قلبي في يديك الجزء الثاني

خيوط متشابكة وبوحٌ خائف

بقلم فاطمة النجار

عادت "فرح" إلى المكتب العلوي، عيناها ما زالتا تحملان أثر الصدمة، وقلبها يخفق كطائرٍ أسير. لم تكن تتخيل أبداً أن والدها، رجلها القدوة، قد يكون له هذا الجانب الغامض، والمتشابك مع عالمٍ يبدو خطيراً. كانت الرسالة الأخيرة، تلك الجملة المبهمة عن "شخصٍ آخر"، قد زرعت في نفسها بذرة خوفٍ وقلقٍ لم تعرف لهما مثيلاً.

جلست على كرسي والدها، الذي ما زال يحمل بصماته، وتفحصت الطاولة. كانت هناك بعض الأوراق المبعثرة، بعضها يبدو كعقودٍ لمشاريعَ قديمة، وبعضها الآخر كطلباتٍ لشخصياتٍ غريبة. ولكن، في زاويةٍ من الزوايا، لفت انتباهها كتابٌ قديم، مجلّدٌ بالجلد البني، يبدو مختلفاً عن بقية الكتب.

مدت يدها إليه، وشعرت بنسيجه الخشن. فتحته بحذر، فإذا به ليس كتاباً عادياً، بل هو عبارة عن مذكراتٍ شخصية. خطٌ يدويٌ مشابهٌ لخط والدها، ولكنه يبدو أكثر اندفاعاً، وأحياناً أقل وضوحاً.

"مذكراتٌ؟" تساءلت. "هل هذا هو المكان الذي يخبئ فيه أسراره؟"

بدأت تقرأ. كانت المذكرات تبدأ بسردٍ لأحداثٍ قديمة، عن بداية "المشروع: الأمل"، وعن الحماس الذي كان يسود الفريق. ولكن، مع تقدم الصفحات، بدأت تظهر علاماتٌ للخلافات، وللشكوك.

"كان هناك من يعترض على بعض جوانب المشروع،" قرأت "فرح" بصوتٍ مسموع. "كان يرى أن هناك جوانبَ مظلمةً، لا تتوافق مع مبادئنا. كنتُ أحاول تهدئته، وشرح وجهة نظري، ولكن... لم يكن الأمر سهلاً."

"من هو هذا الشخص؟" تساءلت "فرح"، وهي تشعر بأن خيوط القصة بدأت تتكثف.

"ولكن، هل هو نفسه الشخص الذي ذكرته في رسالتي الأخيرة؟"

تواصلت القراءة. كانت هناك إشاراتٌ متكررةٌ لشخصٍ يدعى "سامي". كان "سامي" زميلاً لوالدها في المشروع، ويبدو أنه كان له دورٌ كبيرٌ في إقناع "أحمد" بالانضمام. ولكنه في نفس الوقت، كان هو نفسه الذي بدأ بالتشكيك في نوايا المشروع، وفي نوايا بعض الشركاء.

"لقد أصبح "سامي" شخصاً قلقاً،" كتب "أحمد". "يتحدث عن أن هناك من يريد استغلال المشروع لأغراضٍ شخصية. لا أعلم إن كان مبالغاً، أم أن هناك حقاً ما يجب أن أخاف منه."

"هل "سامي" هو الخطر؟" تساءلت "فرح"، وهي تشعر بأنها تقترب من الحقيقة.

ثم، وصلت إلى صفحةٍ كانت تحمل تاريخاً قريباً جداً من رحيل والدها. كانت هناك كتاباتٌ سريعة، ومشوشة، تعكس حالةً من التوتر الشديد.

"لقد واجهته اليوم. "سامي" كشف لي كل شيء. كان هناك من يخطط لشيءٍ أكبر، شيءٌ يضر بالأبرياء. لقد استخدموا "المشروع: الأمل" كغطاءٍ لعملياتهم. لقد خاننا "سامي"، ولم يكشف عن هذا إلا بعد فوات الأوان."

"خاننا؟" تكررت الكلمة في ذهن "فرح". "كيف خاننا؟"

"لقد كان يعمل معهم. كان يخدعني. كان يحاول إقناعي بأنهم يسيرون في الطريق الصحيح، بينما كانوا يخططون لشيءٍ مظلم. لقد فقدت الثقة به. فقدت الثقة في كل شيء."

"أبي... هل أنت بخير؟" همست "فرح"، وهي تشعر بضيقٍ في صدرها.

"أعلم أنني قد أكون مخطئاً في بعض الأمور،" تابع "أحمد". "ولكن، لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية ما قد يحدث إذا لم أتوقف عنهم. لقد قررت أن أتخذ إجراءً. إجراءً قد يكون خطيراً، ولكنه ضروري."

"ما هو هذا الإجراء؟" تساءلت "فرح"، وهي تتوقع الأسوأ.

"لقد قررت أن أبلغ السلطات. لقد جمعت كل الأدلة الممكنة. إذا حدث لي شيء، فلتكن هذه المذكرات هي دليلك. فلتكن هذه الرسائل هي شاهدك. لا تدعي أحداً يخدعك، يا ابنتي. لا تدعي الظلام ينتصر."

"يا إلهي..." انخرطت "فرح" في بكاءٍ صامت. كانت تتخيل والدها، في لحظاته الأخيرة، وهو يحاول حمايتها، وهو يعطيها هذه الأسرار.

"لقد حاولت أن أحميكِ، يا فرح. لقد حاولت أن أبني لكِ عالماً أفضل. ولكن، يبدو أن العالم أكبر وأكثر تعقيداً مما كنت أتخيل."

"يا أبي، لو كنت أعرف..."

ثم، في الصفحة الأخيرة من المذكرات، كتبت عبارةٌ واحدةٌ بخطٍ بالكاد يمكن قراءته:

"سامي... ليس اسمه الحقيقي."

"ماذا؟" تنهدت "فرح". "ليس اسمه الحقيقي؟"

"إذاً، من هو "سامي"؟ ومن هو هذا الشخص الذي خدع أبي؟"

شعرت "فرح" وكأنها دخلت في متاهةٍ لا نهاية لها. كلما اكتشفت شيئاً، كان يفتح باباً لأسئلةٍ أكثر. كانت والدها عالماً من الألغاز، وكان عليها أن تفككها، مهما كانت النتائج.

خرجت "فرح" من المكتب السري، حاملةً المذكرات، والصندوق المعدني، والقرص الصلب. كانت الشمس قد بدأت بالغروب، تلقي بظلالها الطويلة على المدينة. شعرت بأنها لم تعد "فرح" التي كانت تعرفها. لقد أصبحت "فرح" التي تحمل عبء أسرار والدها.

"ماذا أفعل الآن؟" تساءلت، وهي تتجه نحو سيارتها. "إلى أين أذهب؟ مع من أتحدث؟"

لم يكن لديها أحدٌ تثق به تماماً. فوالدها، الذي كان يبدو كشخصٍ واحد، قد كشف عن وجوهٍ متعددة.

"لا تدعي الظلام ينتصر."

ترددت كلمات والدها في أذنيها. كانت هذه كلماته الأخيرة، ووصيته. وعليها أن تفي بها.

نظرت إلى السماء، وبدأت تتساءل: هل كان والدها حقاً ضحية؟ أم أنه كان جزءاً من اللعبة؟

لم تكن تعرف الإجابة، لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: رحلتها قد بدأت للتو. رحلةٌ مليئةٌ بالمخاطر، والبحث عن الحقيقة، والبحث عن العدل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%