أحبك رغم المسافة
على ضفاف الذكريات وصخب المدينة
بقلم ليلى الأحمد
في أحد الأيام، تلقت ليلى اتصالاً من والدتها. كان صوتها يحمل نبرة قلق واضحة، مزيجاً من الشوق والحيرة. "ليلى يا ابنتي، كيف حالك؟ لم تتحدثي معي منذ أيام." "أنا بخير يا أمي، الحمد لله. جدتي بخير أيضاً، والجو هنا رائع. أتمنى أن تكوني أنتِ كذلك." "بخير ما يرام يا حبيبتي. لكن... خليل، هل هو بخير؟ أخبرني أنكِ ستقيمين عنده بعض الوقت. هل كل شيء على ما يرام بينكما؟" شعرت ليلى ببعض الارتباك. لم تكن تعرف كيف تشرح لوالدتها طبيعة العلاقة التي تنمو بينها وبين خليل، والعلاقة المعقدة التي تربطها بوالدته. "كل شيء على ما يرام يا أمي. خليل... لديه الكثير من العمل في الفترة الحالية. وهو يريد أن أكون هنا، قريبة من جدتي، وأن أستمتع ببعض الوقت الهادئ. نحن... بخير." "لكنكِ لم تذكري شيئاً عن زيارته، أو عن خطوبتكما. هل هناك شيء تخفينه عني يا ليلى؟" تنهدت ليلى. "لا شيء يا أمي. الأمر فقط... يحتاج وقتاً. خليل لديه رؤيته الخاصة للأمور، وأنا... أحترم ذلك." "ولكن... ألا تشعرين بالوحدة؟ ألا تشتاقين إليه؟" "بالطبع أشتاق إليه يا أمي. لكنني أطمئن بوجود جدتي، وأجد في هدوء المكان ما يريحني. أنا أثق بخليل، وأعلم أنه يتصرف بما يراه صواباً." كانت كلماتها صادقة، لكنها لم تستطع أن تخفي تماماً شعوراً بالغموض الذي يكتنف العلاقة، غموضاً لم تعد هي نفسها قادرة على تفسيره بالكامل.
في تلك الأثناء، كانت حياة خليل في المدينة تسير بوتيرة محمومة. الاجتماعات، مراجعة العقود، التفاوض مع الشركاء. كان يبدو وكأنه يعيش في عالم آخر، عالم مليء بالأرقام والصفقات. لكن في لحظات الهدوء، كان قلبه يتجه نحو ليلى، نحو بساطة حياتها، ونحو نور عينيها.
في أحد أيام الأسبوع، تلقى خليل اتصالاً غير متوقع. كان المتصل السيدة لمى، والدة خطيبته السابقة، التي انفصل عنها قبل عدة أشهر. "مساء الخير يا خليل." "مساء النور يا سيدة لمى. كيف حالك؟" "بخير. اتصلت بك... لأنني سمعت عن أخبارك. سمعت أنك على وشك الارتباط بفتاة أخرى." شعر خليل بوخزة من عدم الارتياح. "نعم، هذا صحيح." "وهل هي... من النوع الذي تريده والدتك؟" سألت السيدة لمى، بلهجة تحمل تلميحاً مبطناً. "أنا أريدها لأني أحبها يا سيدة لمى." أجاب خليل بصرامة. "ولكن... ألا تضع في اعتبارك... ما تريده والدتك؟ ما يريدونه لك؟" "أبي يثق بقراراتي، وأمي... أتمنى أن تفهم أن سعادتي تكمن في اختياري." "ولكن... عائلتنا، عائلة السيد أحمد، لها سمعتها. ولها تقاليدها. هل تعتقد حقاً أن هذه الفتاة... تناسب هذا الإطار؟" كان كلام السيدة لمى أشبه بسم يسري في عروقه. لقد كان على علم بأن والدته، السيدة فاطمة، كانت تأمل في أن يرتبط خليل بفتاة من عائلة مرموقة، من عائلة تتناسب مع مكانتهم الاجتماعية. "سيدة لمى، أنا أحترم رأيك، ولكني أتمنى أن تتفهمي أنني سأتزوج عن قناعة قلب، وليس عن مجرد مصلحة أو مكانة اجتماعية." "ولكن... ألا تعلم يا خليل أن والدتك... ليست سعيدة بهذا الارتباط؟ وأنها تحدثت مع والدتي في الأمر؟" شعر خليل ببرودة تسري في جسده. لم يكن يتوقع أن تتدخل والدته بشكل مباشر، وأن تتحدث مع والدة خطيبته السابقة. "أمي... لم تخبرني شيئاً كهذا." "ربما لأنها تعلم أنك لن تستمع. لكن والدتي... قلقة جداً عليك. وعلينا. سمعتنا... هل تريد أن تضر بها؟" أنهى خليل المكالمة بقلب مثقل. لقد ألقى كلام السيدة لمى بظلال كثيفة على عالمه. هل كانت والدته تفعل هذا؟ هل كانت تحاول أن تمنعه؟
في تلك الليلة، وبعد أن عاد إلى شقته، لم يستطع خليل أن ينام. وقف أمام النافذة، ينظر إلى أضواء المدينة التي لا تنام. كانت صورة ليلى تدور في ذهنه، صورة براءتها، وقلبها الطيب. كيف سيواجه والدته؟ وكيف سيشرح لها أن حبه لليلى هو اختيار قلبه، وليس مجرد نزوة؟
في نفس الوقت، كانت ليلى قد بدأت تشعر بشيء من الملل. كانت تستمتع بهدوء المكان، وبصحبة جدتها، لكنها بدأت تفتقد صخب المدينة، ولقاءات الأصدقاء، بل حتى ضغوط الحياة اليومية. في إحدى الأمسيات، بينما كانت تجلس مع جدتها، سألتها: "يا جدتي، هل تذكرين عندما كنتِ في مثل عمري؟ هل كنتِ تشعرين بالوحدة أحياناً؟" ابتسمت السيدة عائشة، وعيناها لمعت. "الوحدة يا ابنتي، هي شعور يخالطه الحنين. هي شعور بأن هناك فراغاً في القلب. ولكن، إذا كان هذا الفراغ يملؤه حب صادق، أو أمل جميل، فإنه لا يصبح شعوراً مؤلماً. بل يصبح شعوراً يدفعك للأمام." "ولكن... هل تتخيلين أن يمنع الأهل أبناءهم من الزواج ممن يحبون؟" نظرت السيدة عائشة إلى ليلى بعمق. "الأهل يا ابنتي، غالباً ما يرغبون في الأفضل لأبنائهم. قد يكون لديهم رؤية مختلفة لما هو الأفضل. ولكن في النهاية، القرار يعود لمن سيعيش هذه الحياة. والحب، إذا كان صادقاً، يستطيع أن يتجاوز الكثير من العقبات. ولكنه يحتاج إلى قوة، وإلى إيمان."
شعرت ليلى بأن جدتها تتحدث عن موقف خليل، أو ربما عن موقف والدته. بدأت تشعر بأن هناك شيئاً غير مريح يحدث، شيئاً لا تعرف تفاصيله.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت ليلى تساعد جدتها في قطف بعض الخضروات من الحديقة، جاءت سيارة فاخرة. نزل منها رجل في منتصف العمر، يرتدي ثياباً أنيقة. كان السيد راشد، صديق قديم لوالد ليلى، وكان له علاقات عمل مع عائلة خليل. "السلام عليكم، السيدة عائشة." "وعليكم السلام ورحمة الله. تفضل يا سيدي." "أتيت لزيارة ابنتك ليلى. سمعت أنها تقضي بعض الوقت هنا." نظرت ليلى بفضول إلى السيد راشد. لم تره منذ سنوات. "أهلاً بك يا عم راشد." "ليلى الجميلة! ما شاء الله، كبرتِ وأصبحتِ أجمل. هل أنتِ سعيدة هنا؟" "نعم، الحمد لله. جدتي تعتني بي." "أعلم أنكِ تقيمين هنا لفترة، ولكن... هل لديكِ علم بما يحدث في المدينة؟ الأمور... ليست على ما يرام." "ماذا تقصد يا عم راشد؟" "سمعت أن هناك بعض الاعتراضات على علاقتك بخليل. خاصة من جهة والدته. أنتِ تعلمين، والدة خليل، السيدة فاطمة، لها رؤيتها الخاصة. وهي... قلقة بشأن مستقبل ابنها." شعر قلب ليلى بالخفقان. هل كانت هذه هي الحقيقة؟ هل كانت والدة خليل تقف حائلاً بينهما؟
"لكن... خليل... هو الذي طلب مني أن أبقى هنا. وهو... يريد الزواج مني." "نعم، أعلم. وخليل شاب طيب. ولكن... أحياناً، يا ابنتي، القرارات الصعبة تتطلب تضحيات. هل أنتِ مستعدة لهذه التضحيات؟ هل أنتِ مستعدة لمواجهة أم خليل؟" انتهت الزيارة، لكن كلمات السيد راشد بقيت تتردد في أذن ليلى. كانت تشعر بالصدمة، وبالحيرة. كانت تعتقد أن علاقتهما تسير على ما يرام، وأن خليل يحبها حقاً. ولكن هل كان حبه كافياً لمواجهة اعتراضات عائلته؟ هل كانت المسافة التي فرضها خليل عليها، هي في الواقع محاولة لحمايتها من صراع قد لا تكون مستعدة له؟