أنت قدري الجزء الثالث
رياح الشك تعصف بقلب سارة
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات مساءٍ ربيعيٍّ عليلةٍ تداعب أهداب النوافذ المفتوحة في غرفة سارة، حاملةً معها عبير الياسمين المخلوط برائحة التراب المبلل بندى الليل. جلست سارة على حافة السرير، ممسكةً بكتابٍ مفتوحٍ بيدين مرتجفتين، ولكن عينيها كانتا شاردتين، تبحران في بحرٍ متلاطمٍ من الأفكار والمشاعر. لم يعد كتاب الفقه الذي بدأت بقراءته يشغلها، بل استوطن قلبها قلقٌ عميقٌ، أشبه بشبحٍ يتسلل خلسةً ليُلقي بظلاله القاتمة على صفاء روحها.
مرت الأيام منذ آخر لقاءٍ جمعها بحسنٍ في حديقة المنزل. لقد كان لقاءً ساطعًا، مشبعًا بالحب الطاهر والتفاهم العميق. لقد شعرت بسعادةٍ غامرةٍ وهي ترى الأمل يتجدد في عينيه، وتلمس جدية خطواته نحو مستقبلٍ يجمعهما. لقد وعدها بأن يزور والدها قريبًا لطلب يدها رسميًا، ووعدها بأن يكون كل شيءٍ واضحًا وسريعًا. لكن الشك، ذلك المخلوق اللئيم، بدأ يتسرب إلى أفكارها كالحية الرقطاء، يبث سمومه البطيئة.
لم يكن الشك متعلقًا بحسنٍ نفسه، فقلبها كان يشهد له بالصدق والنقاء. بل كان الشك متعلقًا بالظروف، بتعقيدات الحياة التي قد تفصل بين قلبين أحبَّا على سنة الله ورسوله. لقد سمعت همساتٍ من بعيد، إشاراتٍ عابرةٍ من بعض قريبات حسنٍ، تتحدث عن خططٍ أخرى لعائلته، عن زواجٍ مدبَّرٍ ربما، عن أسرةٍ ذات مكانةٍ تسعى لربط ابنتهم بابنهم. لم تكن تلك الهمسات موجهةً إليها مباشرةً، بل كانت كالقاذورات التي يلقيها أحدهم في طريقٍ عام، فتلطخ ثياب المارة دون قصدٍ مباشر.
تنهدت سارة بعمق، وأغلقت الكتاب برفق. كانت تعرف حسنًا حق المعرفة. كان من عائلةٍ مرموقةٍ، وله مكانته في مجتمعه. هذه الأمور كانت واردة، بل متوقعة. لكن هل يمكن لأسرةٍ كهذه أن تقبل بزواجٍ من فتاةٍ بسيطةٍ مثلها، لا تملك سوى حسن الخلق والقلب النقي؟ كانت تدرك أن المجتمع أحيانًا يكون قاسيًا، وأن الأقدار قد تُكتب بمدادٍ مختلفٍ عما نتمناه.
تذكرت وجه والدتها، السيدة فاطمة، وهي تتحدث عنها بحنانٍ وحكمة. كانت دائمًا تقول لها: "يا ابنتي، الحياة مدرسةٌ عظيمةٌ، نتعلم فيها دروسًا قاسيةً أحيانًا، لكنها تصقل أرواحنا. لا تدعي هموم الدنيا تطفئ نور الإيمان في قلبك. استعيني بالله، وتوكلي عليه، وهو حسبك." لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفًا. لم يكن مجرد صعوباتٍ عادية، بل كان خوفًا من فقدان حبٍّ وجدته أخيرًا بعد طول انتظار.
قامت من مكانها، واقتربت من النافذة. كان الظلام قد استوى على الكون، ولم يبقَ سوى بصيصٍ خافتٍ من ضوء القمر يتسلل عبر الغيوم. نظرت إلى السماء، ودعت الله بقلبٍ كسير: "يا رب، يا من بيدك مقاليد كل شيء، إن كان في زواجي من حسنٍ خيرٌ لي ولأهلي، فقرّبه مني. وإن كان فيه شرٌ، فاصرفه عني واصرفني عنه. أنت عليمٌ بذات الصدور."
ارتسم على وجهها تعبيرٌ حزينٌ. هل كانت تبالغ في قلقها؟ هل كانت تمنح هذه الهمسات قيمةً أكبر مما تستحق؟ ربما. لكنها كانت تعلم أن القلب لا يملك دائمًا قوة العقل على تجاهل ما يقلقه. كانت تشعر بثقلٍ على صدرها، ثقلٍ جعل تنفسها أشبه بالغرق.
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة وهي تشعر بأن شيئًا ما قد تغير. لقد قررت أن تواجه هذه المشاعر، وأن تبحث عن إجاباتٍ، وإن كانت مؤلمة. لم تكن تريد أن تعيش في وهمٍ أو ظنٍّ. تحدثت مع والدتها، السيدة فاطمة، وأخبرتها بكل ما سمعته، بكل ما يدور في خلدها.
جلست السيدة فاطمة بجوار ابنتها، احتضنتها بحنانٍ، وقالت بصوتٍ هادئٍ وواثق: "يا ابنتي، القلق شعورٌ طبيعيٌّ، خاصةً عندما يتعلق الأمر بمستقبلٍ يرتبط به قلبك. ولكن لا تجعلي هذا القلق يتملكك. حسنٌ رجلٌ طيبٌ، وعائلته طيبةٌ. ما سمعتيه قد يكون مجرد كلامٍ عابرٍ، أو سوء فهمٍ. الأهم الآن هو ما يجمعك بحسنٍ، وما يجمعكما من توافقٍ واحترامٍ. إذا كان هذا الارتباط مباركًا، فسيتم بإذن الله. وإن لم يكن، فسيصرف الله عنكم ما هو خيرٌ لكم."
أضافت السيدة فاطمة، وعيناها تلمعان بالذكاء والحكمة: "الأمر الآخر المهم، يا سارة، هو ثقتك بنفسك. أنتِ لستِ أقل من أي فتاةٍ أخرى. لديكِ ما لديكِ من طيبةٍ وخلقٍ رفيعٍ، وهذا أثمن من كل كنوز الدنيا. لا تدعي آراء الآخرين أو أفكارهم تقف حائلًا بينك وبين سعادتك."
شعرت سارة ببعض الراحة بعد حديث والدتها. لقد كانت كلمات والدتها كبلسمٍ على جرحٍ غائر. لكن الشك لم يختفِ تمامًا. كان ما يزال يختبئ في زوايا روحها، ينتظر الفرصة المناسبة لينقض عليها مجددًا.
في الأيام التالية، حاولت سارة أن تشغل نفسها بأعمالها اليومية، وأن تتجنب التفكير في الأمر. لكن كلما رأت هاتفها يرن، أو سمعت صوت بابٍ يُفتح، كان قلبها يقفز من مكانه، توقعًا أن يأتي الخبر الذي قد يغير كل شيء.
لقد اكتشفت سارة أن الحب، رغم ما فيه من جمالٍ وسموٍّ، قد يحمل معه أيضًا تحدياتٍ لا تقل جمالًا في صبرها وقوتها. وأن الصراع ليس فقط بين الخير والشر، بل أحيانًا بين الحب والحياة، وبين الأحلام والواقع. وكان عليها أن تجد القوة لتواجه هذا الصراع، وأن تثق بأن الله سيختار لها الخير، مهما كان مؤلمًا.
كانت تعلم أن مواجهة حسنٍ بهذا القلق قد تكون صعبةً، وقد تفهمها هي أو تساء فهمها. هل كانت تستطيع أن تنتظر حتى يأتي الوقت المناسب؟ هل كان عليها أن تتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام، بينما قلبها يعتصر خوفًا؟ لقد وجدت نفسها في مفترق طرقٍ، حيث تتطلب كل خطوةٍ قرارًا مصيريًا.
نظرت سارة إلى السماء المظلمة، وتساءلت عن الغد. هل سيأتي إليها حسنٌ بخبرٍ سارٍ؟ أم أن رياح الشك التي بدأت تعصف بقلبها، ستجلب معها عواصف أقوى؟ لقد أدركت أن صبرها وقوتها الإيمانية ستكون هي السلاح الأقوى في مواجهة ما قد تحمله الأيام القادمة.