قلبي في يديك الجزء الثاني

ظلال الماضي تلوح في الأفق

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر الغرفة، مرسمةً خطوطاً ذهبية على الأرضية الخشبية، لكنها لم تبلغ برد الليل الذي استقر في قلب عائشة. استيقظت قبل أذان الفجر، وجسدها ما زال يحمل ثقل الوساوس والقلق. أمسكت بقلادتها الفضية، تلك التي أهداها إياها والدها قبل سنوات، وشعرت ببرودتها تتسرب إلى أطراف أصابعها. كانت كلما اشتدت وطأة الحنين أو اضطراب الأفكار، تلمسها لتستعيد دفء الذكريات، لكن اليوم، بدت كقطعة جليد لا تذوب.

في الخارج، كانت المدينة لا تزال تغط في نومها، ولكن عائشة شعرت وكأن كل صخبها قادمٌ ليغمرها. تذكرت كلمات جدها، الشيخ أحمد، وهو يحدثها عن "فتنة الدنيا" وكيف أن القلب ضعيف أمام إغراءاتها. الآن، تدرك عائشة معنى كلماته. لم تكن فتنة الدنيا هي المال أو السلطان، بل كانت تلك الرغبة الملحة، الدافع الخفي الذي يدفعها للبحث عن شيءٍ مفقود، شيءٍ تظن أنه سيملأ فراغاً في روحها.

نهضت من فراشها بخفة، متجنبةً إيقاظ أختها الصغيرة، زينب، التي كانت تنام بعمق بجوارها. توجهت نحو خزانة ملابسها، وبدأت تبحث بتركيز. لم تكن تبحث عن ثيابٍ مناسبة ليومٍ جديد، بل عن شيءٍ آخر، ذكرى غامضة بدأت تتكشف في زوايا ذاكرتها. تذكرت صندوقاً قديماً، احتفظت به والدتها لأغراضٍ عزيزة، كانت تخشى أن تتلف. صندوقٌ وضعت فيه أموراً شخصية، وربما... وربما كان يحتوي على ما تبحث عنه.

قلبت الأرفف، ومرت يداها على الأقمشة الناعمة، والعباءات التي كانت ترتديها والدتها. لم يكن الصندوق هنا. شعرت بإحباطٍ يتصاعد، لكنها لم تستسلم. ثم، وفي أقصى رفٍ، بين بقايا لفائف ورقية وأشياء نسيتها، لمحت زاوية الصندوق الخشبية المنحوتة. قلبها بدأ يخفق بقوة.

سحبته بحذر. كان الغبار يكسوه، وكأنه لم يُمس منذ زمن. وضعت الصندوق على سريرها، وأسندت ظهرها إلى الوسائد. أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الغطاء ببطء. عبقٌ خفيف من عطر الياسمين القديم، كان لا يزال عالقاً بالداخل، ذكرها برائحة والدتها.

لم يكن هناك الكثير. بضع رسائل قديمة، وصورةٌ باهتة لوالدتها وهي شابة، وبعض الخرز الملون. لكن في قاع الصندوق، تحت طبقة من القماش المخملي البالي، وجدت شيئاً صغيراً، مغلفاً بورقةٍ شفافة. كان قلماً. قلماً قديماً، فضياً، بلمساتٍ ذهبية، وعلى طرفه قطعةٌ حجرية زرقاء اللون. لم يكن قلماً عادياً. كان قلماً فريداً، يتذكرها.

أمسكته عائشة بيدٍ مرتعشة. كانت تعرف هذا القلم. كانت ترى والدتها تستخدمه في كتابة خواطرها، وفي رسم بعض الرسومات الصغيرة. لكن ما لم تعرفه هو أنه كان يحمل سراً. وبمجرد أن لمسته، شعرت بانجذابٍ غريب، وكأن القلم ينبض بالحياة بين أناملها.

تذكرت محادثةً أجرتها مع خالها، السيد خالد، عندما كانا يتحدثان عن هوايات والدتها. كان خالها يصفها بأنها "حالمة"، وأنها كانت تكتب أحياناً "كلماتٍ تجول في الخيال". لم تفهم عائشة حينها ما كان يعنيه تماماً.

فتحت غطاء القلم، وبدأت الأصابع تبحث عن أي أثر للحبر. لكن لم يكن هناك حبر. كان شيئاً آخر. بدأت تمرر طرف القلم على الورقة الشفافة التي كانت تغلفه. وبمجرد أن لامست الورقة، بدأت حروفٌ تتكون. حروفٌ مضيئة، بلونٍ أزرق سماوي، تتراقص وتتلألأ، وكأنها وليدة النجوم.

"نورُ الروحِ لا يخبو، مهما غطى سماءَ القلبِ ليلٌ."

قرأت عائشة الكلمات بصوتٍ خافت، يكاد يكون همساً. كانت كلماتٍ جميلة، عميقة، ومؤلمة في آنٍ واحد. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن هذا مجرد قلم، بل كان بوابةً إلى عالمٍ آخر. عالمٌ كانت والدتها قد أتقنته، أو ربما ورثته.

وضعت القلم جانباً، وقلبها يضج. هل كان هذا هو ما تبحث عنه؟ هذا الدافع الغامض الذي كان يشدها؟ هذه الرغبة في اكتشاف شيءٍ خفي؟ كانت والدتها، بعيداً عن عيونهم، تحمل سراً، سراً متعلقاً بهذا القلم، وبهذه الكلمات التي تظهر من العدم.

بدأت تفتش في بقية محتويات الصندوق بجدية أكبر. لم تعد تبحث عن ذكرى، بل عن مفتاح. وجدت ورقةً مطوية بعناية، لم تكن ورقةً عادية. كانت عليها رسوماتٌ هندسية معقدة، ورموزٌ غريبة. وعندما وضعت القلم بالقرب منها، بدأت الرموز تتوهج هي الأخرى، متجاوبةً مع سحر القلم.

ارتعشت يداها. هذا أعمق مما تخيلت. كان الأمر يتعلق بوالدتها، وبهذا القلم، وربما بشيءٍ أبعد من ذلك. لم تكن مجرد رسومات، بل كانت خريطة. خريطةٌ تشير إلى مكانٍ ما، إلى كنزٍ من الأسرار.

ماذا لو كانت هذه هي "الفتنة" التي حذر منها جدها؟ لم تكن رغبةً دنيوية، بل كانت شغفاً مجهولاً، تعطشاً لمعرفة أعمق. كانت عائشة دائماً تشعر بأنها مختلفة، وأن لديها قدراتٍ كامنة لم تكتشفها بعد. والآن، يبدو أن هذا القلم هو مفتاح تلك القدرات.

لكن مع هذا الاكتشاف، جاءت رعشةٌ أخرى من القلق. إذا كانت والدتها تمتلك هذه القدرات، فلماذا لم تخبرها؟ ولماذا تركت هذه الأشياء مخبأة؟ هل كانت تخاف عليها؟ أم كانت تخاف من شيءٍ آخر؟

انتهى الوقت. أشرقت الشمس تماماً، وبدأت أصوات المنزل تستيقظ. سمعت صوت والدتها وهي تناديها. وضعت عائشة كل شيءٍ في الصندوق بسرعة، وأعادته إلى مكانه. أغلقت الستائر، محاولةً إخفاء نور الشمس الذي بدا الآن باهتاً مقارنةً بالنور الذي شع من القلم.

ارتدت ملابسها، ودخلت المطبخ حيث كانت والدتها تعد الفطور. ابتسمت لها ابتسامةً خفيفة، لكن عينيها كانتا تخفيان عالماً من الأفكار والمشاعر الجديدة.

"صباح الخير يا ابنتي، هل نمتِ جيداً؟" سألت والدتها، وهي تضع طبقاً من التمر أمامها. "صباح النور يا أمي، نعم، الحمد لله. كنت أفكر في أمرٍ ما." أجابت عائشة، محاولةً أن تبدو طبيعية. "وما هو هذا الأمر الذي يشغل تفكيرك في هذا الصباح الباكر؟" سألت والدتها، وهي تضع كوباً من الشاي. "لا شيء مهم يا أمي، فقط... بعض الذكريات." قالت عائشة، وعينيها تلتقيان بعيني والدتها للحظة. شعرت بأن والدتها كانت تبحث عن شيءٍ في نظراتها، شيءٌ لم تستطع فهمه.

قضت بقية الصباح في التفكير. هذا القلم، وهذه الرسومات، وهذا الشعور الغريب بالانجذاب. هل كان هذا هو السبب الحقيقي وراء اضطرابها؟ أم أن هناك سبباً آخر، أعمق، أشد خطورة؟

كانت تعرف أن هذا الاكتشاف سيغير كل شيء. لم تعد مجرد فتاةٍ شابة تبحث عن الحب والزواج، بل أصبحت حاملةً لسرٍ عائلي، سرٍ قد يكون خطيراً. بدأت تشعر وكأنها تسير على حافة هاوية، لكنها كانت مدفوعةً بشغفٍ لا يقاوم للمعرفة، لرؤية ما يختبئ وراء الستار.

نظرت نحو النافذة، وشاهدت حركة الناس في الشارع. لم يعد العالم يبدو كما كان. لقد اكتشفت أن هناك طبقاتٍ خفية، قوانين أخرى تحكم الكون، وأن والدتها، هذه المرأة الهادئة الرقيقة، كانت تمتلك مفتاحاً لعالمٍ مجهول.

وفي أعماق قلبها، شعرت بإثارةٍ ممزوجةٍ بالخوف. كانت هذه بداية رحلةٍ جديدة، رحلةٌ ستكشف لها حقيقة نفسها، وحقيقة من حولها. والآن، لم يعد بإمكانها التوقف. لقد فتحت صندوق الذكريات، ووجدته مليئاً بالأسرار، وأكثرها إثارةً هو ذلك القلم الذي يضيء في الظلام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%