أنت قدري الجزء الثالث
غبار الشكوك وأزهار الأمل
بقلم ليلى الأحمد
عادت "ليلى" إلى بيتها، وقلبها يعتصر ألماً وحيرة. لم تستطع أن تنام تلك الليلة. كانت صور "يوسف" و"عمر" تتصارع في ذهنها، كأنها ساحة معركة. صورة "يوسف" المليئة بالشغف الفني، والذكريات الدافئة، والوعد الذي لم يتحقق. وصورة "عمر"، المليئة بالاستقرار، والطموح، والعقلانية.
كان والدها، "الشيخ سالم"، قد تحدث معها. لم يضغط عليها، لكنه ذكرها بمسؤولياتها تجاه أسرتها، وبأهمية بناء بيت مستقر. كان يؤمن بأن "عمر" هو الشاب المناسب، رجل يمتلك المال، والجاه، والسيرة الحسنة.
"يا ابنتي،" قال لها والده، بصوته الهادئ، "لقد رأيتُ أخلاق عمر، وسمعتُ عن أمانته. إنه رجل مبارك، ويمكن أن يبني لكِ حياة كريمة. والزواج ليس مجرد حب، بل هو شراكة، وتفاهم، وحسن تدبير."
كانت كلمات والدها منطقية، لكنها لم تستطع أن تقنع قلبها. كيف يمكن لها أن تقرر مصيرها، وهي لا تزال تشعر بصدى أغنية "يوسف" في أذنيها؟
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت "ليلى" تساعد والدتها في إعداد الطعام، طرق الباب. لم يكن ذلك صوت طرق معتاد، بل كان طرقة أثارت فضولها. فتحت الباب، لتجد "يوسف" واقفاً أمامها. كان يحمل في يده باقة من الزهور البرية، تلك التي تنبت في الصحراء بعد المطر.
"السلام عليكم يا ليلى." "وعليكم السلام يا يوسف. ما الذي جاء بك إلى هنا؟" "جئت لأتحدث معكِ. أريد أن أفهم منكِ، ما الذي يدور في قلبكِ."
دخل "يوسف" إلى البيت، وجلسا في الغرفة الصغيرة التي كانت مخصصة للضيوف. كان وجوده يملأ المكان بطاقة مختلفة، طاقة تحمل خليطاً من الشغف والرومانسية.
"ليلى،" بدأ "يوسف" بصوت خافت، "لقد عدتُ لأستعيد ما فقدته. لقد تذكرتُ وعدي لكِ، وتذكرتُ أحلامنا. عندما سمعتُ أنكِ لم تتزوجي بعد، شعرتُ بأن هناك فرصة." "لكن يا يوسف، لقد مر وقت طويل. لقد تغيرنا." "أتفهم ذلك. ولكن القلب لا ينسى. لم أنسَ حبكِ أبداً. لقد عملتُ بجد، وثابرتُ، وجمعتُ المال، لأعود وأقدم لكِ مستقبلاً يليق بكِ. لقد أسستُ ورشة فنية في المدينة، وأصبحتُ معروفاً في مجالي. أريد أن تكوني معي، لتشاركينني أحلامي، ولتساعديني في بناء مسيرتي."
كانت كلمات "يوسف" قوية، مؤثرة. شعرت "ليلى" بأن قلبها يميل إليه، إلى ذلك الشاب الذي كان يمثل لها أول حب، وأول حلم.
لكن في تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة قادمة. كانت سيارة "عمر". لم يكن "عمر" قد غادر القرية بعد، وكان قد وعدها بزيارة أخرى. "عمر؟" قالت "ليلى" ببعض الارتباك. "لقد وعدني بزيارة."
شعر "يوسف" بتغير في جو الغرفة. بدا على وجهه شيء من الانزعاج. "عمر؟ هل تتحدثين عن تاجر القافلة؟" "نعم، عمر. وهو رجل طيب، وقد طلب يدي للزواج."
تجمد "يوسف" للحظة. لم يكن يتوقع هذا. "هل... هل وافقتِ؟" سأل "يوسف"، بصوت متهدج. "لم أوافق بعد. أنا أحاول أن أفكر." "ليلى،" قال "يوسف"، وأمسك بيدها. "أرجوكِ، لا تفقدي الأمل. أنا هنا الآن. لم أعد ذلك الشاب الذي ذهب بعيداً. لقد أصبحتُ رجلاً، وأستطيع أن أقدم لكِ كل ما حلمتِ به."
في تلك اللحظة، دخل "عمر" الغرفة. كان يحمل في يده سلة من الفاكهة الطازجة، هدية لم تكن "ليلى" قد رأتها من قبل في قريتها. "مساء الخير يا ليلى." قال "عمر"، ثم رأى "يوسف" واقفاً بجانبها، ومسكها بيده. تجمد "عمر" للحظة، ثم استجمع رباطة جأشه.
"مساء الخير يا عمر." أجابت "ليلى"، وحاولت أن تتخلص من يد "يوسف" دون أن تثير شك "عمر". "أتمنى أن أكون قد أتيت في وقت مناسب." قال "عمر"، بنبرة خالية من المشاعر. "بالتأكيد، يا عمر. تفضل بالجلوس."
جلسا جميعاً، وبدأ صمت ثقيل يخيم على المكان. كان "عمر" يراقب "يوسف"، و"يوسف" يراقب "عمر". و"ليلى" بينهما، تشعر بأنها تمزق بين خيارين.
"لقد تحدثتُ مع والدكِ يا ليلى،" قال "عمر"، متوجهاً إليها. "وهو موافق على زواجنا. لقد اتفقتُ معه على موعد للخطبة الرسمية." صدمت "ليلى". لم تتوقع أن يتخذ والدها هذا القرار بهذه السرعة. "ماذا؟" قالت "ليلى"، وهي تنظر إلى والدها الذي دخل الغرفة للتو. "نعم يا ابنتي،" قال "الشيخ سالم"، "لقد تحدثتُ مع عمر، وهو رجل مبارك. وأراكِ مع عمر، فإني أرى مستقبلاً زاهراً لكِ."
نظر "يوسف" إلى "الشيخ سالم"، ثم إلى "ليلى". بدا على وجهه اليأس. "يا شيخ سالم،" قال "يوسف"، "ليلى تعرفني منذ زمن. لقد وعدتها. وأنا أستطيع أن أقدم لها كل ما تحلم به." "يا بني،" أجاب "الشيخ سالم"، "الوعد شيء، والمستقبل شيء آخر. عمر رجل قادر على توفير حياة كريمة لابنتنا. أما أنت، فما زلت شاباً، وما زلت تبدأ مسيرتك. الزمن كفيل بأن يغير الأمور."
شعر "يوسف" بالإحباط. رأى أن "عمر" كان يمتلك أفضلية كبيرة، فهو رجل مستقر، ومقبول من والدها. "لكن يا شيخ سالم، ما رأي ليلى؟ ما الذي تريده هي؟" سأل "يوسف".
نظر الجميع إلى "ليلى". كانت الأضواء مسلطة عليها. عليها أن تتخذ قراراً. قراراً سيغير حياتها، وحياة رجلين.
"ليلى،" قال "عمر"، بنبرة هادئة، "أنا لا أضغط عليكِ. ولكن أريد أن تعرفي أنني مخلص لكِ، وأتمنى لكِ السعادة. إذا اخترتِني، سأبذل قصارى جهدي لأجعلكِ أسعد امرأة." "ليلى،" قال "يوسف"، وعيناه تلمعان بالدموع. "أرجوكِ، فكري جيداً. أنا لا أملك ما يملكه عمر الآن، لكنني أملك قلباً يحبكِ، وأحلاماً أريد أن نحققها معاً. أرجوكِ، لا تدعي الفرصة تضيع."
وقفت "ليلى" وسط الصراع. بين الماضي والحاضر، بين الحب والأمان، بين الحلم والواقع. شعرت بأن غبار الشكوك يلفها، وأن أزهار الأمل بدأت تتفتح في قلبها، لكنها لا تعرف أي منها سيحتضنها.