أحبك رغم المسافة
بحر الأوهام ولؤلؤة الأمل
بقلم ليلى الأحمد
عاد عبد الرحمن إلى غرفته، التي أصبحت أشبه بعالمٍ خاص به، يختلف اختلافاً جذرياً عن عالم والديه. الشاشات المتعددة تتوهج بوهجٍ أزرق خافت، والمعدات الإلكترونية تتناثر هنا وهناك، تروي قصة شغفٍ عميق، أو ربما هروبٍ مبرر. أغلق الباب خلفه، ونفض عن كاهله ثقل النقاش الذي دار للتو مع والده. شعر بوخزةٍ خفيفة من الذنب، لكن سرعان ما طغت عليها حماسته لما هو قادم.
"لن يفهموا أبداً،" همس لنفسه وهو يخلع سترته، "لا يفهمون معنى المنافسة، ولا معنى التحدي. كل ما يرونه هو إضاعة وقت."
جلس أمام شاشته الكبيرة، وبدأت أصابعه تتحرك بسرعةٍ على لوحة المفاتيح. في العالم الافتراضي، لم يكن عبد الرحمن مجرد طالبٍ في جامعة، أو ابنٍ لأبوين قلقين، بل كان بطلاً، استراتيجياً ماهراً، لديه جيشه الخاص، وخصومه الذين ينتظرون هزيمتهم.
"يجب أن أتدرب جيداً،" قال وهو يدخل إلى ساحة المعركة الافتراضية، "هذه المسابقة هي فرصتي لإثبات أنني لست مجرد شابٍ ضائع، بل لدي هدف، ولدي موهبة."
كانت تلك المسابقة، التي أعلن عنها قبل بضعة أشهر، بمثابة شعلة الأمل التي أشعلت روحه. كانت تروج لجائزةٍ ماليةٍ ضخمة، ووعداً بفرصةٍ للانضمام إلى فرقٍ عالمية مرموقة. بالنسبة لعبد الرحمن، لم تكن مجرد لعبة، بل كانت البوابة التي قد تفتح له أبواباً لم يكن يحلم بها.
"ولكن،" تساءل وهو يتجنب هجوماً شرساً من خصمٍ افتراضي، "هل يفهم والدي حقاً الفرق بين الشغف وبين الإدمان؟"
لقد أثارت كلمة "إدمان" ضيقته. كانت تصفه بطريقةٍ سلبية، تضع ظلالاً سوداء على ما يعتبره هو إنجازاً. لقد قضى ساعاتٍ لا تحصى في تطوير مهاراته، في تعلم استراتيجيات جديدة، في فهم ديناميكيات اللعبة المعقدة. لم يكن الأمر مجرد تسلية سلبية، بل كان يتطلب تفكيراً سريعاً، قدرةً على اتخاذ القرارات تحت الضغط، وتعاوناً مع فرقٍ افتراضية أخرى.
"إنها ليست مجرد ضغطات أزرار،" قال وهو يبتسم قليلاً، "إنها حربٌ تكتيكية، تحتاج إلى عقلٍ حاد."
ومع ذلك، لم يستطع إنكار بعض الحقائق. لقد بدأ يقصر في واجباته الدراسية. كانت أوقات الصلاة أحياناً تفوته، أو يؤديها وهو شارد الذهن. قلّت زياراته لأصدقائه الحقيقيين، مفضلاً صحبة اللاعبين الذين يشترك معهم في عالم الألعاب. حتى علاقته بأخته، سارة، التي كانت أقرب الناس إليه، بدأت تضعف.
"ربما كان والدي على حق في بعض الأمور،" اعترف لنفسه بصوتٍ خافت، بينما كان يراقب شاشته، "لقد تركت بعض الأشياء تتراجع."
كانت أمينة، بقلبها الذي لا يعرف السكون، تشعر بالخوف المتزايد. لم تكن مجرد قلقٍ على مستقبل ابنها الأكاديمي، بل على روحه. كانت ترى كيف يبتعد عنها شيئاً فشيئاً، وكيف يغوص في عالمٍ لا تستطيع هي أن تلحق به. لقد حاولت مراراً أن تتحدث إليه، لكن كلماتها كانت ترتد كأنها على جدارٍ صلب.
"أمي، أنا بخير،" كان ردها الدائم، "لا تقلقي عليّ."
لكن قلقها كان يتزايد. لقد سمعت عن قصصٍ لأبناءٍ ضاعوا في غياهب الإنترنت، وفقدوا أنفسهم في عوالمٍ خيالية. لم تكن تريد أن يكون ابنها واحداً منهم.
"يجب أن أجد طريقة،" قالت لنفسها، وهي تشاهد زوجها جالساً في الصالة، يقرأ كتاباً دينياً، ويبدو عليه التفكير العميق.
"سالم،" قالت بصوتٍ حنون، "أخشى على عبد الرحمن. هذا الأمر ينمو ويتفاقم."
تنهد الأستاذ سالم، ووضع الكتاب جانباً. "وأنا كذلك يا أمينة. لكن المواجهة المباشرة لم تجدِ نفعاً. يبدو أنه في مرحلةٍ من العمر يريد فيها إثبات ذاته، وإثبات أن اختياراته صحيحة."
"ولكن إذا كانت اختياراته خاطئة؟" قالت أمينة، وعيناها تلمعان بدموعٍ حبستها. "إذا كان يتبع طريقاً سيؤدي به إلى الندم؟"
"هنا يأتي دورنا،" قال الأستاذ سالم، ووضع يده على يدها، "الصبر، الدعاء، والنصح بالحكمة. علينا أن نفتح له أبواب الحوار، لا أن نغلقها. وأن نذكره دائماً بمن هو الله، وبما خلقنا من أجله."
عاد عبد الرحمن إلى واقعه، بعد أن قضى ساعاتٍ في المعركة الافتراضية. شعر بالإرهاق، لكنه كان إرهاقاً محملاً بالرضا. لقد حقق انتصاراً مهماً، وتأهل للمرحلة التالية من المسابقة.
"رائع!" هتف بصوتٍ عالٍ، واحتضن شاشته كأنها أقرب صديق له.
ثم، تذكر والده. تذكر كلمة "إدمان". وبدأ يشعر بوخزةٍ أخرى، أشد هذه المرة. هل حقاً فقد السيطرة؟ هل حقاً أصبح أسيراً لتلك الألعاب؟
"لا،" قال لنفسه بحزم، "أنا أسيطر عليها، وليس العكس. هذه مجرد مرحلة، وستنتهي."
لكنه في أعماقه، كان يعرف أن الأمر ليس بهذه البساطة. كانت تلك الألعاب قد أصبحت جزءاً من هويته، المصدر الذي يستمد منه الشعور بالإنجاز، والملاذ الذي يلجأ إليه حين يشعر بالضغوط.
وفي تلك الليلة، بينما كان العالم الخارجي يغط في سبات، كان عبد الرحمن في عالمه الخاص، يحارب الأشباح الافتراضية، ويحاول أن يجد فيه السلام، بينما كان شبح القلق يلوح في الأفق، مهدداً بأن يلتهم لؤلؤة الأمل التي لا يزال يحملها في داخله. إنها معركةٌ شرسة، ليست فقط ضد الخصوم الافتراضيين، بل ضد الذات، وضد رغباتٍ بدأت تتغلغل في أعماق روحه، كأنها ظلالٌ داكنة تأبى أن تنجلي.