أحبك رغم المسافة

صراع الإرادة وحصار العزلة

بقلم ليلى الأحمد

مرت الأيام، وبدأت حدة النقاش بين عبد الرحمن ووالده تخفت، لا لشيءٍ إلا لأن عبد الرحمن تعلم كيف يهرب. كان يكتفي بالردود المختصرة، وإغلاق الباب، والغوص مجدداً في عالمه الافتراضي. كان يعلم أن حديث والده يحمل في طياته حباً وقلقاً، لكنه كان يشعر بأن والديه لا يستطيعان فهم حقيقة ما يمر به، ولا يدركان حجم الطموح الذي يدفعه.

"إنهم يرون فقط الساعات التي أقضيها أمام الشاشة،" كان يقول لنفسه، "ولا يرون الجهد الذي أبذله، ولا التفكير العميق الذي يتطلبه الأمر."

في إحدى الليالي، وبينما كان يتابع مباراةً مهمة في المسابقة، شعر بجوعٍ مفاجئ. تذكر أن والدته ربما تركت له شيئاً في المطبخ. نهض متردداً، وتوجه نحو المطبخ.

وجدت أمينة ابنها واقفاً أمام الثلاجة، وعيناه زائغتان، كأنه خرج للتو من حلمٍ عميق. "عبد الرحمن؟" نادته بصوتٍ حنون، "أتمنى أن تكون قد أكلت شيئاً."

"نعم يا أمي،" قال بصوتٍ ضعيف، وهو يأخذ علبة الزبادي، "كنت مشغولاً."

"مشغولاً جداً،" قالت أمينة بحزن، وهي تراه يعود أدراجه نحو غرفته، دون أن ينظر إليها حقاً. "الله المستعان."

كانت تلك الفترة هي الأصعب في مسيرة عبد الرحمن. كلما اقتربت المسابقة، زاد ضغط التدريب، وزادت ساعات اللعب. بدأت أعراض الإدمان تظهر بشكلٍ أكثر وضوحاً. كان يشعر بالتوتر الشديد إذا ابتعد عن الألعاب لساعاتٍ قليلة، ويصبح سريع الغضب لأتفه الأسباب. حتى نومه أصبح مضطرباً، يستيقظ في منتصف الليل، ويدفعه شعورٌ غامض للعودة إلى شاشته.

"هذا جنون،" قال لنفسه ذات ليلة، وهو يمسك رأسه بيديه، "كيف أصبحت هكذا؟"

كانت تلك هي اللحظة التي بدأت فيها الإرادة الحقيقية للصراع بالظهور. لم يكن الأمر يتعلق فقط بإرضاء والديه، بل بالسيطرة على حياته. كان يرى كيف أن هذا الشغف، الذي بدأ كبوابةٍ للأمل، يتحول إلى سجنٍ يضيق عليه.

"يجب أن أتحكم في الأمر،" همس، وارتسمت على وجهه تصميمٌ جديد.

بدأ عبد الرحمن بوضع جدولٍ زمني صارم. خصص ساعاتٍ محددة للألعاب، وساعاتٍ أخرى للدراسة، وللرياضة، وللراحة. كان الأمر صعباً في البداية، كأن جسده وعقله يقاومان التغيير. كانت الأفكار تتسلل إليه، تدعوه للعودة إلى متعة اللعب، إلى عالمٍ خالٍ من الضغوط.

"فقط ساعة واحدة،" كانت الهمسات تتسلل إلى عقله، "ما الضرر في ذلك؟"

لكنه كان يتذكر وجوه والديه القلقة، ويتذكر وعده لهما. كان يتذكر أيضاً ذلك الشعور السيء بالضياع الذي بدأ يتسلل إليه.

"لا،" قال لنفسه بقوة، "يجب أن أكون قوياً."

كانت أمينة ترى التغيير البسيط في سلوك ابنها، ولكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد. كانت تراه يجلس معها أحياناً، يتحدث عن أمورٍ بعيدة عن الألعاب، وتستغل هذه الفرصة لتقرب المسافات.

"عبد الرحمن،" قالت له ذات يوم، بينما كانا يتناولان طعام العشاء، "أتذكر حين كنت صغيراً، وكيف كنت تحب الرسم؟"

ابتسم عبد الرحمن ابتسامةً خافتة. "نعم يا أمي، أتذكر."

"لقد كان لديك موهبةٌ رائعة،" قالت، "ولكنك توقفت فجأة. أتساءل لمَ؟"

صمت عبد الرحمن. لم يكن لديه إجابةٌ شافية. لقد انغمس في عالم الألعاب، ونست كل شيءٍ آخر.

"ربما،" قال بعد لحظة، "ربما كانت تلك الألعاب تمنحني شيئاً لم أعد أجده في الرسم."

"وما هو هذا الشيء؟" سألت أمينة بهدوء، وبدت عيناها تلمعان بفضولٍ صادق.

"الشعور بالإنجاز،" أجاب عبد الرحمن، "والتحدي المستمر. والتقدير."

"وهل تعتقد أن هذه الأمور لا يمكن أن تجدها في مجالاتٍ أخرى؟" سألت أمينة، ونبرتها مليئةٌ بالأمل. "مجالاتٌ تنفعك في دينك ودنياك؟"

"ربما،" قال عبد الرحمن، وهو يفكر في كلمات أمه. كانت تجلس أمامه، بقلبها المفتوح، تحاول أن تجذبه بلطفٍ بعيداً عن الهاوية.

في هذه الأثناء، كان الأستاذ سالم يراقب ابنه بحذر. كان يرى محاولاته للإصلاح، ولكنه كان يعلم أن جذور هذا الإدمان عميقة. إنها ليست مجرد عادة سيئة، بل هي غالباً نتيجةٌ لشيءٍ أعمق، ربما حاجةٌ للإثبات، أو هروبٌ من ضغوطٍ حقيقية.

"يجب أن أدعمه،" قال لنفسه، "ولكن أيضاً، يجب أن أكون حازماً."

قرر الأستاذ سالم أن يتحدث إلى عبد الرحمن بشكلٍ مباشر، ولكن هذه المرة، ليس من موقع السلطة، بل من موقع الخبرة والحكمة.

"يا بني،" قال له في مساءٍ هادئ، بينما كانا يجلسان في الحديقة، "أعلم أنك تحاول. وأنا أقدر ذلك. لكنني أخشى عليك. هذا العالم الافتراضي، رغم متعته، يمكن أن يكون قاسياً جداً على الروح."

"أعلم يا أبي،" قال عبد الرحمن، وصوته يحمل نبرةً من التعب، "ولكنني أحاول أن أتجاوز الأمر."

"التجاوز يبدأ بالاعتراف الكامل،" قال الأستاذ سالم، "الاعتراف بأن هذا الأمر له سيطرةٌ عليك. وأنك بحاجةٍ إلى مساعدة."

صمت عبد الرحمن. كانت كلمات والده تلامس شيئاً بداخله، شيئاً كان يخشى الاعتراف به.

"ربما،" قال بصوتٍ متقطع، "ربما أنت على حق يا أبي."

"إنها ليست مسألة حقٍ أو باطل يا بني،" قال الأستاذ سالم، "إنها مسألة حياتك. ومستقبلك. ومسؤوليتك أمام الله."

"ولكن المسابقة،" قال عبد الرحمن، وبدت عليه علامات الحيرة، "إنها قريبة."

"المسابقات تأتي وتذهب،" قال الأستاذ سالم بحزم، "ولكن صحتك، وعقلك، وروحك، لا تقدر بثمن. إذا شعرت أنك لا تستطيع السيطرة، فليس هناك عيبٌ في طلب المساعدة. ليس هناك عيبٌ في التوقف لبرهة، لتعيد ترتيب أولوياتك."

كانت تلك الكلمات بمثابة صدمةٍ لعبد الرحمن. لم يتوقع من والده أن يقترح عليه "التوقف". كان يعتقد أن والده يريد منه أن "يقلل" من الأمر، لا أن "يتوقف" عنه.

"التوقف؟" كرر عبد الرحمن، وبدت على وجهه علامات التردد. "ولكن إذا توقفت الآن، فكل جهدي سيذهب سدى."

"وهل تعتقد أن حياتك كلها ستذهب سدى إذا لم تفز بمسابقة؟" سأل الأستاذ سالم، ونبرته تحمل حكمة السنين. "النجاح الحقيقي ليس في الفوز بجائزةٍ مادية، بل في بناء شخصيةٍ قوية، وفي تحقيق رضا الله، وفي خدمة مجتمعك."

وقف عبد الرحمن، وكأن ثقلاً عظيماً قد ألقي على كاهله. كان أمامه خياران، كلاهما صعب. إما أن يواصل صراعه مع الإدمان، وربما يخسر كل شيء، أو أن يتوقف، ويواجه حقيقة ضعفه، ويقبل المساعدة.

"سأفكر في الأمر يا أبي،" قال بصوتٍ بالكاد يُسمع.

"هذا ما أتمناه،" قال الأستاذ سالم، وعيناه تتبعان ابنه وهو يبتعد، "أن تفكر بعمق، وأن تختار الطريق الذي فيه نجاتك وسعادتك الحقيقية."

عاد عبد الرحمن إلى غرفته، ولم يشعل حاسوبه. جلس على سريره، ينظر إلى الشاشات المظلمة. كانت عزلة غرفته الآن تبدو له مخيفة، وكأنها تسعى لابتلاعه. لقد دخل في صراعٍ حقيقي، صراعٌ بين إرادته وبين قوةٍ كامنةٍ بدأت تسيطر عليه. وكان يعلم أن هذه المعركة لن تكون سهلة، وأنها قد تتطلب منه أكثر مما يتوقع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%