أنت قدري الجزء الثالث

خيانة لم تكن متوقعة

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، توجهت ليلى برفقة عمر نحو مركز العلاج. كانت الأجواء مشحونة بالترقب. عمر كان صامتًا، ينظر إلى الخارج من نافذة السيارة، وكأنه يبحث عن مخرج من جدران المدينة التي بدأت تبدو له كالسجن. ليلى حاولت أن تبث فيه بعض الطمأنينة، لكن كلماتها كانت تبدو ضئيلة أمام حجم مخاوفه.

عند وصولهما إلى المركز، استقبلهما طبيب نفسي شاب، ذو نظرة حانية وابتسامة مشجعة. شرح لهم الطبيب طبيعة العلاج، والبرامج المتوفرة، وأهمية الدعم الأسري. كان عمر يستمع بانتباه، ولكن عينيه كانتا تحملان نظرة زائغة، وكأن عقله لا يزال في مكان آخر.

بعد انتهاء اللقاء، طلب الطبيب التحدث مع ليلى على انفراد. "يا أخت ليلى، زوجكِ يمر بمرحلة صعبة. إن رغبته في العلاج هي نقطة انطلاق ممتازة، ولكن الطريق لن يكون سهلاً. الإدمان له جذور عميقة، وقد تكون هناك عوامل أخرى نفسية أو اجتماعية تدعم هذا الإدمان. من المهم جدًا أن تستمري في دعمه، وأن تتأكدي من أنكِ لا تقعين في فخ مساعدة الإدمان نفسه."

"كيف ذلك؟" سألت ليلى بقلق.

"عن طريق وضع حدود واضحة. لا تدفعي له المال إذا كنتِ تشكين أنه سيستخدمه في شراء ما يضر به. لا تبرري أفعاله أمام الآخرين. شجعيه على الالتزام بالمواعيد والبرامج العلاجية. وفي حال شعرتِ بأن الأمر يؤثر عليكِ بشكل كبير، فلا تترددي في طلب المساعدة لنفسكِ أيضًا. هناك مجموعات دعم للعائلات."

"شكرًا جزيلاً لكَ." قالت ليلى، وشعرت بأنها بدأت تفهم الصورة بشكل أوضح.

خرجت ليلى من غرفة الطبيب لتجد عمر واقفًا يتحدث في هاتفه. لم يكن يدرك وجودها. اقتربت منه ببطء، وحاولت الاستماع إلى ما يقول.

"نعم، نعم، أفهم. لكن الأمر أصبح صعبًا. إنها تريد مساعدتي في العلاج... لا، لا أعرف كيف سأتصرف. لكن الوعد الذي قطعته لها... لا، لا يمكنني أن أخبرها الآن. سأحاول أن أجد حلاً. اتصل بي لاحقًا."

شعر عمر بوجودها، فالتفت إليها بوجه مرتبك. "ليلى! لم أركِ."

"من كان تتحدث إليه يا عمر؟" سألت ليلى بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة من الشك.

"لا أحد. مجرد زميل عمل. كان يسأل عن بعض الأمور."

لم تصدق ليلى كلامه. كان هناك شيء في نبرة صوته، وفي نظرات عينيه، يوحي بالخفاء. هل كان عمر يكذب عليها بالفعل؟ هل كان هناك شخص آخر في حياته، شخص يعلم بأمره، وربما يشجعه على الاستمرار في إدمانه؟

"من هو هذا الزميل؟" أصرت ليلى.

"إنه... إنه شخص من الماضي. لا يهم الآن. الأهم هو أنني هنا، وأنا أريد أن أتعالج." قال عمر، محاولًا تغيير الموضوع.

لكن الشك كان قد بدأ يتغلغل في قلب ليلى. كيف يمكن أن يكون هناك شخص آخر يعلم عن إدمانه، ولم يحاول مساعدته؟ بل ربما كان يشجعه على إخفاء الأمر؟

في طريق العودة، حاولت ليلى طرح المزيد من الأسئلة، لكن عمر كان يتجنبها. كان يبدو مرهقًا، وكأن معركة داخلية تدور في داخله.

عندما عاد عمر إلى شقته، شعرت ليلى بأنها لا تستطيع أن تبقى معه في هذا الجو المشحون. "سأذهب إلى منزل والديّ قليلاً. أحتاج بعض الوقت للتفكير."

"هل أنتِ غاضبة مني؟" سأل عمر بصوت خافت.

"لستُ غاضبة، لكني قلقة. وهناك أشياء كثيرة أحتاج إلى فهمها."

غادرت ليلى، وقلبها يعتصره الألم. هل كانت قد أخطأت في تقدير عمر مرة أخرى؟ هل كانت مساعدتها له ستؤدي إلى تفاقم المشكلة؟

عندما وصلت إلى منزل والديها، وجدت والدتها في استقبالها. "ما بكِ يا ابنتي؟ تبدين شاحبة."

روت ليلى لوالدتها ما حدث، واعترافها بقلقها من المكالمة الهاتفية التي سمعتها.

"يا ليلى، الإدمان يغير النفوس. يجعل الناس يكذبون، ويتسترون على ما يفعلون. لكن هذا لا يعني أن تتخلي عنه. تذكري ما قاله الطبيب، ضعي حدودًا، وكوني حذرة."

"لكني أخاف يا أمي. أخاف أن أكون أساعده على أن يكذب عليّ."

"إذا كان يكذب، فمعنى ذلك أنه ليس مستعدًا للعلاج بشكل كامل. لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن محاولة مساعدته. ربما يحتاج إلى المزيد من الوقت. ربما هو خائف من حكم الناس، أو من رد فعل عائلته."

"هل يجب أن أتواصل مع عائلته؟"

"ربما يكون هذا هو الحل. إذا كان هناك شخص قريب منه، يمكنه أن يساعد في تقريب وجهات النظر. لكن اختاري الوقت المناسب، والطريقة المناسبة."

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت تفكر في عمر، وفي الشخص الغامض الذي كان يتحدث إليه. من يمكن أن يكون؟ وهل كان هذا الشخص يعرف بعلاقتها بعمر؟

في صباح اليوم التالي، قررت ليلى أن تتخذ خطوة جريئة. اتصلت بأخت عمر، سارة، التي كانت دائمًا صديقة حميمة لها.

"مرحبًا سارة." قالت ليلى. "آمل أن لا أزعجكِ."

"ليلى! لا على الإطلاق. كيف حالكِ؟"

"أنا بخير، الحمد لله. لكنني أحتاج إلى التحدث معكِ في أمر هام جدًا، يتعلق بعمر."

ترددت سارة قليلاً. "هل حدث شيء؟"

"نعم. يبدو أن عمر يمر بأزمة. لقد اعترف لي بأنه يعاني من إدمان، وقد بدأنا رحلة العلاج. لكنني أشعر بالقلق من بعض الأمور، وأعتقد أنكِ الوحيدة التي يمكنها مساعدتي في فهم الوضع بشكل أفضل."

بعد أن شرحت ليلى لسارة الوضع، تلقت رد فعل لم تتوقعه. بدت سارة متفاجئة، لكنها كانت أيضًا غاضبة.

"إدمان؟ كيف؟ متى؟ عمر لم يخبرني أبدًا!"

"لقد كان الأمر سريًا. ولم يخبرني إلا مؤخرًا. ويبدو أن هناك شخصًا آخر على علم بالأمر، ويتحدث إليه. وهذا ما يقلقني."

"شخص آخر؟ من؟"

"لا أعرف. لذلك لجأت إليكِ. هل تعرفين أن هناك شخصًا آخر في حياته؟ شخص قد يكون على علم بإدمانه؟"

صمتت سارة لبرهة. ثم قالت بصوت متوتر: "هناك... هناك رجل كان عمر يتحدث إليه كثيرًا في الآونة الأخيرة. كان يقول إنه صديق قديم، لكنه لم يذكر اسمه. كنتُ أظن أنهم يتحدثون عن العمل."

"هل تعرفين اسمه؟"

"لا. لكنه كان دائمًا يتجنب الحديث عنه. وقد كان عمر يبدو متوترًا جدًا في بعض الأحيان بعد مكالماته."

شعرت ليلى بأنها تقترب من الحقيقة. "هل يمكن أن يكون هو السبب في عدم رغبته في العلاج؟"

"لا أستبعد ذلك. عمر ضعيف أمام بعض الأشخاص. إنه يحب أن يظهر قوياً. ومن الممكن أن يكون هذا الرجل يضغط عليه بطريقة ما."

"سارة، أنا أحتاج مساعدتكِ. عمر بحاجة إلى أن يتخلص من هذا الإدمان. هل يمكنكِ مساعدتي في معرفة من هو هذا الشخص؟ ربما إذا عرفنا هويته، يمكننا أن نفهم ما يدور."

"بالتأكيد يا ليلى. سأفعل كل ما بوسعي. أريد أن أرى عمر بخير."

في تلك اللحظة، وبينما كانت ليلى تتحدث مع سارة، تلقت رسالة نصية على هاتفها. كان المرسل رقمًا مجهولاً. فتحت الرسالة، وقرأت.

"ابتعدي عن عمر. أنتِ لا تعرفين شيئًا. هذه حياته، وتدبيره. لستِ جزءًا منها. إذا استمريتِ في التدخل، ستندمين."

تجمد الدم في عروق ليلى. كانت الرسالة تهديدًا واضحًا. من يمكن أن يكون المرسل؟ هل كان نفس الشخص الذي تحدث إليه عمر؟

نظرت إلى سارة، وشعرت بأنها يجب أن تخبرها. "سارة، لقد تلقيتُ رسالة تهديد."

"ماذا؟ رسالة تهديد؟ من؟"

"لا أعرف. لكنها تقول إنني لا يجب أن أتدخل في حياة عمر."

نظرت سارة إلى ليلى بقلق. "هذا خطير جدًا. يبدو أننا دخلنا في متاهة أكبر مما توقعنا. يجب أن نكون حذرين جدًا."

أدركت ليلى أن المعركة التي بدأت للتو مع عمر، قد كشفت عن ظلال أعمق وأخطر. لم يكن الأمر يتعلق بعلاجه فقط، بل ربما كان هناك صراع أكبر يدور في الخفاء، صراع قد يهدد الجميع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%