قلبي في يديك الجزء الثالث

ظلال الماضي تتربص

بقلم ليلى الأحمد

انسدل الليل بسكونه المعتاد على مدينة الرياض، لكن سكونه كان خادعًا، يحمل في طياته اضطرابات أعمق من أي ضجيج. في جناحها الخاص، جلست ليلى على حافة السرير، تتأمل قطعة قماش مزركشة تتشابك أصابعها بخيوطها. لم تكن مجرد قطعة قماش، بل كانت ذكرى، خيطًا رفيعًا يربطها بماضٍ حاولت جاهدة أن تدفنه تحت رمال النسيان. عيناها، التي كانت تلمع بالحب والأمل قبل شهور، باتت تحمل الآن بريقًا باهتًا، كشمعة تكاد تنطفئ.

منذ أن غادر خالد، لم تعد الأيام كما كانت. كل زاوية في المنزل، كل نسمة هواء، كانت تنبض بذكرياته. كان رحيله بمثابة اقتلاع لجزء منها، تاركًا فراغًا مؤلمًا لا يمكن لشيء أن يملأه. حاولت، والله، حاولت أن تشغل نفسها، أن تعود إلى شغفها القديم بالرسم، لكن الريشة تخون يدها، والألوان تبدو باهتة، كأنها فقدت حيويتها مع رحيله.

تنهدت ليلى بعمق، وشعرت بثقل الذنب يضغط على صدرها. هل كان ما حدث صحيحًا؟ هل كان قرارها بالابتعاد عن خالد، لإنقاذه من مصير لم تكن تتوقعه، هو القرار الصائب؟ كلما تذكرت نظرة الألم في عينيه، شعرت بوخز في قلبها. لقد استنزفت، جسدياً ونفسياً، من صراعها الداخلي.

فتحت الحقيبة الجلدية القديمة التي تركتها على الطاولة. لم تكن تعلم لماذا عادت إليها بعد كل هذا الوقت. ربما كانت تبحث عن إجابات، عن دليل يؤكد لها أنها اتخذت الطريق الصحيح، أو ربما كانت تستحضر أشباح الماضي لتواجهها. تحت طبقات من الرسائل القديمة والأوشحة المطرزة، وجدت علبة خشبية صغيرة. فتحتها ببطء، ليكشف ما بداخلها عن حقيبة صغيرة من المخمل الداكن. وفي جوفها، كانت هناك "الحقيبة".

لم تكن حقيبة بالمعنى الحرفي، بل كانت مجموعة من الأكياس الصغيرة، كل منها يحتوي على مسحوق ناعم، مختلف الألوان والروائح. لم تعد تذكر متى وكيف أدمنتها. كانت في البداية مجرد وسيلة للهروب، للنسيان، لتخدير الألم الذي شعرت به تجاه ما واجهه خالد. ثم تحولت إلى حاجة، إلى رغبة لا يمكن مقاومتها. كان السقوط بطيئاً، متسللاً، لم تدرك حجمه إلا بعد فوات الأوان.

"لا، ليس الآن،" همست لنفسها، وهي تغلق العلبة بسرعة، وكأنها تحمل شيئًا مدنسًا. لكن يدها كانت ترتجف، وقلبها يخفق بجنون. كان الشوق إلى تلك اللحظة من النشوة الزائفة، من الهدوء المؤقت، يكاد يعمي بصرها.

في تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء. لم تسمع خطوات والدتها، الدكتورة فاطمة، التي كانت دومًا تتسلل كفراشة، تحاول ألا تزعجها. وقفت فاطمة عند الباب، تراقب ابنتها، وعيناها مليئتان بالحزن والقلق. لم يكن هذا هو أثر رحيل خالد، بل أثر ما كانت تخفيه ليلى.

"ليلى، حبيبتي؟" نادت فاطمة بصوت حنون، لكنه يحمل نبرة تحمل الكثير من الأسئلة.

ارتعشت ليلى، وأدارت وجهها بسرعة، محاولة إخفاء ارتباكها. "أمي؟ لم أسمعكِ."

تقدمت فاطمة بخطوات بطيئة، ووصلت إلى طاولة ليلى. وقعت عيناها على الحقيبة الجلدية المفتوحة، ثم على العلبة الخشبية. لم تنطق بكلمة، لكن نظرتها كانت أبلغ من أي كلام. كانت تعرف، كانت تشك، لكن رؤية الدليل أمامها صدمها.

"ما هذا يا ليلى؟" سألت بصوت متقطع، تحاول السيطرة على صوتها. "ماذا تفعلين؟"

تجمدت ليلى في مكانها، عاجزة عن الكلام. لم يكن هناك مفر. كل محاولاتها للإخفاء، للإنكار، انهارت أمام نظرة والدتها الثاقبة. شعرت بأنها مكشوفة، ضعيفة، عارية أمام أقرب الناس إليها.

"أنا... أنا فقط..." حاولت ليلى أن تقول شيئًا، لكن الكلمات تاهت في حلقها.

اقتربت فاطمة أكثر، وأمسكت بيد ابنتها الباردة. "يا ابنتي، أنتِ تتألمين، أعرف ذلك. لكن هذا ليس الحل. هذا سيدمركِ، سيدمرنا جميعًا."

جرت الدموع من عيني ليلى، وبدأت تتساقط على وجهها، كأنها تغسل ذنوبها. "أمي، لا أعرف كيف توقفت. لقد بدأت من أجل... من أجل خالد. أردت أن أنسى، أن أتجاوز. لكنني... أغرقت."

احتضنتها فاطمة بقوة، وهمست في أذنها: "سنتجاوز هذا معًا، يا صغيرتي. سنواجهه معًا."

لكن حتى في تلك اللحظة، وبينما كانت تحتضن والدتها، شعرت ليلى بذلك النداء الخفي، ذلك الصوت الخافت الذي يهمس لها بأنها بحاجة إلى "الهدوء" مرة أخرى. كان صراعها قد بدأ للتو، وكان شبح الإدمان يلقي بظلاله الطويلة على مستقبلها، وعلى مستقبل علاقتها بخالد، إذا ما عاد يومًا. لقد ارتفعت المخاطر، وزادت حدة الصراع الداخلي، وأصبح الطريق نحو التعافي، إن وجد، محفوفًا بالأشواك.

كانت تلك الليلة نقطة تحول، لحظة كشفت عن ضعف عميق، عن رغبة دفينة قادرة على تدمير كل شيء جميل. وكان على ليلى أن تقرر، هل ستسمح لهذه الظلال بأن تبتلعها، أم ستقاتل من أجل استعادة نورها، حتى لو كان الثمن باهظًا؟

*

في الجهة الأخرى من المدينة، كان خالد يقف أمام النافذة، يتأمل انعكاسه في الزجاج المعتم. كانت يداه تقبضان على إطار النافذة بقوة، وكأنها تحاول تثبيته في مكانه. لم يعد الشاب المفعم بالحيوية الذي عرفته ليلى. السنتان الماضيتان تركتا آثارًا عميقة على وجهه، خطوطًا حفرها القلق والإرهاق، وعينين تحملان عبئًا لا يمكن وصفه.

لقد عاد إلى السعودية، لكنه لم يعد إلى حياته السابقة. عمله الجديد كمهندس في مشروع عمراني كبير في صحراء الربع الخالي كان بمثابة مهرب، وميدان لمعركة أخرى يخوضها. كان العمل شاقًا، يتطلب ساعات طويلة وجهدًا بدنيًا هائلاً، لكنه كان يجد فيه راحة غريبة. في رمال الصحراء الشاسعة، كان يشعر بأنه أصغر، وأن مشاكله أقل أهمية.

لكن حتى في عزلة الصحراء، لم يكن خالد بمنأى عن ماضيه. كلما لمح سماءً صافية، تذكر ليلى. كلما سمع ضحكة طفل، تذكر وجهها المشرق. كانت ذكراها محفورة في أعماقه، كوشم لا يمكن محوه.

تذكر تلك الكلمات التي قالها لوالده قبل أن يسافر: "أمي، لا أستطيع أن أكون عبئًا على ليلى. ظروفي الآن... لا تسمح لي بأن أقدم لها حياة كريمة. يجب أن أستعيد نفسي أولاً." لقد كان يعتقد أنه بذلك يحميها، يمنحها فرصة لحياة أفضل. لكنه لم يكن يعرف أن الحماية قد تكون في بعض الأحيان احتجازًا.

لقد حاول مرارًا وتكرارًا التواصل معها. رسائل، مكالمات هاتفية، لكن كل محاولاته باءت بالفشل. كان يدرك أن هناك شيئًا ما تغير. هل كانت تكرهه؟ هل وجدت شخصًا آخر؟ هذه الأفكار كانت تعذبه، تغذي الشعور بالفشل الذي كان يلازمه.

في إحدى الليالي، بينما كان يجلس وحيدًا في مقر إقامته الصحراوي، تلقى اتصالًا. كان رقمه غير معروف، لكنه أجاب.

"ألو؟" قال بصوت أجش.

"خالد؟" جاء صوت امرأة، لكنه لم يكن صوت ليلى. كان صوت والدتها، الدكتورة فاطمة.

شعر خالد بقلبه يخفق بسرعة. "الدكتورة فاطمة؟ هل... هل كل شيء على ما يرام؟"

"ليس على ما يرام يا خالد،" قالت فاطمة بصوت حزين. "ليلى... إنها تمر بأزمة. هي بحاجة إليك."

حبس خالد أنفاسه. "ماذا حدث؟"

"إنها... إنها تكافح. لقد انزلقت في طريق صعب. الطريق الذي كنا نخشى أن تسلكه. أحتاج مساعدتك، خالد. إنها تحتاج رجلاً قوياً بجانبها، رجلاً تحبه وتثق به."

صمت خالد للحظة، وكأن العالم كله توقف. كانت هذه هي الفرصة التي كان ينتظرها، ولكنها جاءت في ظل أزمة. لم يكن يفكر في نفسه، بل في ليلى. في الفتاة التي أحبها، والتي كان على استعداد للتضحية بكل شيء من أجلها.

"سأعود،" قال خالد بحزم. "سأعود الآن."

كانت عودته إلى المدينة مدوية، ليس بضجيج، بل بصمت يسبق العاصفة. كان يعلم أن الأمور لن تكون سهلة. كان يعلم أن عليه مواجهة ليس فقط أزمة ليلى، بل أزمته هو أيضًا، ومعركته مع ماضيه، ومع الذنب الذي كان يثقل كاهله. كان عليه أن يواجه ما هو أعمق من مجرد حب، كان عليه أن يواجه ضعف البشر، ورغباتهم، وقدرتهم على السقوط.

كانت تلك الليلة تحمل في طياتها بداية جديدة، معركة جديدة، وصراعًا أشد ضراوة. ظلال الماضي لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت قوى حقيقية تتصارع على مصير ليلى وخالد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%