قلبي في يديك الجزء الثاني

نسائم الصباح ووشوشات القلب

بقلم فاطمة النجار

كانت نسائم الصباح الأولى تلفح وجه "فرح" وهي تقف على شرفة منزلها المطل على واحة خضراء، ترتدي ثوبها الأبيض الذي يتطاير مع نسمات الهواء العليل. رفعت يديها لتضم خصلات شعرها الداكنة التي أفلتت من قناعها، تاركةً وجهها يداعب دفء شمس الصباح التي بدأت ترسم خيوطها الذهبية على صفحة السماء. لم تكن مجرد وقفة تأمل في جمال الطبيعة، بل كانت لحظة استعادة أنفاس قبل أن تبدأ معركة اليوم. في يدها، أمسكت بمفتاح صغير، يتلألأ بريقاً خافتاً تحت نور الشمس، وكأنما يخفي سراً قديماً.

"فرح"، اسم على مسمى، فقد كانت تسعى جاهدةً لأن تكون حياتها مليئة بالفرح، لكن الأقدار كانت ترمي بين الحين والآخر بغصاتٍ تمنع ذلك. اليوم، كان هناك مهمةٌ تنتظرها، مهمةٌ بدأت قبل سنوات، ولا تزال خيوطها تتشابك. مهمةٌ تتعلق بوالدها، الرجل الذي أضحت ذكراه وقصته بؤرة اهتمامها، وصاحب هذا المفتاح الذي يحمل عبء أسرارٍ مدفونة.

نزلت بخطواتٍ واثقة، صوت خطواتها يتردد صداه في أروقة المنزل الواسع، حيث كان عبق البخور والياسمين يملأ الأجواء. استقبلتها جدتها، الحاجة "أمينة"، بابتسامتها التي تحمل أثر السنين والحكمة. "صباح الخير يا ابنتي"، قالت بصوتٍ هادئ، تحمل في نبرتها دفئ الأمومة وحنان الجدة. "هل استيقظ قلبكِ اليوم على أملٍ جديد؟"

ابتسمت "فرح" وقبلت جبين جدتها. "صباح النور يا جدتي. الأمل موجود، لكنه يحتاج إلى بعض العون أحياناً."

"وما هو عون اليوم؟" سألت الحاجة أمينة، وعيناها الثاقبتان تقرآن ما وراء كلمات حفيدتها.

"المفتاح يا جدتي"، قالت "فرح" وهي تخرج المفتاح الصغير من جيبها. "تذكرين أين وجدناه؟"

تنهدت الحاجة أمينة، وبدت على وجهها علامات تفكير عميق. "نعم، أتذكر. كان في خزانة والدك، مخبأً بعنايةٍ خلف كتابٍ قديم عن التاريخ. حينها، لم ندرِ ما سرّه. ولكن، بما أن قلبكِ يدلكِ عليه اليوم، فلا بد أنه يحمل جواباً لسؤالٍ يشغل بالكِ."

لم تكن "فرح" تبحث عن جوابٍ بقدر ما كانت تبحث عن فهم. فهمٌ لماضي والدها، الرجل الذي رحل عن عالمهم تاركاً وراءه فراغاً عميقاً، وقصةً لم تكتمل فصولها. كانت قد بدأت، منذ سنوات، في تتبع خيوط حياة والدها، مستكشفةً مقتنياته، وقراءة رسائله، والبحث عن كل ما يمكن أن يرسم لها صورةً أوضح لوجهه الذي بدا لها غامضاً رغم حبه العميق لها.

"أتذكرين يا جدتي، قصة الجسر الذي بناه؟" سألت "فرح"، في محاولةٍ لربط المفتاح بخيوطٍ من ذاكرة والدها.

"أي جسر تقصدين؟"

"الجسر في القرية القديمة، الذي كان يحكي عنه دائماً. الجسر الذي ربط بين ضفتي النهر، كما كان يحب أن يقول، وأنه كان أمله في ربط القلوب."

ابتسمت الحاجة أمينة. "نعم، أتذكر. كان والدكِ يحب هذه القصص الرمزية. كان لديه رؤيةٌ لمستقبلٍ أفضل، لبلدٍ أقوى. كان يحلم ببناء جسور، لا بالحجر والاسمنت فقط، بل بالعلم والتسامح."

"وهذا المفتاح، يا جدتي، لا بد أنه يفتح باباً يؤدي إلى جزءٍ من هذا الحلم."

بعد تناول فطورٍ خفيف، انطلقت "فرح" في سيارتها، متجهةً نحو وجهتها. لم تكن وجهةً تقليدية، بل كانت بناءً قديماً، مهجوراً في أطراف المدينة، كان يعرف بأنه كان مكتب والدها السري. مكتبٌ لم تزره إلا قليلاً في صغرها، لكنها تتذكر رائحة الكتب والغبار، وصوت والدها وهو يقرأ بصوتٍ جهوري.

كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، وأشعتها تتغلغل بصعوبةٍ عبر نوافذ المكتب المغطاة بالغبار. دخلت "فرح" بحذر، وهي تحمل حقيبةً تحوي أدوات البحث: مصباح يدوي، قفازات، وعدسة مكبرة. كل شيءٍ بدا كما هو، صامتٌ، متربٌ، ينتظر عودتها.

بدأت بتفقد المكتب، الغرفة التي كانت مبعثرةً بأوراقٍ قديمة، وكتبٍ متناثرة، وبعض الأدوات الغريبة التي لم تفهمها. كانت قد قضت ساعاتٍ طويلة هنا في السابق، لكنها لم تجد شيئاً ذا قيمةٍ حقيقية. لكن اليوم، كان المفتاح في يدها، كمرشدٍ صامت.

بحثاً عن أي شيءٍ قد يتناسب مع شكل المفتاح، بدأت "فرح" تفحص الأدراج، والجدران، وحتى الأرضية. كانت تدرك أن والدها كان رجلاً حذراً، وأنه لم يكن ليضع شيئاً ذا أهميةٍ في مكانٍ يسهل العثور عليه.

وبينما هي تفحص رفاً خشبياً قديماً، مليئاً بخرائط قديمة للمدينة، لاحظت شيئاً غريباً. على جدارٍ خلف الرف، كان هناك نقشٌ صغير، يبدو كعلامةٍ غير واضحة. اقتربت منها، ومررت أصابعها عليه. كان بارداً، صلباً، ولكنه كان يحمل شكلاً هندسياً غريباً.

"هل هذا هو؟" تساءلت بصوتٍ خافت.

بحذر، أخرجت المفتاح الصغير من جيبها. كان المفتاح رفيعاً، ذو شكلٍ أسطواني، وله سنٌ دقيق. اقتربت به من النقش. لا يوجد ثقبٌ واضح، لكنها شعرت بأن هناك شيئاً تحت السطح.

بدأت "فرح" تدور بالمفتاح بحركةٍ دائريةٍ بطيئة، محاولةً إيجاد زاويةٍ مناسبة. استمرت الحركة، ثم فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً، أشبه بـ "طقطقة" خافتة. توقف النقش عن الدوران.

"لقد فعلتها!" صاحت "فرح" بفرحٍ طفولي، حبس أنفاسها وهي تنتظر.

ثم، ببطء، انزلق جزءٌ من الجدار، كاشفاً عن فتحةٍ مظلمة. لم تكن هذه الفتحة واسعة، بل كانت بالكاد تتسع لمرور شخصٍ واحد. كان الهواء الخارج منها بارداً، يحمل رائحةً غريبة، مزيجاً من التراب القديم والمعادن.

ألقت "فرح" نظرةً إلى الخلف، نحو الباب المفتوح، ثم إلى الفتحة المظلمة. كان قلبها ينبض بسرعة، مزيجاً من الخوف والإثارة. هذا هو ما كانت تبحث عنه. هذا هو ما سيجيب على أسئلتها.

مدت يدها إلى حقيبتها، وأمسكت بالمصباح اليدوي. فتحته، ثم وجهته نحو الظلام. كان شعاع الضوء يقطع الظلام، كاشفاً عن ممرٍ ضيق، منحوتٍ في الجدار. بدا الأمر وكأنه سرٌ دفين، ينتظر اكتشافه.

"بسم الله الرحمن الرحيم"، همست، ثم خطت خطوتها الأولى نحو المجهول. كل خطوةٍ كانت تتخذها، كانت تقربها من الحقيقة، أو ربما من مزيدٍ من الأسرار. لكنها كانت مستعدة. كانت "فرح" مستعدةً لمواجهة كل ما قد يكمن في هذا الظلام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%