قلبي في يديك الجزء الثالث
خبايا الذاكرة وصدى الأسرار
بقلم ليلى الأحمد
كانت أصابع "فؤاد" ترتعش وهي تتنقل بين الرسائل والصور المبعثرة من الصندوق الخشبي. رائحة الورق القديم والغبار اختلطت برائحة الياسمين الخافتة التي كانت تفوح من إحدى الرسائل. كل قطعة كانت تروي جزءًا من قصة لم يعرفها، قصة كانت "ليلى" تخبئها بعناية.
توقف عند رسالة معينة، غلافها أصفر اللون، مختوم بختم شمعي باهت. كان الخط الذي كتب به عنوانها أنيقًا، ولكنه يحمل طابعًا عسكريًا، يدل على دقة وانتظام. لم يكن خط "ليلى". بدأ في فتحها ببطء، كما لو كان يفتح صندوقًا من الألغام.
"ابنتي العزيزة ليلى،" بدأت الرسالة. "أعلم أن الظروف قاسية، وأن ما ستمرينه به ليس بالأمر الهين. لكن تذكري دائمًا، أن الشدائد هي التي تصقل الأبطال، وأن الصبر مفتاح الفرج. لقد تركت لكِ ما يكفي لتبدئي حياة جديدة، حياة بعيدة عن هذا الظلام. لا تبحثي عن الماضي، ولا تسمحي له بأن يلتهمك. كوني قوية، لأجل نفسك، ولأجل مستقبل لم تري بعد. والدك."
"والدك؟" تمتم "فؤاد" بصوت خافت، بالكاد مسموع. لقد عرف أن "ليلى" فقدت والدها في سن مبكرة، وأنها تحدثت عن والدتها التي تزوجت مرة أخرى. لكنها لم تذكر قط أي شيء عن والدها، ولم تظهر صورته. من كان هذا الرجل؟ وما هو الظلام الذي تحدث عنه؟
وضع الرسالة جانبًا، وأخذ ينظر إلى الصور. كانت هناك صور كثيرة لـ "ليلى" وهي صغيرة، برفقة سيدة جميلة، يبدو أنها والدتها. ولكن الصور الأكثر إثارة للاهتمام كانت لتلك السيدة مع ذلك الرجل المسن ذي اللحية البيضاء. بدا في إحدى الصور وهو يمسك بيد "ليلى" الصغيرة، ويبتسم لها بحنان. كان الرجل يرتدي زيًا عسكريًا، ولكنه بدا متقاعدًا، يحمل على وجهه علامات الزمن والحكمة.
"جدتي الحبيبة." تذكر "فؤاد" النقش على إحدى الصور. لقد فسّرها في البداية على أنها رسالة من "ليلى" إلى جدتها. لكن الآن، مع وجود هذه الرسالة من "والدها"، بدأت الصورة تتغير. ماذا لو لم يكن الرجل ذا اللحية البيضاء هو جد "ليلى"؟ ماذا لو كان شخصًا آخر؟
بدأ يتذكر تفاصيل صغيرة، لم يعرها أي اهتمام في وقت سابق. "ليلى" كانت تتحدث أحيانًا عن "حكايات جدتي"، وكانت تصفها بأنها "مليئة بالمغامرات والأسرار". في ذلك الوقت، ظن أنها مجرد قصص خيالية. لكن الآن، بدأت تلك "الحكايات" تبدو وكأنها مفاتيح لألغاز.
وجد رسالة أخرى، مكتوبة بخط "ليلى" هي. كانت تبدو أحدث من غيرها.
"إلى من سيجد هذه،" بدأت الرسالة، بخط يدها المعروف، ولكنها بدت مضطربة، وكأنها كتبت في عجلة من أمرها. "إذا كنتم تقرأون هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع حماية السر. أرجوكم، لا تلوموني. لقد اضطررت لذلك. حياتي كانت على المحك. لقد تعلمت أن الأسرار هي أثقل الأعباء، وأنها يمكن أن تدمر كل شيء جميل. إذا كان هناك أي أمل، فلتجدوا الخلاص في الحقيقة. تذكروا دائمًا: 'كل نفس بما كسبت رهينة'."
"حياتي كانت على المحك؟" تكررت الكلمات في ذهنه. ما هو الخطر الذي واجهته؟ وما هو السر الذي اضطرت لحمايته؟
بدأ يشعر بأن رأسه يدور. لقد بدأ يفقد السيطرة على الواقع. كل ما كان يعتقده عن "ليلى" كان يتداعى، ويحل محله ظلال من عدم اليقين.
عاد إلى الرسالة الأولى، رسالة المرسل المجهول. "ابحث في الماضي، في تلك الأسرار المدفونة، وسترى الظلام الذي تخفيه."
"الماضي... الأسرار المدفونة... الظلام..." هل كانت "ليلى" تخفي عنه جزءًا كبيرًا من ماضيها؟ هل كان هذا الجزء المظلم هو الذي دفعها للابتعاد عنه؟
في زاوية الصندوق، وجد صورة أخرى. صورة لـ "ليلى" وهي في سن المراهقة، تقف أمام باب كبير، خلفه جبال شاهقة. كانت تبدو حزينة، وعيناها مليئتان بالدموع. في الخلفية، كان يبدو وكأن هناك ثكنات عسكرية.
"تلك الثكنات..." تذكر "فؤاد" شيئًا. "ليلى" ذكرت مرة أنها قضت بعض الوقت في منطقة جبلية، بالقرب من حدود بلادها، حيث كان والدها يعمل. هل كان ذلك المكان؟
بدأت الصور تتجمع في عقله، كقطع أحجية مؤلمة. الرجل ذو اللحية البيضاء، زيّه العسكري، الرسالة من "والدها"، "حكايات جدتي"، الثكنات العسكرية، الحزن في عيني "ليلى" المراهقة، الرسالة الأخيرة التي كتبتها.
"لقد علمتني جدتي دائمًا أن أكون قوية." هكذا قالت له ذات مرة. في ذلك الوقت، ظن أنها مجرد كلمة طيبة. لكن الآن، بدت هذه الكلمات تحمل ثقلًا جديدًا.
ثم، وقعت عيناه على ورقة أخرى، مطوية بعناية. كانت مكتوبة بخط والد "ليلى".
"إلى ابنتي الحبيبة ليلى،" بدأت الورقة. "لقد استلمت رسالتك. أنا فخور بكِ، فخور بالشجاعة التي تظهرينها. ولكن، أخشى أن هذا القرار سيكون له عواقب وخيمة. لقد تركتِ عالمًا مليئًا بالخطر، عالم لا يمكن أن يعود إليه أحد بسهولة. أتمنى لو كنتِ لم تفعلِ. لكن، بما أنكِ فعلتِ، فعليكِ أن تتحملي المسؤولية. أحذري من 'صقر الصحراء'. إنه رجل لا يرحم، ولا ينسى. إذا علم بما لديكِ، فسيقتلكِ. حاولي الوصول إلى 'البيت الآمن' في مدينة 'الأرز'. هناك ستجدين من يساعدكِ. تذكري: 'وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا'."
"صقر الصحراء؟" تمتم "فؤاد" بصدمة. "البيت الآمن؟ مدينة الأرز؟" هذه الكلمات لم يكن لها أي معنى بالنسبة له. من هو "صقر الصحراء"؟ وماذا كان لدى "ليلى" يجعله يطاردها؟
الشعور بالخطر، الذي كان كامنًا في الرسالة الأولى، بدأ يتجلى الآن بوضوح قاتل. لقد كانت "ليلى" في خطر حقيقي. لقد كانت تهرب من شيء ما، أو من شخص ما.
تذكر "فؤاد" كيف كانت "ليلى" دائمًا تتردد في الحديث عن تفاصيل معينة في ماضيها. كانت تقول إنها "لا تحب التفكير في تلك الأيام". لقد ظن أنها مجرد ذكرى مؤلمة، لكنه لم يدرك أنها كانت ذكرى تخفي خطرًا حقيقيًا.
لقد وصل إلى مفترق طرق. كان عليه أن يختار بين تصديق الرسالة المجهولة، وبين تصديق قلبه الذي ما زال يحب "ليلى". لكن هذه الرسائل، هذه الصور، هذه الكلمات المكتوبة، كانت تتحدث بلغة قوية، لغة تنادي بالحقيقة.
شعر ببرد قارس يتغلغل في روحه. لقد بدأ يفهم. الرسالة المجهولة لم تكن مجرد هجوم على "ليلى"، بل كانت تلميحًا إلى واقعها المعقد. وربما، كانت "ليلى" قد اضطرت إلى الكذب عليه، أو إخفاء الحقيقة عنه، لحمايته.
وقف "فؤاد" أمام النافذة، ينظر إلى الفجر الذي بدأ ينتشر في الأفق. لم يعد يرى فيه وعدًا بصباح مشرق، بل بداية ليوم مليء بالأسئلة. لقد اكتشف أن "ليلى" لم تكن مجرد فتاة يحبها، بل امرأة تحمل على عاتقها أسرارًا ثقيلة، وأعباءً ماضية.
هل كانت علاقتهما مجرد وهم؟ أم أن حبهما كان أقوى من كل أسرار الماضي؟ كان عليه أن يجد الحقيقة، وأن يواجهها، مهما كانت مؤلمة. لم يعد بإمكانه العيش في ضباب الشك. لقد حان الوقت ليواجه "صقر الصحراء"، وليحمي "ليلى" من الظلام الذي يلاحقها.