قلبي في يديك الجزء الثاني

همسات الليل ورياح الشك

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد انسدل بسكون على مدينة الرياض، مخضبًا سماءها بلون الدجى العميق، ولم تكسر هذا السكون سوى همسات رياح خفيفة تتسلل عبر نوافذ القصر الكبير. في غرفة نور، كانت الأفكار تتصارع في صدرها كأمواج عاتية. قبل ساعات قليلة، كانت حياتها تسير على درب من الوضوح والسكينة، ولكن الآن، كان كل شيء مشوبًا بظلال من عدم اليقين.

جلست بجوار النافذة، تراقب النجوم تتلألأ بصمت، كأنها تشهد على اضطرابها الداخلي. قبل أيام، كان لقاؤها الأول مع عائلة الأستاذ خالد قد فُتح لها بابًا نحو مستقبل كان يبدو ورديًا. ابتسامة والدته الدافئة، وحسن استقبال والده، وحديثهم عن مستقبلها ومستقبل خالد معًا، كل ذلك كان كبلسم يداوي جراح الماضي. ولكن، ذلك اللقاء المفاجئ والمربك مع سارة، شقيقة خالد، وما حملته من كلمات غير مفهومة، وابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الأسرار، قد زرع بذور الشك في قلبها.

"لماذا فعلت ذلك؟" تمتمت نور بصوت خفيض، لا يكاد يسمع. "لماذا بدت وكأنها تعرف سرًا عني؟"

تذكرت نظرة سارة الثاقبة، وكيف بدت عيناها تتفحصانها بعمق، كأنها تبحث عن شيء ما، أو ربما تستعيد ذكرى قديمة. وتذكرت كلماتها الأخيرة، "أتمنى أن تكوني سعيدة، يا نور. حقًا أتمنى ذلك." كانت نبرة صوتها تحمل شيئًا غامضًا، مزيجًا من الحزن والشجن، ولم تستطع نور فهمه.

انتقل تفكيرها إلى خالد. لقد كان صامتًا، متأملًا، وكأنه يقرأ في عينيها ما يعصف بها. هل يعرف شيئًا عن هذا اللقاء؟ هل تحدثت سارة معه؟ كانت الأسئلة تتوالى بلا هوادة، تثقل كاهلها.

في هذه الأثناء، في غرفة مكتبه الأنيقة، كان خالد يجلس خلف مكتبه الفخم، يتصفح بعض الأوراق. لكن عقله لم يكن حاضرًا. كانت صورته تتقاطع مع صورة نور، وتلك النظرة التي تبادلاها مع أخته سارة. كان يشعر بأن هناك شيئًا ما يخفيه خالد عن نور، شيئًا يتعلق بماضيه، ماضٍ قديم كان يعتقد أنه دفنه إلى الأبد.

لم يكن خالد قد أبلغ سارة بقراره بالارتباط بنور. كان يؤجل ذلك، يخشى رد فعلها. لقد كانت سارة دائمًا حساسة تجاه علاقاته، خاصة بعد وفاة والدهما المفاجئة قبل سنوات. كانت تشعر دائمًا بأنها وحدها في هذه الحياة، وأن أي علاقة جديدة قد تشغل أخاها عنها ستكون خيانة.

لكن هذه المرة، الأمر مختلف. لقد رأى في عيني نور نورًا لا يمكن إنكاره، أملًا ورجاءً يعيد إليه معنى الحياة. لقد وجد فيها الرفيقة التي طالما حلم بها، والشريكة التي ستشاركه دروب المستقبل.

حينما تحدثت سارة معه بعد لقاء نور، كانت نبرتها تحمل نبرة تحذير مبطنة. "إنها جميلة، خالد. وواضحة. ولكن هل أنت متأكد؟"

نظر خالد إليها بدهشة. "متأكد من ماذا يا سارة؟"

"متأكد من أنها تعرف كل شيء. وأنها لن تواجه مشاكل مع ماضيك."

توقف خالد، وشعر ببرودة تسري في أوصاله. "ماضيي؟ أي ماضٍ تتحدثين عنه؟"

تنهدت سارة وقالت ببطء: "إننا جميعًا لدينا أشباح يا خالد. أشباح قديمة. وأخشى أن تكون أشباحك قد بدأت تطاردك مجددًا."

أدرك خالد حينها أن سارة تعرف شيئًا. شيئًا يتعلق بتلك الفترة المعتمة من حياته، الفترة التي كان يحاول جاهدًا نسيانها. فترة كان يخشى أن يعرف بها أحد، وخاصة نور.

في غرفة نور، بدأت دمعة تتسلل على خدها. لم تكن تبكي من ضعف، بل من ثقل ما تشعر به. إنها تؤمن بالحب النقي، بالحب الذي ينمو في إطار الحلال، حب يبنى على الثقة والصدق. وما تشعر به الآن هو أن هذا الحب قد يتعرض لاهتزاز خطير.

تذكرت كلمات والدتها وهي تزين لها الطريق نحو الزواج: "الحياة الزوجية كالسفينة يا ابنتي. تحتاج إلى بحار ماهر وصادق ليقودها. والأهم من ذلك، أن تكون هناك ثقة مطلقة بين الربان والملّاحة."

كانت نور تؤمن بهذا بشدة. ولذلك، فإن أي شعور بالخفاء أو عدم الوضوح كان يؤلمها.

في هذه الأثناء، كان أحمد، ابن عمها، في مكتبه الخاص. لقد استلم تقريرًا سريًا بالأمس، تقريرًا أثار قلقه العميق. التقرير كان عن خلفية خالد، وكان يتضمن معلومات لم يكن يتوقعها أبدًا. معلومات تتعلق بفترة زمنية كان فيها خالد بعيدًا عن الأنظار، فترة تسبق لقائه بنور.

كان أحمد دائمًا حاميًا لنور، ومسؤولًا عن سعادتها. لقد رأى في خالد الرجل المناسب لها، الرجل الذي يمكن أن يوفر لها الاستقرار والسعادة. لكن هذه المعلومات الجديدة قد تغير كل شيء.

تصفح أحمد التقرير مرة أخرى، وعيناه تقرآن بين السطور. كانت هناك إشارات غامضة، تلميحات إلى أحداث لم يتم الكشف عنها بالكامل. لكن ما كان واضحًا هو أن هذه الفترة من حياة خالد قد تكون حساسة جدًا.

"لماذا لم يكن صريحًا؟" سأل أحمد نفسه بصوت متعب. "لماذا لم يخبر نور بكل شيء؟"

كان يدرك أن الصدق هو أساس أي علاقة ناجحة، خاصة في إطار الزواج. وأن إخفاء جزء من الماضي، حتى لو كان بدافع الحماية، يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.

عاد أحمد بنظره إلى صورته مع نور، صورة تجمع بينهما بابتسامة واسعة. كان يتمنى أن تكون كل هذه المخاوف مجرد أوهام، وأن يكون خالد بالفعل الرجل الذي يبحثون عنه.

في غرفة نور، لم تستطع النوم. استيقظت وذهبت إلى مصلاها، أدت ركعتين، ودعت الله أن ينير بصيرتها، وأن يهديها إلى الطريق الصحيح. كانت تدعو بصوت خفيض، تحمل في قلبها رجاءً صادقًا.

"يا رب، اهدني وسدد خطاي. أرني الحق حقًا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه."

في الخارج، بدأت نسمات الفجر تداعب أشجار النخيل، معلنة عن نهاية ليل طويل. لكن في قلوب الأبطال، كانت عاصفة الشك لم تهدأ بعد. كانت هناك أسرار تتكشف، وحقائق تلوح في الأفق، وحياة نور وخالد على مفترق طرق، يتوقف مصيرها على ما سيحدث في الساعات والأيام القادمة.

لم يكن أي منهم يعلم أن قرارًا واحدًا، أو كلمة واحدة، يمكن أن تغير مجرى حياتهم إلى الأبد. وأن ما يبدو الآن كغموض بسيط، قد يكون مجرد بداية لانكشاف أكبر، أو ربما بداية لانهيار كل ما بنوه.

في هذه اللحظة، وعلى عتبة يوم جديد، كان الجميع يعيشون ترقبًا صامتًا، انتظارًا لما سيحمله المستقبل، وما ستكشفه الأيام من حقائق كانت بالأمس مطمورة تحت رمال الزمن. ولم يكن أحد مستعدًا تمامًا لما سيأتي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%