها تدعوه للعودة إلى عالمه، إلى عالمٍ نسى فيه كل شيء، حتى وعده لوالده.

جلست أمينة بجوار زوجها، وأمسكت بيده. "الله يكون في عونه يا سالم. إنه شابٌ في مقتبل العمر، وقد يضل الطريق."

"أسأل الله أن يهديه،" قال الأستاذ سالم، وعيناه تنظران إلى الباب المغلق، وكأنما يرى ما يدور خلفه. "ولكن، علينا أن نكون حذرين. هذا الطريق مليءٌ بالفخاخ، والإنسان أحياناً يكون أضعف مما يتصور."

وفي تلك اللحظة، وبينما كان الظلام يتسلل إلى الخارج، كانت ظلال الشوق والواجب تتصارع في نفوس أبطال هذه القصة، وظلال الإدمان تبدأ في التمدد، مهددةً بأن تبتلع في طريقها آمالاً كثيرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%