قلبي في يديك الجزء الثالث
الغموض يتجلى وكشف المستور
بقلم ليلى الأحمد
صمتٌ مريبٌ ساد المكان، تعلوه فقط أصوات أنفاسٍ متقطعة. كانت المرأة الغامضة تقف بشموخٍ، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على الرمال تحت ضوء النجوم. بدا وكأن وجودها وحده قد ألقى رادعًا على المعتدين.
"من تظنين نفسكِ؟" قال الرجل الأجش، محاولًا استعادة هدوئه. "هذه الصحراء ليست ملكًا لأحد."
"وهي ليست ملكًا لك أيضًا." ردت المرأة، بنبرةٍ لا تخلو من التحدي. "جئتِ بحثًا عن ما هو ضائع، أليس كذلك؟ لقد سمعتُ همساتكم في الوادي. أنتم تبحثون عن نور اليقين."
تسارعت أنفاس نور. هل كانت هذه المرأة تعرف شيئًا عن الرسالة؟ وكيف عرفت بكلمة "نور اليقين"؟
"ما شأنكِ أنتِ؟" قال أحد المعتدين، وهو ينظر إلى المرأة بارتياب.
"شأني أنني أحمي هذا المكان، وأحمي أسراره." أجابت المرأة. "ولن أسمح لأي غريبٍ بالعبث بها."
نظر خالد إلى نور، ثم إلى المرأة. كان يرى في عينيها قوةً وعزيمةً لا يمكن تجاهلها.
"نحن لسنا غرباء." قال خالد، وهو يقترب منها بحذر. "نحن باحثون عن المعرفة، عن تاريخٍ ضائع. ولم نقصد إزعاج أحد."
"وكيف أصدقكم؟" قالت المرأة، وقد بدأت عيناها تلمعان في الظلام. "لقد رأيتُ مثلكم من قبل، يأتون ليبحثوا، لكنهم يتركون الدمار خلفهم."
"نحن نحترم هذه الأرض." قالت نور، وهي تتقدم بهدوء. "ونحن نؤمن بأخلاقيات البحث العلمي. لسنا لصوصًا أو مغامرين."
كانت المرأة تراقبها بعناية، وكأنها تحاول أن تقرأ ما في روحها. ثم قالت: "لقد انتظرتُ طويلاً. طويلاً جدًا. ربما أنتم هم الذين أرسلتهم السماء."
"من أنتِ؟" سألت نور، بصوتٍ يحمل فضولًا لا يوصف.
ابتسمت المرأة ابتسامةً خفيفة، لم تصل إلى عينيها. "أنا حارسة هذا المكان. وقصة هذا المكان متجذرةٌ في دمائكم."
"في دمائنا؟" كررت نور، بتعجب.
"نعم." أكدت المرأة. "أنتم تحملون بصمةً قديمة. بصمةً تعود إلى زمنٍ بعيد."
نظر خالد إلى نور، وكأنه يسألها: هل تفهمين شيئًا مما تقوله؟ لم تكن نور تفهم سوى القليل، لكنها شعرت بشيءٍ غريب، شعورٌ بالاتصال بهذه المرأة، وبهذا المكان.
"لكن… كيف؟" سألت نور.
"قصةٌ طويلة، يا ابنتي." قالت المرأة، بنبرةٍ حزينة. "قصةٌ عن الحب، والخيانة، والضياع. قصةٌ تبدأ مع أولاد النبي. قصةٌ تتعلق بنور اليقين."
"نور اليقين…" تمتمت نور. "هل هذا اسم المخطوطة؟"
"إنه أكثر من مجرد اسم." قالت المرأة. "إنه رمزٌ، ووعدٌ، وبدايةُ كل شيء."
ثم وجهت المرأة كلامها إلى المعتدين، بنبرةٍ قاطعة: "اذهبوا الآن. لا مكان لكم هنا. عدوا من حيث أتيتم، وإلا ستواجهون غضب الصحراء."
لم يجرؤ المعتدون على المجادلة. لقد شعروا بقوةٍ غريبةٍ تنبعث من المرأة، قوةٌ تفوق قوتهم. بدأوا يتراجعون ببطء، وهم يلقون نظراتٍ خائفةٍ على المرأة.
"هذه فرصتكم الأخيرة." قالت المرأة، وهي تراقبهم يبتعدون. "إذا عاد أحدكم، فسأكون له بالمرصاد."
توارى المعتدون في الظلام، تاركين نور وخالد والمرأة الغامضة وحدهم.
"شكرًا لكِ." قال خالد، متوجهًا إلى المرأة. "لقد أنقذتِنا."
"كنتُ أؤدي واجبي." قالت المرأة. "الآن، لنتحدث عن ما جئتم من أجله."
جلست المرأة على الرمال، ودعت نور وخالد للجلوس بجوارها. بدأت تحكي.
"هذا المكان، وهذه الصحراء، كانت يومًا ما مركزًا لحضارةٍ عظيمة. حضارةٌ قامت على العلم، والإيمان، والحب. لكنها اندثرت بفعل طمع البشر وخيانتهم."
"ومن كان سبب ذلك؟" سألت نور.
"كان هناك شيخٌ صالح، ورث أسرارًا عظيمة. وأنجب ابنةً، كانت من أجمل نساء الأرض، واسمها نور. لقد أحبت شابًا ورعًا، وكان اسمه يقين. لكن هناك من حاول التفريق بينهما، من أجل السلطة والثروة."
"إذن، نور اليقين… اسم لشخصين؟" سألت نور، وقد بدأت تتضح الصورة.
"ليس تمامًا." قالت المرأة. "كان اسم ابنة الشيخ بمثابة رمزٍ للنقاء، واسم الشاب بمثابة رمزٍ للأمل. وحبهما كان نورًا للقلب. هذه المخطوطة التي تبحثون عنها، هي كتابٌ يحوي كل أسرارهم. أسرارٌ عن حبهم، وعن حكمةٍ لا تقدر بثمن."
"ولماذا تم إخفاؤها؟" سأل خالد.
"خشيةً أن تقع في الأيدي الخاطئة." أجابت المرأة. "لقد تم إخفاؤها في مكانٍ لا يصل إليه إلا أصحاب القلوب النقية، والأرواح الطاهرة."
"وهذا المكان… هو الكهف الذي رأيته في حلمي؟" سألت نور، وعيناها تلمعان.
"نعم." أكدت المرأة. "أنتِ ابنةُ سلالةٍ عريقة، يا نور. سلالةٌ تحمل هذا الإرث."
شعرت نور بدوارٍ خفيف. كل شيءٍ كان يبدو وكأنه يتجمع، كقطعٍ متناثرةٍ من أحجيةٍ كبيرة.
"ولماذا أنتِ هنا؟" سألت نور. "لماذا تحرسين هذا المكان؟"
"لقد وعدتُ بالوفاء." قالت المرأة، وبدت عيناها تلمعان بحزن. "لقد عاهدتُ على حماية هذا الإرث، حتى يأتي الشخص المناسب لفتحه."
"وهل أنا الشخص المناسب؟" سألت نور، بصوتٍ خافت.
"قلبكِ يخبرني بذلك." قالت المرأة. "لكن الصحراء لها حكمتها، والليلة هي ليلة القدر. ليلة البدر. إنها بداية الكشف."
نظرت نور إلى السماء، حيث كان القمر يزداد اكتمالًا، وكأنه يراقب هذه المحادثة. شعرت بأن هذه الليلة ستكون نقطة تحول.
"يجب أن نذهب إلى الكهف الآن." قالت نور، بلهجةٍ من الإصرار.
"ولكن… ماذا عن المعتدين؟" سأل خالد.
"إنهم لن يقتربوا." قالت المرأة. "لقد أخفتهم. والآن، الوقت مناسبٌ لتبدأوا رحلتكم الحقيقية."
نهضت نور، وتوجهت نحو الكهف، وخلفها خالد، والمرأة الغامضة تترقب بصمت. كانت الرحلة قد بدأت للتو، ورحلةٌ لم تكن مجرد بحثٍ عن أثرٍ قديم، بل كانت رحلةً للبحث عن الذات، وعن معنى الحب الذي يتجاوز الزمان والمكان.