قلبي في يديك الجزء الثاني

شكوك تتنامى ونوايا تتكشف

بقلم فاطمة النجار

مرت أيام على حديث ليلى مع والدتها، لكن القلق ظل يلازمها كظله. كانت تحاول أن تبدو طبيعية أمام علي، أن تبتسم وترد على كلماته بحنان، لكن في أعماقها، كانت تشعر بأن شيئًا ما ينمو، شيئًا يهدد بتمزيق خيوط السعادة التي نسجتها بعناية. كانت ترى في عينيه لمعة غريبة، تلك اللمعة التي تثير أسئلتها أكثر مما تجيبها.

ذات مساء، وبينما كانا يتناولان العشاء في شرفة القصر، كانت الأجواء هادئة، تتخللها أصوات الحشرات الليلية ونسمات الهواء العليلة. بدأ علي الحديث عن مشروع جديد في الشركة، عن صفقة كبيرة كان يعتقد أنها ستكون نقلة نوعية. لكن ليلى لم تكن تستمع بانتباه كامل. كانت عيناها تتفحصان وجهه، تبحثان عن أي إشارة، أي علامة تخبرهما بما يدور في خلده.

"علي،" قالت ليلى فجأة، مقاطعة حديثه، "هل أنت بخير؟ أراك شاردًا هذه الأيام."

نظر إليها علي، وابتسم ابتسامة مرهقة. "أنا بخير يا حبيبتي. مجرد بعض الضغوط في العمل."

"العمل؟ أم شيء آخر؟" سألت بهدوء، محاولةً استدراج إجابة صادقة. "أشعر بأن هناك شيئًا يزعجك، شيئًا لا تستطيع مشاركته."

تردد علي للحظة، بدا وكأنه يحاول اتخاذ قرار. "ليلى، هناك بعض الأمور القديمة المتعلقة بالعائلة. بعض الصفات التجارية التي اكتشفتها مؤخرًا. أحاول أن أفهمها."

"صفقات قديمة؟" كررت ليلى، وقد بدأ قلبها يدق بسرعة. "وما الذي يقلقك بشأنها؟"

"أخشى أن تكون هناك بعض الأمور التي لم تكن على ما يرام. بعض التفاصيل الغامضة. أنا أحاول أن أتأكد من الحقائق قبل أن أتحدث فيها."

"ومن سيساعدك في هذا؟" سألت ليلى، عيناها مثبتتان على عينيه.

"بعض الأصدقاء، وبعض المتخصصين. أحاول أن أكون حذرًا."

شعر علي براحة غريبة وهو يتحدث مع ليلى. رغم أنها لم تفهم كل شيء، إلا أن وجودها، وطريقتها في الاستماع، منحاه بعض الطمأنينة. لقد قرر أن يبدأ بالكشف التدريجي، وأن يشاركها ما اكتشفه، طالما أنه لم يتأكد من صحة الأمور.

"إذا احتجت لأي شيء، فأنا هنا." قالت ليلى، وحاولت أن تبتسم. "ربما يمكنني المساعدة بطريقة أو بأخرى."

"أعرف ذلك يا حبيبتي. وجودك هو أكبر مساعدة لي." قال علي، وامتدت يده ليلمس يدها برفق.

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. أفكار كثيرة كانت تدور في رأسها. "صفقات قديمة"، "أمور لم تكن على ما يرام"، "تفاصيل غامضة". هذه الكلمات كانت كافية لتشعل خيالها. هل كان الأمر يتعلق بفساد؟ أم بظلم وقع على أحدهم؟ تذكرت كلمات جد علي، العم أحمد. "هناك أمور لا تعلمينها عن ماضي عائلتنا." هل كان هذا ما يشير إليه؟

في نفس الوقت، كان العم أحمد قد اتخذ قراره. لقد استشار محاميه، وقرر أن الوقت قد حان لمواجهة الماضي. لقد أرسل بريدًا إلكترونيًا إلى علي، يطلب فيه لقاءً عاجلاً. لم يكن متأكدًا من كيفية استقبال علي لهذا اللقاء، لكنه كان يعلم أن إخفاء الحقيقة لن يجلب إلا المزيد من الألم.

في مكتبه، كان العم أحمد ينظر إلى صورته مع أخيه، والد علي. تذكر كيف كان أخوه شابًا طموحًا، مليئًا بالحياة، وكيف انقلبت حياته رأسًا على عقب بسبب صفقة مشبوهة. لقد حاول العم أحمد أن ينقذه، لكنه لم يستطع. والآن، شعر بالمسؤولية تجاه علي، وتجاه ليلى، وتجاه سمعة العائلة.

"يا أخي، سامحني. لقد حاولت حماية الجميع، لكنني لم أفلح." همس لنفسه، ثم بدأ يكتب رسالة مفصلة، تتضمن كل الحقائق التي عرفها، وكل الوثائق التي جمعها. لقد وضع الرسالة في مظروف مختوم، ووضع معها مفتاحًا قديمًا، كان يعتقد أنه سيفتح بابًا لبعض الأسرار.

في اليوم التالي، ذهبت ليلى لزيارة صديقتها المقربة، نور. كانت نور قد خطبت حديثًا، وكانت تبدو سعيدة جدًا. جلست ليلى مع نور، وشربتا الشاي، وبدأت ليلى تحكي لها عن قلقها، دون أن تكشف عن تفاصيل محددة.

"أشعر بأن علي يخفي شيئًا عني، نور. شيء كبير." قالت ليلى.

نظرت نور إلى ليلى بعينين مليئتين بالتعاطف. "وهل تحدث معكِ بشأن هذا الشيء؟"

"ليس بالتفصيل. قال إنها أمور قديمة تخص عائلته، وبعض الصفات التجارية. لكنني أخشى أن تكون أكثر من ذلك."

"لماذا تخشين؟ إذا كان يحاول أن يخبرك، فهذا يعني أنه يثق بك. ربما يحتاج فقط إلى الوقت ليجمع أفكاره." قالت نور، محاولةً طمأنة صديقتها.

"ربما. لكنني أرى في عينيه شيئًا، يا نور. شيئًا يذكرني بتلك الأيام التي كنت فيها أخاف من كل شيء."

"أتفهم خوفك، لكنكِ لستِ تلك الفتاة الخائفة بعد الآن. أنتِ قوية، وليلى. وعلي يحبك، وهذا هو الأهم. حاولي أن تتواصلي معه بصراحة، وأن تثقي به. وإذا كان هناك شيء ما، فكوني مستعدة لمواجهته معه."

ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة. "نصائحك دائمًا قيمة يا نور. أشكرك."

"هذا ما تفعله الصديقات." قالت نور، وضمت ليلى بحنان.

في تلك الأثناء، كان علي في مكتبه، يتلقى اتصالاً من العم أحمد. "علي، أريدك أن تأتي إلى مكتبي في أقرب وقت ممكن. لدي أمر هام أريد أن أحدثك فيه." قال العم أحمد بصوته الهادئ، الذي يحمل نبرة جدية لم يعتد عليها علي.

"بالتأكيد يا عمي. سأكون هناك في غضون ساعة." أجاب علي، وشعر ببعض القلق.

بعد ساعات قليلة، وصل علي إلى مكتب العم أحمد. كان المكتب هادئًا، لكن الأجواء كانت مشحونة. جلس العم أحمد خلف مكتبه، وأمامه مظروف مختوم.

"علي،" بدأ العم أحمد، "هناك أمور كثيرة لم أخبرك بها عن ماضي عائلتنا. لقد حاولت أن أحميك، وأن أحمي سمعة العائلة، لكنني أدركت أن الحقيقة يجب أن تظهر. هذه الرسالة وهذه الوثائق فيها كل شيء."

مد العم أحمد المظروف إلى علي. كان علي ينظر إليه بشيء من التردد. "ما هذا يا عمي؟" سأل.

"هذه هي قصة جدي، قصة والدي. قصة صفقة تجارية أدت إلى الكثير من المتاعب. لقد اكتشفت مؤخرًا تفاصيل لم أكن أعرفها. وأخشى أن تكون هناك آثار سلبية لهذه الصفقة على حاضرنا."

فتح علي المظروف ببطء. كانت الرسالة طويلة، مليئة بالتفاصيل، تتحدث عن فساد، عن استغلال، وعن أخطاء جسيمة ارتكبت في الماضي. كانت الوثائق تثبت كل كلمة.

شعر علي بالدوار. لم يكن يتخيل أبدًا أن يكون ماضيه بهذه الصورة. لقد كان ينوي أن يكشف لليلى عن جزء بسيط من هذه القصة، لكن الآن، كان يشعر بأن هذه الحقيقة قد تدمر كل شيء.

"لماذا لم تخبرني بهذا من قبل يا عمي؟" سأل علي بصوت يرتجف.

"كنت خائفًا يا علي. خائفًا من أن يؤثر هذا عليك، وعلى حبك لليلى. لقد كنت أريد أن تحيا حياة هانئة، بعيدًا عن هذه الأعباء. لكنني أدركت أن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد."

نظر علي إلى الوثائق، ثم إلى العم أحمد. كانت عيناه تلمعان بحزن وغضب. لم يعد الأمر يتعلق بالشكوك، بل بالحقائق الصادمة. كان عليه أن يفكر في ليلى، في مستقبلهم، وفي كيفية التعامل مع هذه الكارثة.

"ماذا علي أن أفعل الآن يا عمي؟" سأل علي، وقد شعر بالضياع.

"علينا أن نواجه هذا معًا يا علي. وعلينا أن نقرر ما هو الأفضل. سواء كان ذلك بكشف كل شيء، أو بإصلاح ما يمكن إصلاحه. لكن قبل كل شيء، عليك أن تتحدث مع ليلى. لا يمكنك أن تبدأ حياة معها وأنت تحمل كل هذا السر."

كان علي يشعر ببرودة شديدة تسري في عروقه. الحقيقة كانت قاسية، والمسؤولية كبيرة. هل كانت هناك طريقة لتجاوز هذه العقبة؟ أم أن الماضي سيبقى دائمًا شبحًا يطارد حاضرهم؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%