قلبي في يديك الجزء الثاني
وحشة الغياب وصخب الأفكار
بقلم فاطمة النجار
عادت "فرح" إلى منزلها، والقلب مثقل، والعقل يتخبط في دوامةٍ من الأفكار. وضعت المذكرات، والصندوق، والقرص الصلب على طاولةٍ في غرفتها، وبدت كأنها وحشٌ صغيرٌ يحاول أن يفهم عالماً كبيراً. حاولت أن تجمع أطراف القصة، ولكن الخيوط كانت متشابكةً أكثر فأكثر.
" سامي، ليس اسمه الحقيقي." هذه الكلمات كانت تدور في رأسها كصدىً صامت. لو كان "سامي" مجرد اسمٍ مستعار، فمن هو هذا الشخص؟ ولماذا اختبأ خلف هذا الاسم؟ وهل كان "سامي" هو الشخص الوحيد الذي خان والدها، أم أن هناك آخرين؟
لم تستطع أن تنسى خوف والدها في رسالته الأخيرة، في مذكراته. الخوف من شخصٍ يسعى لإيقافه، شخصٍ قد يتسبب في الأذى. من هو هذا الشخص؟ وما مدى خطورته؟
"يا رب، أرشدني." رفعت يديها بالدعاء، وهي تشعر بالوحشة تغمرها. كانت قد فقدت والدها منذ سنوات، ولكنها الآن، تشعر وكأنها فقدته مرةً أخرى، ولكن هذه المرة، فقدت الوجه الذي كانت تعرفه، ووجدت وراءه وجهاً آخر، مظلماً.
تذكرت كيف كانت تتحدث مع والدها عن أحلامها، وعن طموحاتها. كيف كان يستمع إليها بصبر، ويشجعها. كيف كان يعدها بمستقبلٍ مشرق. الآن، أدركت أن هذا المستقبل المشرق كان يحمل في طياته ظلالاً لم تكن تعرفها.
"هل كان أبي يخطط لشيءٍ سيء؟" هذا السؤال كان يخترقها كالسهم. "هل كان متورطاً في شيءٍ لا ينبغي له أن يكون فيه؟"
جلست على طرف السرير، وحاولت أن تتنفس بعمق. كانت تتذكر جدتها، الحاجة أمينة. جدتها التي تحمل الحكمة، والصبر. ربما تستطيع أن تخبرها، ولكنها كانت تخشى أن تخبرها بكل شيء. كانت تخشى أن تزيد من قلقها، وأن تكشف لها حقيقةً قد تكون مؤلمة.
"ولكن، ما هي جدوى اكتشاف كل هذا إذا لم أفعل شيئاً؟" فكرت. "إذا لم أستطع أن أحقق العدل لوالدي؟"
ذهبت إلى الكمبيوتر، وبدأت تبحث عن "سامي". لم تجد شيئاً محدداً. لا يوجد شخصٌ بهذا الاسم، كان له علاقةٌ بمشاريعَ كبيرة، أو أعمالٍ مشبوهة. ولكن، عندما بدأت تبحث عن "المشروع: الأمل"، ظهرت بعض النتائج. كانت هناك بعض الأخبار القديمة، عن مشروعٍ طموحٍ بدأ في المدينة، ولكن لم تكتمل تفاصيله. وكانت هناك إشاراتٌ إلى بعض الشركاء، الذين اختفوا من الساحة فجأة.
"هذا يعني أن هناك أشخاصاً آخرين متورطين،" قالت "فرح". "وأنه لم يكن "سامي" وحده."
"لقد قرأت في مذكراته أن "سامي" كان يعمل معهم. هذا يعني أنه كان خائناً، وليس مجرد شخصٍ ضحية."
هذا الاستنتاج جعل قلبها يشعر بالبرد. كانت قد تعاطفت مع والدها، مع ما شعر به من خداع. ولكن، إذا كان "سامي" هو الخائن، فمن هو الذي استغل "سامي"؟ ومن هو الذي كان يسعى والدها لكشفه؟
"سامي، ليس اسمه الحقيقي."
بدأت "فرح" تبحث عن أي شخصٍ له علاقةٌ بـ"المشروع: الأمل"، وكان له اسمٌ آخر. بحثت عن سجلاتٍ قديمة، عن تقاريرَ مالية، عن أي شيءٍ قد يدل على تغييرٍ في الهوية.
وبينما هي تبحث، وقعت عينها على اسمٍ غريب، ورد في أحد التقارير القديمة. اسمٌ لم يكن يذكر كثيراً، ولكنه كان مرتبطاً بإحدى الشركات التي كانت جزءاً من "المشروع: الأمل". كان الاسم: "الدكتور فؤاد".
"الدكتور فؤاد..." همست "فرح". "لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
"ولكن، من هو؟"
ذهبت إلى محرك البحث، وبدأت تبحث عن "الدكتور فؤاد" في سياق "المشروع: الأمل". لم تجد شيئاً محدداً. ولكن، عندما بدأت تبحث عن "الدكتور فؤاد" بشكلٍ عام، ظهرت بعض المعلومات. كان طبيباً، متخصصاً في علم النفس، وكان له كتاباتٌ عن السلوك البشري، وعن التأثير.
"علم نفس؟" تساءلت "فرح". "وما علاقته بمشروعٍ هندسي؟"
"ربما كان له دورٌ في الجانب الاجتماعي للمشروع؟"
"ولكن، كيف يرتبط هذا بـ"سامي"؟"
"وهل "الدكتور فؤاد" هو الشخص الذي كان والدها يخاف منه؟"
لم تكن هذه مجرد أسئلة، بل كانت ألغازاً تتراكم فوق بعضها البعض. شعرت "فرح" بأنها تقف على حافة جبلٍ جليدي، وأن ما تراه هو مجرد قمةٍ صغيرة، بينما الجزء الأكبر منه يكمن تحت الماء.
"يجب أن أجد طريقةً لمعرفة من هو "الدكتور فؤاد" حقاً،" قالت بصوتٍ حازم. "ومن هو "سامي" حقاً."
"والدها كان يحاول أن يحميها. وهذا يعني أن عليها أن تتصرف بحذر. لا يجب أن تظهر لأحدٍ بأنها تعرف شيئاً."
"لكن، كيف أبدأ؟"
نظرت إلى القرص الصلب. "ربما يكون هناك شيءٌ هناك."
وضعت القرص الصلب في الكمبيوتر، وبدأت تتصفح الملفات. كانت هناك رسائلٌ، وصورٌ، وتقارير. ولكن، ما لفت انتباهها، كان وجود ملفٍ واحدٍ غريب. كان اسمه "رمز".
"رمز؟" تساءلت "فرح". "ما معنى هذا؟"
فتحت الملف. كان يحتوي على سلسلةٍ من الأرقام، والحروف، والرموز الغريبة. بدت كشفرةٍ لا يمكن فهمها.
"هل هذا هو لغزٌ آخر؟"
"هل يمكن أن يكون هذا هو مفتاح كل شيء؟"
"يا أبي، ماذا تركت لي؟"
شعرت "فرح" بأنها بدأت تفقد السيطرة. كانت الأفكار تتصارع في عقلها. هل كانت على الطريق الصحيح؟ أم أنها كانت تسير في اتجاهٍ خاطئ؟
"لا يمكنني أن أستسلم الآن." قالت لنفسها. "لقد بدأ والدي رحلته. وعليّ أن أكملها."
"ولكن، كيف؟"
"أحتاج إلى مساعدة."
"ولكن، من؟"
"لا أحد."
"سأقوم بهذا بنفسي."
"ولكن، كيف؟"
"سأحاول فهم هذا الرمز."
"وسأحاول معرفة من هو "الدكتور فؤاد"، ومن هو "سامي"."
"وسأحقق العدل لوالدي."
"مهما كان الثمن."
جلست "فرح" أمام الكمبيوتر، وبدأت تحاول فك شيفرة الرمز. كانت تعرف أن هذا الطريق لن يكون سهلاً. ولكنه الطريق الوحيد الذي تراه أمامها. الطريق الذي اختاره والدها، والذي أصبح الآن طريقها.