قلبي في يديك الجزء الثاني
بين ظلال الماضي ووهج الحاضر
بقلم فاطمة النجار
ارتعشت يدا "فرح" وهي تمسك بالمصباح اليدوي، وكان شعاع الضوء يتراقص على جدران الممر الضيق. الهواء كان كثيفاً، بارداً، مشبعاً برائحةِ غبارٍ قديم، ورطوبةٍ بدأت تتسلل إلى عظامها. كل خطوةٍ كانت تتقدمها، كانت تثير صوتاً خفيفاً، أشبه بتمتماتٍ خافتة، وكأنما تتحدث جدران هذا المكان بأسرارٍ طواها الزمن.
تذكرت كيف أن والدها، المهندس "أحمد"، كان رجلاً غامضاً في بعض الأحيان. كان يحب المفاجآت، ولكنه لم يكن ليخفي شيئاً كهذا. هذا المكان، هذا الممر، كان شيئاً مختلفاً تماماً عن عالمه المعروف. كان عالماً سرياً، بنته يداه، ولم يكشف عنه لأحد.
"يا رب، احفظني"، همست "فرح" وهي تستمر في السير. كان الممر يبدو بلا نهاية، لكنها أدركت أنه لا بد وأن يؤدي إلى مكانٍ ما. كانت قد قررت أن تتبع هذا الطريق، مهما بدا وعراً، فهي تشعر أن كل شيءٍ يتعلق بوالدها، وبقصته، يكمن هنا.
بعد ما بدا وكأنه دقائق طويلة، بدأ الممر بالاتساع. تلاشت جدرانه الحجرية، لتحل محلها مساحةٌ أكبر، بالكاد يضيئها مصباحها. عندما وصل شعاع الضوء إلى نهاية الممر، استطاعت "فرح" أن ترى غرفةً صغيرة، يبدو أنها مكتبٌ آخر، أصغر من المكتب العلوي، وأكثر خصوصية.
كانت الغرفة عبارة عن غرفةٍ مربعة، ذات جدرانٍ خشبية داكنة، يعلوها رفوفٌ قديمة. في وسط الغرفة، كانت هناك طاولةٌ صغيرة، عليها جهاز كمبيوتر قديم، وشاشةٌ مغبرة، ولوحة مفاتيح. إلى جانب الطاولة، كان هناك كرسيٌ خشبيٌ متهالك.
شعرت "فرح" بغصةٍ في حلقها. هذا المكان، كان يبدو وكأنه مسرحٌ لعملٍ سري، لم تكن تعلم شيئاً عنه. اقتربت من الطاولة، وبدأت تتفحص ما عليها. كان جهاز الكمبيوتر مغلقاً، لكنها لاحظت وجود كابلاتٍ موصولةٍ ببعض الأجهزة الغريبة، التي لم ترها من قبل.
"ما هذا؟" تساءلت بصوتٍ منخفض.
نظرت حولها، تبحث عن أي شيءٍ قد يدل على طبيعة هذا المكان. على أحد الرفوف، كان هناك صندوقٌ معدنيٌ صغير، يبدو أنه لم يمس منذ سنوات. حملته "فرح" بيدين مرتجفتين، ووضعت المفتاح الذي في يدها على القفل.
"طقطقة" أخرى، ثم انفتح الصندوق. بداخله، كان هناك ملفان، أحدهما يحمل شعاراً غريباً، يبدو كشعارٍ لشركةٍ مجهولة، والآخر كان مجرد ملفٌ ورقيٌ عادي، عليه مكتوبٌ بخطٍ يدويٍ أنيق: "المشروع: الأمل".
فتحت الملف الورقي أولاً. كانت بداخله رسوماتٌ هندسية، وخرائط، ونماذج أولية لمبانٍ غريبة. بعضها بدا وكأنه جامعات، وبعضها الآخر يبدو كمراكز بحثية. لكن ما لفت انتباهها، كان وجود صورٍ لوالدها، وهو يقف بجانب مهندسين آخرين، ويبدون جميعاً متحمّسين.
"المشروع: الأمل"، همست "فرح". هل هذا هو الأمل الذي كانت تتحدث عنه جدتها؟ هل هذا هو الجسر الذي كان يتحدث عنه والدها؟
فتحت الملف الآخر، الذي يحمل الشعار الغريب. كانت بداخله مستنداتٌ أخرى، باللغة العربية والإنجليزية، تحتوي على أرقامٍ مالية، وتقارير، واتفاقيات. لكن ما أثار رعبها، كان وجود بعض الأسماء، لشركاتٍ معروفة، ولشخصياتٍ نافذة، مرتبطةٍ بمشاريعَ مشبوهةٍ في الماضي.
"من كان أبي حقاً؟" تساءلت، وقلبها يخفق بعنف. هل كان رجلاً يحاول بناء مستقبلٍ أفضل، أم كان متورطاً في شيءٍ أكبر وأخطر؟
جلست "فرح" على الكرسي المتهالك، تفكر في كل ما اكتشفته. كانت تتذكر صورة والدها، الرجل المحب، الحنون، الذي كان يقرأ لها القصص قبل النوم. هل كانت هذه هي الصورة الكاملة؟ أم أن هناك جانباً آخر، لم تره قط؟
"لا، مستحيل"، قالت بصوتٍ عالٍ. "أبي لم يكن ليخذلني. لم يكن ليخدعني."
لكن الأدلة كانت واضحة. كانت هناك أسماءٌ، وصفقاتٌ، ومشاريعٌ، تثير الشكوك. هل كان والدها يحاول خداع الآخرين، أم أنه كان يحاول حمايتهم؟
حاولت "فرح" أن تجمع كل الخيوط. والدها، المهندس "أحمد"، كان رجلاً ذكياً، لديه رؤيةٌ لمستقبلٍ أفضل. لكنه كان أيضاً رجلاً سرياً، يحب أن يحتفظ بأسراره. هل كان "المشروع: الأمل" هو فعلاً مشروعه؟ أم أنه كان مجرد واجهة؟
نظرت إلى جهاز الكمبيوتر. كانت بحاجةٍ إلى معرفة ما بداخله. حاولت تشغيله، لكنه كان متوقفاً. يبدو أن البطارية قد نفدت منذ زمن. لكنها لاحظت وجود منفذٍ USB.
"لعل وعسى"، قالت، وأخرجت من حقيبتها قرصاً صلباً صغيراً، كانت قد أعدته لاحتياطاتها. كانت تدرك أن هذه القرص قد يحمل معلوماتٍ قد تغير كل شيء.
وضعت القرص في المنفذ، وانتظرت. ثم، فجأة، بدأ الجهاز بالعمل. ظهرت شاشةٌ سوداء، عليها علامةٌ ترحيبية، ثم شاشة تسجيل دخول.
"كلمة المرور"، همست "فرح". "ما هي كلمة المرور؟"
بدأت تفكر. ما الذي كان يحبه والدها؟ ما هي الأماكن التي كان يحلم بها؟ ما هي العبارات التي كان يكررها؟
"القرآن؟" جربت. خطأ. "المسجد؟" جربت. خطأ. "البيت؟" جربت. خطأ.
فجأة، تذكرت أغنيةً كانت ترددها أمها لها في طفولتها، عن النجمة اللامعة في سماء الليل. "نجمة"، قالت، وضغطت على الزر.
"تفضل!" ظهرت شاشةٌ مليئةٌ بالملفات.
فتحت "فرح" الملفات، وقلبها يتسارع. كانت هناك رسائلٌ، وصورٌ، ومستنداتٌ. كانت هناك أيضاً ملفاتٌ تبدو كنصوصٍ برمجية، ورموزٌ غريبة.
"ما هذا؟" تساءلت، وهي تشعر بأنها دخلت إلى عالمٍ جديد، عالمٍ لم تعد تفهمه.
لكن بين كل هذه الملفات، كان هناك ملفٌ واحدٌ يثير اهتمامها. كان اسمه "رسالة أخيرة".
فتحت "فرح" الملف، لتظهر على الشاشة رسالةٌ مكتوبةٌ بخط والدها. كانت طويلة، مليئةٌ بالحزن، والندم، والأمل.
"ابنتي الحبيبة فرح،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرئين هذا، فهذا يعني أنني لم أعد موجوداً، وأنكِ قد اكتشفتِ جزءاً من عالمي السري. أعلم أنكِ ستكونين متفاجئة، وربما غاضبة. ولكن، قبل كل شيء، أريدكِ أن تعرفي أنني أحبكِ، وأن كل ما فعلته، فعلته من أجل مستقبلٍ أفضل لكِ، ولمن تحبين."
استمرت الرسالة في شرح تفاصيل "المشروع: الأمل"، وكيف أنه كان محاولةً لبناء مجتمعٍ جديد، مجتمعٍ قائمٍ على العدل، والمساواة، والتقدم. ولكنه كان أيضاً مشروعاً خطيراً، تطلب منه الكثير من المخاطر، والقرارات الصعبة.
"لم أكن أملك خياراً آخر، يا ابنتي. كنتُ بين نارين. إما أن أشارك في هذا المشروع، أو أن أرى أحلامي تتحطم. ولكني لم أكن أتوقع أن يكون الثمن باهظاً هكذا."
ثم، في نهاية الرسالة، كانت هناك جملةٌ جعلت "فرح" تشعر بالبرد يسري في عروقها.
"ولكن، يا ابنتي، هناك سرٌ آخر، سرٌ أخطر بكثير. سرٌ يتعلق بالشخص الذي حاول أن يوقفني، والذي قد يسبب لكِ الأذى إذا اكتشف أنكِ تملكين هذه المعلومات."
"من هو؟" تساءلت "فرح"، وعيناها تتسع من الدهشة والخوف.
"هل كان هناك شخصٌ آخر؟"
كانت هذه الغرفة، هذا المكتب السري، مليئاً بالأسرار. والأسرار، كما علمت الآن، قد تكون خطيرة.