أنت قدري الجزء الثالث
وشوشات الماضي وظلال الحقيقة
بقلم ليلى الأحمد
وقفَ "خالد" أمامَ "ليلى"، وعلى وجهِهِ عزمٌ راسخٌ لا يلين. كانتْ كلماته، التي انبعثَتْ منْ قلبٍ يُدركُ حجمَ الموقف، تُشكِّلُ درعاً واقياً حولَها. "لنْ ندعَ أحداً يُهددُكِ أوْ يُهددُ عائلتَكِ." لمْ تكنْ هذهِ مجردَ وعودٍ عابرة، بلْ كانتْ قسمَ وفاءٍ، وإعلاناً عنْ بدايةِ معركةٍ لمْ تُعرفْ خيوطُها بعد.
"لكنْ كيفَ سنبدأ؟" سألتْ "ليلى"، صوتُها لا يزالُ يحملُ بقايا القلقِ، لكنَّهُ اكتسبَ شيئاً منَ القوةِ بوجودِ "خالد" بجانبِها. "كيفَ نعرفُ ما هيَ هذهِ 'الوصية'؟ ومنْ هوَ ذلكَ الرجلُ الذي كانَ يتحدثُ معَ 'سالم'؟"
"سنبدأُ بالبحثِ عنْ 'سالم'." أجابَ "خالد" بثقةٍ. "هو مفتاحُنا. إنْ كانَ هوَ منْ يملكُ المعلوماتِ، فيجبُ علينا إيجادُهُ قبلَ أنْ يقعَ بيدِ أولئكَ الذينَ يُريدونَ استغلالَهُ، أوْ استغلالَ ما لديه."
"لكنْ أينَ نجدهُ؟ اختفى بعدَ أنْ رأيتَهُ. لمْ أعدْ أسمعُ عنه شيئاً."
"سأستخدمُ كلَّ ما لديَّ منْ معارفَ، وكلَّ الطرقِ المتاحةِ. يجبُ أنْ نتحركَ بسرعةٍ. هلْ تذكرينَ أيَّ تفاصيلَ أخرى عنْ ذاكَ الرجلِ الغريبِ الذي رأيتِهِ يتحدثُ معَ 'سالم'؟ أيَّ وصفٍ، أيَّ علامةٍ مميزةٍ؟"
فكرتْ "ليلى" ملياً. "أتذكرُ أنَّهُ كانَ رجلاً يبدو عليهِ الكبرُ في السنِّ، لكنَّهُ لمْ يكنْ نحيفاً. كانَ لديهِ وجهٌ مُتغضِّنٌ، وعينانِ صغيرتانِ تُركِّزانِ بقوةٍ. كانَ يرتدي ملابسَ داكنةٍ، وبدا أنَّ لديهِ قلادةً فضيةً تتدلى منْ عنقِهِ، لكنَّني لمْ أرَ شكلَها بوضوحٍ."
"قلادةٌ فضيةٌ..." كرَّرَ "خالد" هامساً، وكأنَّ الكلمةَ أثارتْ فيهِ شيئاً. "هذا قدْ يكونُ مفيداً. سأُخبرُ بعضَ الأشخاصِ الذينَ قدْ يعرفونَ شيئاً عنْ هذهِ العلامةِ."
"وماذا عنْ 'سالم'؟ كيفَ سيتعاملُ الأمرُ معَ والدِنا؟" سألتْ "ليلى" بقلقٍ، مُدركةً حساسيةَ الموقفِ بالنسبةِ للحاجِّ "إبراهيم".
"سنُخبرُ والدَكِ بالحقيقةِ، ولكنْ بطريقةٍ تُحافظُ على هدوئه. الأهمُّ الآنَ هوَ حمايةُ الحقيقةِ، وحمايةُ عائلتِنا. لا يجبُ أنْ ندعَ أعداءَ الماضي يُهددونَ حاضرَنا."
في تلكَ اللحظةِ، شعرَ "خالد" بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تقعُ على عاتقِهِ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ اهتمامٍ بـ "ليلى"، بلْ أصبحَ واجباً تجاهَ عائلتِها بأكملِها. لقدْ كانَ يرى في والدِ "ليلى"، الحاجِّ "إبراهيم"، مثالاً للرجلِ الصالحِ، الذي يُفترضُ أنْ يكونَ محمياً منْ أيِّ مكروهٍ.
"هلْ تذكرينَ أيَّ شيءٍ عنْ طبيعةِ 'الوعدِ القديمِ' الذي ذكرهُ 'سالم' في رسالتِهِ؟" سألَ "خالد"، مُحاولاً أنْ يَربطَ الخيوطَ المتناثرةَ.
"لا شيءٌ واضحٌ. لقدْ ذكرَ أنَّ هناكَ ماضياً غامضاً، وأنَّ هناكَ أشياءَ يجبُ كشفُها قبلَ فواتِ الأوان. لكنَّهُ لمْ يُفصِّلْ. أشعرُ أنَّ الأمرَ يتعلقُ بأصولِ عائلتِنا، وربما... بتاريخٍ لمْ يُحكَى لنا."
"إذاً، فإنَّ 'سالم' يُحاولُ كشفَ سرٍّ قديمٍ. سرٌّ قدْ يكونُ لهُ تأثيرٌ كبيرٌ على مستقبلِنا. لا بدَّ أنْ نفهمَ ما هيَ هذهِ الوصيةُ، ولِمَنْ هيَ موجهةٌ."
قررا أنْ يبدآ بزيارةِ مكتبةِ البلدةِ القديمةِ، علَّهما يجدا فيها بعضَ الإشاراتِ أوْ الكتبِ التي قدْ تُفسِّرُ ما يحدث. كانتْ المكتبةُ مكاناً هادئاً، تفوحُ منهُ رائحةُ الورقِ القديمِ والغبار. جلسَ "خالد" و"ليلى" بينَ أرففِ الكتبِ الضخمةِ، يُقلّبانِ الصفحاتِ بعنايةٍ، وقلبُهما يُنادي بالحقيقةِ.
قضيا ساعاتٍ طويلةٍ، يبحثانِ بينَ كتبِ التاريخِ المحليِّ، وسجلاتِ الأنسابِ، وحتى القصصِ الشعبيةِ القديمة. في أحدِ الكتبِ العتيقةِ، الذي يتحدثُ عنْ تاريخِ العائلاتِ العريقةِ في المنطقةِ، وجدا إشارةً عابرةً إلى عائلةٍ تُدعى "آل النور"، كانتْ لها تاريخٌ طويلٌ معَ هذهِ الأرضِ، واختفتْ فجأةً في ظروفٍ غامضةٍ قبلَ عقودٍ. لمْ يكنْ هناكَ الكثيرُ منَ المعلوماتِ، لكنَّ الاسمَ بدا مألوفاً لـ "ليلى" بطريقةٍ غريبةٍ.
"آل النور؟" همستْ "ليلى"، كأنَّها تُحاولُ استرجاعَ ذكرى. "هلْ تذكرُ يا خالد، عندما كانَ جدُّكَ يُحدِّثُنا عنْ القصصِ القديمةِ؟ لقدْ ذكرَ مرةً عائلةً عاشتْ هنا وانتقلتْ لأسبابٍ غيرِ مفهومةٍ. ربما همْ نفسُهم؟"
"لا أستبعدُ ذلك. ففي هذهِ المنطقةِ، الأسرارُ متجذرةٌ في الأرضِ. كلُّ عائلةٍ لها قصتُها، وكلُّ قصةٍ لها ظلالُها."
بينما كانا يتناقشانِ، اقتربَ منهما أمينُ المكتبةِ، رجلٌ مسنٌّ يعرفهُ "خالد" منذُ صغرِهِ. "ماذا تبحثانِ عنه بهذهِ الحماسةِ اليوم؟" سألَ بابتسامةٍ ودودة.
"نحنُ نبحثُ عنْ أيِّ معلومةٍ عنْ عائلةٍ قديمةٍ تُدعى 'آل النور'." أجابَ "خالد".
أومأَ الرجلُ المسنُّ برأسِهِ تفكراً. "آل النور... نعم، أتذكرُ أنَّ جدِّي كانَ يُحدِّثُني عنْهم. كانوا عائلةً ذاتَ ثراءٍ ونفوذٍ. لكنَّ شيئاً ما حدثَ لهم، جعلهمْ يتركونَ كلَّ شيءٍ ويختفون. قيلَ إنَّهُم تعرضوا لظلمٍ كبيرٍ، وأنَّهم أقسموا على العودةِ يوماً ما لاستعادةِ حقِّهم."
"ظلمٌ؟ حقٌّ؟" سألَ "ليلى" بلهفةٍ.
"نعم، هكذا تقولُ الأساطيرُ. وأنَّ لديهمْ شيئاً ثميناً، شيئاً يتعلقُ بميراثِهم. لكنَّ تفاصيلَ الأمرِ اختفتْ معَ الزمنِ."
شعرتْ "ليلى" بأنَّ خيوطَ الحقيقةِ بدأتْ تتشابكُ. "الوعدُ القديمُ"، "الحقُّ المسلوبُ"، "الوصيةُ"، "آل النور". كلُّ هذهِ الكلماتِ بدأتْ تُشكِّلُ صورةً مُبهمةً، صورةً قدْ تكونُ مُرعبةً، لكنَّها أيضاً تُبشِّرُ بانتهاءِ الغموضِ.
"هلْ تتذكرُ أيَّ شيءٍ آخرَ عنْ هذهِ العائلةِ؟ أيَّ اسمٍ، أيَّ تفاصيلَ عنْ سببِ اختفائهم؟" سألَ "خالد".
"لا شيءٌ واضحٌ. التاريخُ يُصبحُ ضبابياً كلَّما غصتَ فيهِ أكثر. لكنْ... أتذكرُ أنَّ جدِّي كانَ يُشيرُ إلى أنَّ جزءاً منْ هذا السرِّ قدْ يكونُ مخبأً في مكانٍ ما، وأنَّ مفتاحَ فهمِهِ يكمنُ في 'صدقِ النوايا'."
"صدقِ النوايا..." تكررتْ الكلمةُ على لسانِ "ليلى". بدا الأمرُ وكأنَّهُ لغزٌ أعمقُ منْ مجردِ وثائقَ أوْ كنوز.
خرجَ "خالد" و"ليلى" منَ المكتبةِ، وقدْ امتلأَ قلبُهما بمزيجٍ منَ الأملِ والقلق. لقدْ اكتشفا خيطاً جديداً، خيطاً يربطُ الماضي بالحاضرِ، والأسرارَ بالحقيقة. لكنَّ الطريقَ ما زالَ طويلاً، والظلالُ ما زالتْ تُحيطُ بهم. بقيَ السؤالُ الأصعبُ: هلْ هما مستعدانِ لمواجهةِ ما سيجدانِهِ؟