قلبي في يديك الجزء الثالث
زخات المطر وزهرة التحدي
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات الخريف قد بدأت تداعب أوراق الشجر، ملقية عليها ألوانًا ذهبية وبرتقالية، ومعلنة عن قرب قدوم أيام الشتاء. في هذا الأجواء المتقلبة، كانت التحضيرات لمراسم خطبة نور وسالم تسير بوتيرة متسارعة. لكن بين زخات المطر التي كانت تهطل بين الحين والآخر، وتتزامن مع همسات القلق الخفية، كانت تبرز زهرة التحدي في قلب كل منهما.
في أحد الأيام، بينما كانت نور تساعد والدتها في اختيار أقمشة فستان الخطبة، تلقت اتصالًا من صديقتها المقربة، ليلى. كانت ليلى، رغم طيبتها، تميل إلى التسرع في الحكم على الأمور، وغالبًا ما كانت تنقل الأخبار دون تمحيص.
"نور، هل سمعتِ الخبر؟" قالت ليلى بصوت محموم.
"أي خبر يا ليلى؟" سألت نور، وقد شعرت ببعض القلق.
"يقولون أن سالم قد واجه مشكلة في العمل. بعض الشركاء انسحبوا، ومشروعهم في خطر."
شعرت نور ببرودة تسري في عروقها. "هل أنتِ متأكدة يا ليلى؟ من أين سمعتِ هذا؟"
"سمعته من خالتكِ أميرة، وهي سمعته من سيدة في السوق. تقول إن هناك ديونًا كبيرة على سالم."
استندت نور على الطاولة، تحاول استيعاب الخبر. لم تكن قد تحدثت مع سالم عن أي متاعب في العمل. هل كان يخفي عنها شيئًا؟ هل كانت هذه الهمسات حقيقة؟
"شكرًا لكِ يا ليلى. سأتحدث مع سالم." قالت نور بصوت حاولت أن تجعله هادئًا.
أنهت المكالمة، وشعرت ببعض الحيرة. لماذا لم يبلغها سالم؟ هل كان يشعر بالخجل؟ أم أن الأمر أخطر مما تبدو عليه الأمور؟
في نفس اليوم، كان سالم يلتقي بوالده، الشيخ عبد الرحمن، في مكتبه. كان الجو يوحي بالجدية.
"يا سالم، لقد وصلني بعض الكلام حول بعض المتاعب المالية التي تواجهها شركتك." قال الشيخ عبد الرحمن، بنبرة هادئة ولكن فيها بعض الجدية.
تردد سالم قليلاً قبل أن يجيب. "نعم يا والدي. كانت هناك بعض التحديات، لكننا نعمل على تجاوزها. بعض الشركاء أرادوا الخروج، مما أثر على السيولة قليلاً، لكننا وجدنا حلولًا بديلة."
"حلول بديلة؟ هل هذه الحلول كافية؟"
"نعم يا والدي. لقد استثمرت جزءًا من مدخراتي، وجدنا مستثمرين جدد. الأمور بدأت تعود إلى طبيعتها."
"هل أنت متأكد يا بني؟ لا أريد أن أرى ابنتي، نور، في وضع لا يليق بها بسبب أي تهاون منك."
شعر سالم ببعض الضيق من هذا التلميح. "يا والدي، أنا أفهم المسؤولية. ولن أسمح لأي مشكلة مالية بأن تؤثر على مستقبل نور. لقد وعدت، وسأفي بوعدي. هذه الخطبة ستتم، وسأقدم لنور كل ما تستحقه."
"أعلم أنك رجل مسؤول يا سالم. لكن في بعض الأحيان، تكون الأمور أكبر من إرادتنا. أريد منك فقط أن تكون صادقًا، وأن لا تخفي عني شيئًا. إذا احتجت إلى مساعدة، فلا تتردد."
"شكرًا لك يا والدي. وأعدك أنني سأكون صريحًا معك دائمًا."
عاد سالم إلى منزله، وهو يشعر بثقل المسؤولية. كان يعلم أن هذه التحديات في العمل قد تكون اختبارًا لعلاقته بنور. هل ستثق به؟ هل ستفهم؟
في المساء، اتصل سالم بنور. "مساء الخير يا نور. كيف حالك؟"
"مساء النور يا سالم. بخير، الحمد لله. وأنت؟"
"بخير. فقط... أردت أن أتحدث معكِ قليلاً."
"تفضل."
"سمعت أنكِ سمعتِ ببعض الأخبار حول عملي."
صمتت نور قليلاً، ثم قالت: "نعم يا سالم. ليلى اتصلت بي. هل الأمر خطير؟"
"لا تقلقي يا نور. كانت مجرد تحديات مؤقتة. لقد تجاوزناها، وكل شيء عاد إلى نصابه. لم أرد أن أقلقكِ بهذه الأمور الصغيرة."
"صغيرة؟ سالم، مستقبلنا مرتبط بهذه الأمور. كيف يمكن أن تكون صغيرة؟"
"لأنني كنت متأكدًا أنني سأتجاوزها. ولم أرد أن أجعل هذا الوقت الجميل، وقت الاستعداد للخطبة، مليئًا بالقلق."
"لكن عدم إخباري قد يزرع الشك يا سالم. ألم تفكر في ذلك؟"
"لقد فكرت. لكنني وثقت بأنكِ ستفهمين، وأنكِ تثقين بي. هل تثقين بي يا نور؟"
تغلغل سؤاله في أعماق قلبها. كانت تعلم أن سالم رجل صادق، وأن والدته، السيدة سكينة، قد تحدثت عنها دائمًا بالخير. لكن هذه التحديات كانت تزرع بذور الشك.
"أنا أثق بك يا سالم. ولكن... عندما أسمع هذه الأخبار، يصعب عليّ ألا أقلق. هل أنت متأكد أنك لا تحتاج أي مساعدة؟"
"نور، أنتِ بجواري، وهذا يكفيني. أما عن المساعدة، فوالدي عرض عليّ، وأنا قادر على تدبر أموري. المهم هو أن نبني مستقبلنا على أساس صلب، وواضح."
"أتمنى ذلك يا سالم. أتمنى أن تكون هذه الأمور قد انتهت."
"ستنتهي، بإذن الله. وستكون هذه التحديات مجرد دروس في طريقنا. الأهم هو أننا سنتجاوزها معًا."
شعرت نور ببعض الارتياح. كانت كلماته تحمل صدقًا، ورغبة في الاطمئنان. لكنها لم تستطع أن تتخلص تمامًا من القلق.
في يوم آخر، بينما كانت نور تتسوق مع والدتها، قابلتا سيدة من معارف العائلة، وقد بدت عليها علامات الشفقة.
"يا أمينة، سمعت عن أحوال ابنك سالم. الله يعينه. يقولون أن الأمور متدهورة جدًا، وأنه مهدد بالإفلاس."
شعرت أمينة بضيق. كانت تعلم أن ابنتها حساسة، وأن مثل هذه الأخبار قد تؤثر عليها.
"نحن على ثقة بأن سالم قادر على تجاوز أي صعاب يا أم فلان. إنه شاب مجتهد، وابنه عبد الرحمن رجل حكيم."
"أتمنى ذلك. لكن الأمور في السوق صعبة هذه الأيام. ويقال أن هناك ديونًا كبيرة."
عادت أمينة إلى المنزل، وهي تشعر بالقلق. تحدثت مع ابنتها.
"نور، ابنتي. رأيت أنكِ تشعرين ببعض القلق. هل ما زلتِ تفكرين في كلام الناس؟"
"يا أمي، الأمر ليس مجرد كلام. سالم نفسه اعترف بوجود صعوبات."
"نعم، لكنه قال إنه قادر على تجاوزها. وأنا أثق في قدرته. سالم رجل يحمل في قلبه خوف الله، وهذا أهم من أي مال. لا تجعلي هذه الأمور تسيطر على تفكيرك. كوني قوية، وادعي الله أن يفرج كربهم."
"سأدعو يا أمي. لكنني أشعر بأنني لا أستطيع فعل شيء. أشعر بالعجز."
"هذا الشعور طبيعي. لكن قوتك الحقيقية تكمن في ثقتك بالله، وثقتك بزوجك المستقبلي. وعندما تتزوجين، ستكونين سنده، ولن تشعري بالعجز."
تنهدت نور. كانت كلمات والدتها تخفف عنها بعض الشيء، لكن القلق ظل يراودها.
في الأيام التي سبقت الخطبة، كان سالم يعمل بجهد مضاعف، ليس فقط لتجاوز مشاكله المالية، بل ليضمن أن تكون مراسم الخطبة على أعلى مستوى، تليق بتقديره لنور. لقد كان يدرك أن هذه التحديات قد تكون اختبارًا، ولكنه كان مصممًا على إثبات جدارته.
وفي ليلة هادئة، وبينما كانت نور تنظر إلى القمر، شعرت بأن هناك شيئًا ما لا يزال عالقًا في ذهنها. لم تكن مجرد أخبار سيئة، بل كان شعورًا بأن الأمور ليست واضحة تمامًا. لم تكن تريد أن تكون زوجة عبء، أو أن تزيد من متاعب سالم.
"يا ربي، امنحني القوة والحكمة." تمتمت بصوت خافت. "واجعل علاقتي بسالم خيراً لي ولها."
كانت زهرة التحدي قد بدأت تتفتح، وكان على كل من نور وسالم أن يتعامل معها بحكمة، وثقة، ودعاء. فهل سيتغلبان على هذه العقبات؟ وهل ستكون هذه التحديات بداية لرحلة أقوى، أم نهاية لطموحات بدأت تتشكل؟