أنت قدري الجزء الثالث
ظلال الشوق القاتلة
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات الأصيل تحمل معها عبق الياسمين وبعض الشكوك التي بدأت تتغلغل في قلب ليلى. لم تكن قد تجاوزت بعد صدمة اعتراف زوجها السابق، بل كان الأمر أعمق من مجرد اعتراف، كان كشفًا عن عالم خفي من الإدمان، عالم لم تكن تتخيله أبدًا في الرجل الذي أحبته ووثقت به. كانت صورة عمر، وهو يعترف بصوته المرتعش، بالخطيئة التي ارتكبها بحق نفسه وبحقها، محفورة في ذاكرتها كوشم لا يُمحى. لم يكن الألم جسديًا، بل كان ألمًا روحيًا، طعنة غادرة في مفهومها للحب والأمان.
جلست ليلى على شرفة منزل والديها، تتأمل أفق المدينة الذي غرق في زرقة الليل. كانت يداها ترتعشان وهي تمسك بكوب الشاي الدافئ، وكأن دفئه لم يكن كافيًا ليطرد برد الخوف الذي استقر في أعماقها. كيف لرجل يدعي الحب أن يكون أسيرًا لشهوة تدمر حياته وتؤذي أقرب الناس إليه؟ كانت الأسئلة تدور في رأسها كعاصفة لا تتوقف، تتساءل عن طبيعة هذا الإدمان، وعن مدى عمقه، وعن إمكانية الشفاء منه.
تذكرت كيف كان عمر يتعامل معها، كيف كان يبدو لها كالنبراس، وكيف كانت ترى فيه كل معاني النقاء. ألم يكن هو نفسه من كان يقرأ لها آيات القرآن الكريم، ويحثها على التقوى والورع؟ هل كان كل ذلك مجرد قناع يخفي وراءه هذا السواد؟ بدأت تشعر بالضيق، ليس فقط على عمر، بل على نفسها أيضًا. كيف أخطأت في تقديره إلى هذا الحد؟ وكيف سمحت لنفسها بأن تتعلق برجل لم تعرف حقيقته؟
مر طيف والديها في عينيها. والدها، الرجل الحكيم الهادئ، ووالدتها، الأم الحنونة التي لم تبخل يومًا بنصحها. هل يجب أن تخبرهما بما علمت؟ هل ستتحمل الأم عبء هذه الحقيقة المؤلمة؟ كانت تعرف أن والديها لن يقصرا في مساعدتها، لكنها كانت تخشى أن تلقي بهم في بحر من القلق والأسى.
"ما الذي يشغل بالك يا ابنتي؟" صوت والدتها الهادئ اخترق صمت الليل.
استدارت ليلى، وحاولت رسم ابتسامة تخفي ما يعتصر قلبها. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض ذكريات."
جلست والدتها بجانبها، ومسحت بيدها على شعرها. "أرى في عينيكِ ما ليس في كلماتكِ. هل ما زلتِ تفكرين في عمر؟"
تنهدت ليلى بعمق. لم تستطع إخفاء حزنها. "الأمر أعمق من مجرد تفكير يا أمي. لقد اكتشفت شيئًا."
ترددت ليلى في البداية، لكن حنان أمها ودعمها الدائم دفعاها إلى البوح. بكلمات متقطعة، وبصوت يرتعش أحيانًا، روت لليلى ما أخبرها به عمر. لم تتحدث عن التفاصيل، لكنها أكدت على طبيعة المشكلة، وهي الإدمان.
اختفت الابتسامة عن وجه والدتها، وحل محلها قلق عميق. "إدمان؟ أي نوع من الإدمان يا ليلى؟"
"إدمان يا أمي، شيء يسيطر عليه. لقد اعترف بنفسه، وبدأ يبكي ويتوسل إليّ أن أساعده."
نظرت الأم إلى ابنتها نظرة ملؤها الشفقة والحزن. "سبحان مغير الأحوال. كنت أرى فيه الشاب الصالح. لم أتخيل يومًا أن يصل به الأمر إلى هذا. لكن هل عرفتِ طبيعة هذا الإدمان؟"
"قال إنه شيء يشتري به الراحة، لكنه في الحقيقة يدمر حياته. لم أفهم جيدًا، لكن يبدو أنه شيء محرم."
أطبقت الأم على يد ابنتها بقوة. "يا ليلى، إن الإدمان آفة تدمر المجتمعات والأسر. والتعامل مع مدمن أمر صعب وشاق، ويتطلب صبرًا كبيرًا وقوة إيمان. ولكن الأهم، أن تتأكدي من أنكِ بعيدة عن أي خطر."
"لكن يا أمي، لقد طلب مني مساعدته. هل يجب أن أساعده؟"
"يا ابنتي، مساعدته واجب شرعي إذا كان لديه استعداد للعلاج. ولكنكِ أيضًا يجب أن تحافظي على نفسكِ وعلى سمعتكِ. هل هو مستعد للعلاج؟ هل طلب المساعدة من جهات متخصصة؟"
"قال إنه يريد أن يتوب، وأنه لا يريد أن يخسرني. لكنه كان ضعيفًا جدًا."
"الضعف علامة على مرض يا ليلى. والأمراض تعالج. لكن عليكِ أن تضعي حدودًا واضحة. لا يمكنكِ أن تخرجي نفسكِ في طريق مظلم. يجب أن يكون هناك طريق واضح للعلاج. هل لديه عائلة تعرف بهذا الأمر؟"
"لا أعتقد ذلك."
تنهدت الأم. "هذا يزيد الأمر تعقيدًا. لكن بما أن الأمر يتعلق بإدمان، فإن الأولوية القصوى هي علاجه. وكونه لجأ إليكِ، فهذا يدل على أنه يرى فيكِ الأمل. لكن عليكِ أن تكوني حذرة جدًا. الإدمان قد يجعل الشخص يتصرف بطرق غير مسؤولة."
في تلك اللحظة، لمعت فكرة في ذهن ليلى. "ولكن يا أمي، هو لا يزال زوجي في نظر القانون. هل يمكنني أن أستخدم ذلك؟"
نظرت الأم إلى ابنتها باستغراب، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. "نعم يا ليلى، طالما أن عقد الزواج قائم، فلكِ حق عليه، وله حق عليكِ. لكن هذا الحق يجب أن يُمارس في إطار شرعي وأخلاقي. إذا كان يسعى للعلاج، فربما يكون هذا هو المفتاح. هل يمكنه أن يبدأ رحلة العلاج فورًا؟"
"قال إنه سيحاول."
"حاوليه أن يبدأ. شجعيه على التواصل مع الجهات المتخصصة. إن كانت هناك مستشفيات أو مراكز للعلاج، فهذا أفضل. ولكن الأهم، أن يتوب بصدق، وأن تكون توبته بالعمل لا بالكلام."
شعرت ليلى ببعض الراحة. أفكار والدتها كانت دائمًا كمرساة في بحر الحياة المضطرب. لكن خوفها لم يختفِ تمامًا. كانت تعرف أن الطريق أمامها طويل وشاق. هل سيتمكن عمر من التغلب على إدمانه؟ وهل ستتمكن هي من مساعدته دون أن تدمر نفسها؟
انتقل تفكير ليلى إلى الشخص الآخر الذي كان محور حياتها قبل عمر، إلى يوسف. هل كان يوسف يعلم شيئًا عن هذا الأمر؟ كيف كان رد فعله لو علم؟ كانت تعرف أنه رجل طيب، ولكنه رجل يطبق الشرع والقوانين بدقة. هل سيتقبل فكرة "المساعدة" لرجل يعاني من إدمان؟
فجأة، رن هاتفها. كان رقم يوسف. شعرت بقلبها يخفق بشدة. هل كان هناك شيء يتعلق بعمله؟ أم أن القدر يخطط للقائهما مرة أخرى بشكل غير متوقع؟
"مرحبًا يوسف." قالت ليلى بصوت حاول أن يكون طبيعيًا.
"مساء الخير يا أخت ليلى. آسف على الاتصال في هذا الوقت المتأخر. هل أنتِ بخير؟"
"الحمد لله، بخير. هل هناك ما يستدعي القلق؟"
"لا، لا تقلقي. أردت فقط أن أطمئن عليكِ. لقد فكرت كثيرًا فيما جرى بالأمس. وأردت أن أقول لكِ أنني أقدر شجاعتكِ وصراحتكِ."
شكرته ليلى، وشعرت بصدق كلماته. "أنا أيضًا أقدر تفهمك يا يوسف."
"الحياة مليئة بالتحديات يا أخت ليلى. والأهم أن نواجهها بالصبر والقوة. إذا احتجتِ أي شيء، فلا تترددي في الاتصال بي."
"شكرًا جزيلاً لك. هذا لطف منك."
بعد أن أنهت المكالمة، شعرت ليلى بشيء من الأمل. ربما كانت هناك نوايا صافية في هذا العالم. ربما كانت هناك أيادٍ تمتد للمساعدة. لكنها كانت تعرف أن مهمتها مع عمر لم تنتهِ، بل بدأت للتو. وكان عليها أن تستعد لكل الاحتمالات. ظلال الشوق القاتلة كانت تتجمع حولها، لكنها كانت مصممة على إيجاد النور.