أنت قدري الجزء الثالث

همس الرياح ونبوءة القلب

بقلم ليلى الأحمد

كانت ليلةً كحالِ الليالي في بلدةِ "وادي السندس" الهادئة، تعمُّها السكينةُ وتُعانقُ نجومُها قممَ الجبالِ المحدّقة، إلا أنَّ في صدرِ "ليلى" كانتْ تضطربُ رياحُ قلقٍ لم تعرفْ لها مثيلاً. منذُ أنْ قرأَتْ تلكَ الرسالةَ المكتوبةَ بخطِّ "سالم" الغامض، لمْ ينعمْ لها بالٌ، ولمْ تهدأْ لها عينٌ. كانتْ كلماتها، الموزعةُ بينَ التوسلِ والتحذير، كأنها سُمٌّ يسري في عروقِها، تُثيرُ في قلبِها مزيجاً عجيباً منَ الخوفِ والأملِ، والفضولِ الذي لا يُقاوم.

"إذا لمْ تسمعي مني، فستضيعُ الحقيقةُ إلى الأبد، وقدْ تفقدي كلَّ ما تحبين." تلكَ الجملةُ الأخيرةُ كانتْ كخنجرٍ مغروسٍ في أعماقِها، تُشيرُ إلى خطرٍ مُحدقٍ، وإلى سرٍّ دفينٍ قدْ يُغيّرُ مسارَ حياتِها كلياً. تساءلتْ ألفَ مرةٍ: ما هوَ هذا السرُّ؟ ومنْ هوَ "سالم" حقاً؟ وهلْ كانَ حديثُه عنْ "وعدٍ قديمٍ" و"حقٍّ مسلوبٍ" سوى حيلٍ لكسبِ ودِّها؟

جلستْ على حافةِ نافذتِها، تُراقبُ خيوطَ القمرِ وهيَ تتسللُ عبرَ أغصانِ شجرِ الزيتونِ في فناءِ منزلِهم، تُرتِّبُ الأفكارَ المتناثرةَ في رأسِها. لمْ يكنْ "سالم" سوى شخصٍ عرفتْهُ حديثاً، ظهرَ فجأةً كطيفٍ عابرٍ، لكنَّ بصمتَهُ باتتْ عميقةً، وغرابةُ ظروفِ لقائهما تُثيرُ الشكوك. هلْ كانَ ظهورهُ محضَ صدفةٍ، أمْ أنَّ هناكَ قوىً خفيّةً تُحرّكُ خيوطَ الأقدارِ؟

تذكرتْ نظراتِ "خالد" حينَ كانَ يُراقبُها وهيَ تتحدثُ معَ "سالم" في السوقِ ذاتَ مرةٍ. كانتْ تلكَ النظراتُ خليطاً منَ الغيرةِ والقلقِ، ولكنْ فيها أيضاً شيءٌ منَ الحمايةِ. حاولتْ أنْ تستجمعَ شجاعتَها، أنْ تُحكِّمَ عقلَها، وأنْ تُفكرَ بمنطقٍ. لوْ كانَ "سالم" يطلبُ منها لقاءً سرياً، لكانَ قدْ ذكرَ المكانَ والزمانَ بوضوحٍ. لكنَّ رسالتَهُ كانتْ مبهمةً، تحملُ في طياتِها تحذيراً وطلباً بالصبر.

"ربما هوَ يحاولُ إخافتي، لكيْ لا أُخبرَ أحداً بما أعرفه." همستْ لنفسِها. كانتْ تعرفُ أنَّ "سالم" يمتلكُ معلوماتٍ عنْ ماضي عائلتِها، معلوماتٍ قدْ لا تكونُ سارةً. والدُها، الحاجُّ "إبراهيم"، كانَ دائماً يُشددُ على ضرورةِ الحفاظِ على سُمعةِ العائلةِ، وأنَّ أيَّ شائبةٍ قدْ تُلطِّخُ هذهِ السُّمعةَ يجبُ استئصالُها منْ جذورِها.

شعرتْ بوخزٍ في قلبِها. ماذا لوْ كانَ "سالم" على حقٍّ؟ ماذا لوْ كانَ هناكَ ماضٍ مظلمٌ يُلاحقُهم؟ نظرتْ إلى صورةِ والدتِها المتوفاةِ، كانتْ وجهَها يُشعُّ بالبراءةِ والهدوء. هلْ كانتْ والدتُها تخفي سراً؟ هلْ كانتْ تعرفُ شيئاً عنْ هذا "الوعدِ القديمِ"؟

في تلكَ اللحظةِ، سمعتْ صوتَ خطواتٍ قادمةٍ منْ الخارج. لمْ تكنْ خطواتِ والدِها المعتادة، كانتْ أثقلَ وأبطأ. تجمدتْ في مكانِها، وقلبُها يدقُّ بعنفٍ. منْ قدْ يكونُ في هذا الوقتِ المتأخرِ منَ الليل؟

اقتربتْ منْ البابِ بحذرٍ، ومدَّتْ يدَها نحو المقبضِ. قبلَ أنْ تفتحهُ، سمعتْ صوتاً قوياً يطرقُ البابَ. صوتٌ يعرفهُ جيداً، صوتٌ يُثيرُ فيها مشاعرَ متضاربة. صوتُ "خالد".

فتحتْ البابَ على مصراعيهِ، لتجدَ "خالد" واقفاً أمامَها، وجهُهُ شاحبٌ، وعيناهُ تُحمّلانِ ثقلَ ما لا يُطاق. كانَ يرتدي ملابسَ غيرَ رسميةٍ، وكأنَّهُ خرجَ على عجلٍ.

"ليلى، يجبُ أنْ أتحدثَ إليكِ في أمرٍ خطيرٍ جداً." قالَ بصوتٍ مختنقٍ، ونبرةٌ تُنبئُ بالأسى.

"خالد؟ ماذا بكَ؟ هلْ أنتَ بخير؟" سألتْ وهيَ تُحاولُ السيطرةَ على خوفِها المتزايد.

"لا وقتَ للشرحِ الآن، لكنَّ الأمرَ يتعلقُ بـ... بـ 'سالم'."

شهقتْ "ليلى" بصدمةٍ. كيفَ عرفَ "خالد" عنْ "سالم"؟ هلْ كانَ يُراقبهُ؟ هلْ كانَ يعرفُ شيئاً؟

"كيفَ عرفتَ؟" سألتْ بصوتٍ يرتجفُ.

"لستُ أعرفُ كيفَ بالضبط، لكنَّني رأيتُهُ اليومَ قربَ منزلِكم، يتحدثُ معَ رجلٍ غريبٍ، ورأيتُهُ يُسلِّمُهُ شيئاً. شعرتُ بالخطرِ، يا ليلى. شعرتُ أنَّ هذا الرجلَ ليسَ على وفاقٍ معَ ماضيكِ أوْ حاضرِكِ."

"ماذا رأيتَ؟" سألتْ وهيَ تشعرُ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها.

"كانَ يبدو أنَّهُ يُحاولُ ابتزازَهُ. كانَ الرجلُ الآخرُ يهددُهُ. وعندما حاولْتُ الاقترابَ منهم، لاحظاني وهربا. لكني لمْ أنسَ وجهَ ذلكَ الرجلِ."

"وهلْ... وهلْ عرفتَ ما الذي كانَ في يدهِ؟" سألتْ وقلبُها يتسارع.

"لمْ أستطعْ رؤيةَ ذلكَ بوضوحٍ، لكنَّني لمحتُ شيئاً كالورقِ. ثمَّ... ثمَّ سمعتُ همساً بينهما. كلمةٌ تكررتْ: 'الوصية'."

"الوصية؟" تكررتْ الكلمةُ على شفتي "ليلى" كصدىً بعيد. كانتْ تلكَ الكلمةُ هيَ المفتاحُ الذي بحثتْ عنهُ طويلاً.

"نعم، الوصية. ولا أعرفُ أيَّ وصيةٍ هذهِ، لكني أحسستُ أنَّ الأمرَ كبيرٌ. وأنَّ 'سالم' في ورطةٍ، وربما... ربما أنتِ أيضاً."

ارتعشَ جسدُ "ليلى". كلُّ شيءٍ كانَ يتكشفُ أمامَها بشكلٍ مُخيفٍ. "سالم" لمْ يكنْ مجردَ شخصٍ فضوليٍّ، بلْ كانَ متورطاً في أمرٍ جللٍ، أمرٍ يتعلقُ بوصيةٍ، وابتزازٍ.

"لقدْ قرأتُ رسالتَهُ..." قالتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، كأنَّها تعترفُ بخطيئةٍ. "لقدْ حذرني منْ خطرٍ، وقالَ إنَّ هناكَ ماضياً مجهولاً."

اتسعتْ عينا "خالد" بفزعٍ. "إذاً، لمْ أكنْ مخطئاً. هذا 'سالم' لديهِ أسرارٌ، وأنتِ في قلْبِ هذهِ الأسرار."

"ماذا سنفعلُ الآن؟" سألتْ "ليلى" وهيَ تنظرُ إلى "خالد" بعينينِ مليئتينِ بالرجاءِ.

"سنكتشفُ الحقيقةَ، يا ليلى. لنْ ندعَ أحداً يُهددُكِ أوْ يُهددُ عائلتَكِ. لقدْ أصبحتُ جزءاً منْ هذا الأمرِ منذُ اللحظةِ التي رأيتُ فيها ذلكَ الرجلَ. وسأفعلُ كلَّ ما بوسعي لحمايتِكِ."

في تلكَ اللحظةِ، فهمتْ "ليلى" أنَّها لمْ تعدْ وحدَها. كانَ "خالد" يقفُ إلى جانبِها، مستعداً لمواجهةِ المجهولِ. شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدِها، ليسَ منَ الخوفِ هذهِ المرة، بلْ منْ قوةِ هذا التحالفِ الجديدِ، الذي ولدَ منْ رحمِ الخطرِ والأسرار. كانَ ذلكَ بدايةَ الفصلِ الأشدِّ دراماتيكيةً في قصتِهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%