قلبي في يديك الجزء الثالث

الليلة التي تكسرت فيها المرايا

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة الهواء الباردة تتسلل عبر الشقوق الدقيقة في ستائر النافذة، حاملة معها صدى صمت ثقيل، صمت لا يكسره إلا نبضات قلب متسارعة، تدق في صدر "فؤاد" بقوة لم يعهدها من قبل. وقف في عتمة الغرفة، حيث تتراقص خيوط القمر المتربة على أثاث لم يعد يثير فيه أي اهتمام. عيناه الزرقاوان، اللتان اعتادتا على بريق الأمل، غطتهما الآن سحابة من الشك والقلق. لقد أمضى الليلة الماضية مستيقظًا، يتنقل في أرجاء هذا البيت الذي أصبح فجأة مسرحًا لاتهاماته. كل شيء كان يبدو مألوفًا، ولكن بطريقة مزعجة، كأغنية قديمة تُعزف بألحان خاطئة.

في الخارج، كان صوت الشارع قد خبا، ولم يبقَ إلا همسات الريح ووعود الفجر البعيد. لكن الفجر بدا بعيدًا جدًا عن "فؤاد" الآن. لقد تلقى رسالة، رسالة مزقت شباكه الأمنية، وألقته في بحر من التساؤلات. الرسالة، تلك القطعة الصغيرة من الورق، كانت تحمل في طياتها ما يكفي لتدمير عالم بأكمله. لم تكن من "ليلى"، حبيبته، رفيقة روحه، وبلسم جروحه. كانت من مصدر مجهول، لكن كلماتها كانت كسهام مسمومة، تستهدف القلب مباشرة.

"لقد خدعتني يا فؤاد. كل شيء كان كذبة. حبك، وعودك، وحتى قلبك الذي ظننت أنك وهبتني إياه. الحقيقة أفظع مما تتصور. ابحث في الماضي، في تلك الأسرار المدفونة، وسترى الظلام الذي تخفيه."

كلمات بسيطة، لكنها هزت أركان كيانه. "خدعتني؟ كذبة؟" تكررت في ذهنه كصدى لنهاية العالم. لمن كانت موجهة؟ ومن هو المرسل؟ كيف يمكن لـ "ليلى"، بتلك العينين الواسعتين المليئتين بالصدق، والتي طالما رآى فيها مرآة لروحه، أن تفعل ذلك؟

رفع يده المرتعشة ليمسح جبينه. عرق بارد يغطي بشرته. لقد اعتاد على التحديات، على معارك الحياة التي خاضها بشجاعة، مدعومًا بحب "ليلى" الذي كان له بمثابة خندق منيع. لكن هذا كان شيئًا مختلفًا. هذا كان طعنة في الظهر، من يد ظنها اليد الوحيدة التي يمكن أن تحتويه.

جلس على حافة السرير، وشعر بالبرودة تتغلغل في عظامه. تذكر اللحظات الأولى التي جمعته بـ "ليلى". كانت كشعاع شمس بعد عاصفة. في ذلك المقهى الصغير، تحت ضوء المصابيح الخافت، تبادلا نظرات بدت وكأنها تقيم جسرًا بين عالمين. بدأت علاقتهما بتردد، بكلمات مقتضبة، ثم تطورت شيئًا فشيئًا إلى محادثات طويلة، إلى مشاركة أحلام، إلى عوالم مشتركة. كل شيء كان يبدو نقيًا، صادقًا، خاليًا من أي شائبة.

ولكن ماذا لو كانت تلك النقاءات مجرد أقنعة؟ ماذا لو كانت تلك الكلمات الدافئة مجرد تكتيك؟ هل كان كل ما عاشه مجرد تمثيلية متقنة؟ تساءل عن كل تفصيل، عن كل ابتسامة، عن كل لمسة. هل كان هناك شيء غامض في ماضي "ليلى" لم يكشفه لها، ولم تكشفه له؟

رفع هاتفه، وتصفح صورها. وجهها المشرق، ابتسامتها العفوية، عيناها اللامعتان. كل صورة كانت طعنة جديدة. كيف يمكن أن تكون هذه المرأة، التي ملأت حياته بالسعادة، هي نفسها "الكاذبة" التي تحدثت عنها الرسالة؟

فجأة، تذكر شيئًا. شيئًا صغيرًا، لكنه بدا الآن ذا أهمية قصوى. قبل بضعة أسابيع، كانت "ليلى" تتحدث عن رحلة قامت بها مع عائلتها إلى منطقة نائية، منطقة لم يسمع بها من قبل. كانت تتحدث عن ذكريات طفولتها، عن قصص جدتها. في ذلك الوقت، لم يلتفت "فؤاد" كثيرًا، فقد كان غارقًا في سعادته معها. لكن الآن، بدأت تلك التفاصيل البسيطة تتجمع لتشكل صورة غريبة.

هل كانت هناك علاقة بين تلك الرحلة، وبين تلك الأسرار التي أشارت إليها الرسالة؟ هل كانت هناك جوانب من حياتها لم تشاركها معه؟

شعر برغبة عارمة في مواجهتها، في نزع الأقنعة، في رؤية الحقيقة مهما كانت مؤلمة. ولكن، في نفس الوقت، كان الخوف يتملك روحه. الخوف من أن تتحطم الصورة المثالية التي بناها عنها، الخوف من أن تنهار كل الأحلام التي نسجها معها.

قام من مقعده، وبدأ يتجول في الغرفة مرة أخرى. كل خطوة كانت تزيد من ثقل الهم. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. لم يعد بإمكانه العودة إلى الأيام الماضية، إلى الثقة العمياء. لقد انكسرت المرايا، وتناثرت شظاياها في كل مكان.

نظر إلى النافذة، إلى السماء الداكنة التي بدأت تتلون بخيوط الشفق. كان عليه أن يعرف. كان عليه أن يجد الحقيقة. حتى لو كانت الحقيقة تعني أن قلبه، الذي ظن أنه وجد فيه ملجأه، كان في الواقع يسبح في بحر من الأوهام.

فتح خزانة ملابسه، وبدأ يبحث عن شيء. لم يكن يعلم ما الذي يبحث عنه بالضبط، ربما مفتاح، ربما ذكرى، ربما دليل. لكنه شعر بأن الحل يكمن في هذا البيت، في الأشياء التي قد تخفيها "ليلى" دون أن يعلم.

ثم، وقعت عيناه على صندوق خشبي قديم، مزخرف بنقوش عربية جميلة، كان موضوعًا في زاوية بعيدة، تحت كومة من الأغطية. لم يره من قبل، أو ربما رآه ولم يعره اهتمامًا. دفعه فضوله، وبدأ في إزالته. كان الصندوق ثقيلًا، وله رائحة قديمة، رائحة خشب وزمن.

بأصابع مرتجفة، فتح المشبك. كان بداخله مجموعة من الرسائل القديمة، وصور فوتوغرافية باهتة، وبعض المجوهرات البسيطة. بدأ في تصفحها. كانت معظم الرسائل موجهة إلى "ليلى"، بخط يد أنثوي جميل. لم تكن من "فؤاد". كانت من شخص آخر، شخص كان يعرفها جيدًا، وشخص كانت "ليلى" تشاركه تفاصيل حياتها.

ثم، رأى صورة. صورة لـ "ليلى" وهي صغيرة، تقف بجانب رجل مسن، ذو لحية بيضاء وملامح طيبة. خلفهما، كان هناك منزل قديم، له طابع ريفي فريد. في زاوية الصورة، كُتب بخط أحمر باهت: "جدتي الحبيبة".

"جدتي؟" همس "فؤاد". لقد ذكرت "ليلى" جدتها كثيرًا، لكنه لم يرَ صورتها قط. من هذا الرجل؟ لماذا بدا مألوفًا؟

بدأ قلبه يخفق بقوة أكبر. لقد وصل إلى ما هو أبعد من مجرد الشك. لقد وجد شيئًا، شيئًا يبدو أنه يشير إلى حقائق غائبة. كانت هذه الليلة، ليلة تكسر فيها المرايا، وبدأت الحقيقة المرعبة في الظهور، شظية تلو الأخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%