قلبي في يديك الجزء الثاني

الشرخ يتسع في جدار الثقة

بقلم فاطمة النجار

عاد أحمد من عمله مرهقاً، لكنه كان يحمل في عينيه بريقاً خاصاً. كانت أخبار نجاح مشروعه الجديد قد وصلت إليه، وبلغت الآفاق، مما جعل قلبه يغمره شعورٌ بالرضا والفخر. كان قد بذل جهداً خارقاً، وتحدى الكثير من العقبات، والآن، بدأت ثمار تعبه تظهر.

لكنه، وعلى الرغم من انتصاره، شعر بنوعٍ من الفراغ. كان يفتقد وجود عائشة. لقد مرت أيامٌ منذ آخر لقاءٍ لهما، وتأثير غيابها بدأ يظهر في تفاصيل حياته. كانت صورتهما معاً، وهو يمسك بيدها عند نافورة الحديقة، لا تفارق مخيلته. كان يشعر وكأن شيئاً ثميناً قد انتُزع منه.

بحث عن هاتفه، وأرسل لها رسالةً قصيرة: "أتمنى أن تكوني بخير. افتقدكِ كثيراً." لم يمر وقتٌ طويل قبل أن تصل إليه رسالةٌ منها: "أنا بخير، الحمد لله. وأنا أيضاً افتقدك."

كلمتان بسيطتان، لكنهما كانتا بمثابة بلسمٍ لروحه. كان يعلم أن علاقتهما تسير في الطريق الصحيح، طريق الزواج والحياة المشتركة، لكنه كان يشعر بالقلق بشأن عائلة عائشة. خاصةً جدها، الشيخ أحمد. كان يعرف أنه رجلٌ ذو مبادئ صارمة، وأن رأيه له ثقلٌ كبير.

"لقد تحدثت مع والدتكِ اليوم، يا أحمد،" قالت والدته، وهي تقدم له كوباً من الشاي بالنعناع. "سألتني عن رأيي في زواجكِ من عائشة." رفع أحمد رأسه، وعيناه تتسعان بترقب. "وماذا قلتِ لها يا أمي؟" "قلت لها أنني سعيدةٌ جداً بهذا الارتباط، وأن عائشة فتاةٌ طيبةٌ وصالحة، وأنك لن تجد أفضل منها." ابتسم أحمد ابتسامةً واسعة. "شكراً لكِ يا أمي. هذا يعني لي الكثير." "لكن،" قالت والدته، وصوتها أصبح أكثر جدية، "لقد ذكرت لي أيضاً أن الشيخ أحمد لا يزال لديه بعض التحفظات."

تلاشى الابتسام من على وجه أحمد. "تحفظات؟ ما هي هذه التحفظات؟" "لقد أخبرتني والدتكِ أن الشيخ أحمد يريد أن يتأكد من أنك تفهم مسؤوليات الزواج، وأنك قادرٌ على توفير حياةٍ كريمةٍ لعائشة. إنه يريد أن يتأكد من أنك لست مندفعاً، وأنك تفكر بعمقٍ في المستقبل." شعر أحمد ببعض الإحباط. كان يعتقد أن كل شيءٍ قد تم. "لكنني أعمل بجد، ولدي خططٌ واضحة لمستقبلي." "أعلم ذلك يا بني. لكن الشيخ أحمد يهتم بمسألة التوافق الروحي والفكري أكثر. لقد ذكر أن عائشة فتاةٌ تتمتع بوعيٍ دينيٍ وثقافيٍ عميق، ويريد أن يتأكد من أنك على نفس المستوى."

تنهد أحمد. كان يعلم أن الشيخ أحمد كان رجلاً قديماً، وأن لديه رؤيةً معينة للزواج. لكنه كان يشعر وكأن هذا هو مجرد اختبارٍ آخر. لم يكن يريد أن يظهر كشخصٍ غير كفء، أو غير واعٍ.

"سأتحدث مع جدها قريباً،" قال أحمد بحزم. "سأوضح له خططي، وسأبين له مدى جديتي في هذا الارتباط." "أتمنى ذلك يا بني. والدتكِ قالت أيضاً أن عائشة قد بدأت تشعر ببعض الضغوط." "ضغوط؟ ما نوع هذه الضغوط؟" سأل أحمد بقلق. "إنها تشعر بأن هناك شيئاً غامضاً يحدث معها. لقد أصبحت أكثر انعزالاً، وأقل حيوية. تقول أن هناك أفكاراً غريبة تدور في رأسها، وأنها لا تستطيع مشاركتها مع أحد."

شعر أحمد بوخزةٍ في قلبه. هل كان هذا بسبب علاقتهما؟ هل كانت عائلته تضع عليها الكثير من الضغط؟ كان يعرف أن عائشة فتاةٌ حساسة، وأنها تتأثر بما يدور حولها.

في غضون ذلك، كانت عائشة تعيش صراعاً داخلياً مريراً. بعد اكتشافها لصندوق والدتها، لم تعد قادرةً على التركيز على أي شيءٍ آخر. كانت تقضي ساعاتٍ في محاولة فهم الرسومات والرموز الغريبة. شعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍ عظيم، لكنها كانت في نفس الوقت تخشى ما قد تجده.

كانت تراقب تصرفات والدتها بعينٍ فاحصة. كانت تبدو هادئةً كعادتها، لكن عائشة بدأت ترى لمحاتٍ من القلق في عينيها. هل كانت والدتها تعرف عن القلم؟ هل كانت تعرف عن أسرارها؟

وذات مساء، بينما كانت عائشة تجلس في غرفتها، تتأمل القلم الأزرق المضيء، قررت أن تسأل والدتها مباشرة. "أمي،" قالت، وهي تحاول أن تبدو طبيعية، "هل كنتِ تعرفين أن والدتي كانت تحتفظ بصندوقٍ سري؟" رفعت والدتها رأسها عن كتابها، ونظرت إليها بذهول. "صندوق سري؟ أي صندوق؟" "صندوقٌ صغير، خشبي، وجدتُه في خزانة ملابسها. لقد وجدتُ فيه بعض الأشياء القديمة." صمتت والدتها للحظة، وكان وجهها شاحباً. "لا أتذكر شيئاً كهذا." شعرت عائشة بأن والدتها تخفي عنها شيئاً. "لكن أمي، لقد وجدتُ فيه قلماً غريباً، كان يضيء في الظلام." اتسعت عينا والدتها. "يضيء؟" "نعم. وكان معه بعض الرسومات الغريبة."

لم تستطع والدتها إخفاء ارتباكها. بدأت تفرك يديها بتوتر. "عائشة، ربما أنتِ متعبة. ربما الخيال يخدعكِ." "لا يا أمي، أنا متأكدة. هذا القلم حقيقي، والرسومات حقيقية." "ربما كانت مجرد أشياء قديمة، يا ابنتي. والدتكِ كانت تحب الأشياء الغريبة والفنية." "لكن هذا القلم كان له تأثيرٌ غريب عليّ. شعرت وكأنني أفهم شيئاً لا أفهمه." صمتت والدتها مرةً أخرى، ثم قالت بصوتٍ مرتجف: "عائشة، أرجوكِ، حاولي أن تنسي أمر هذا الصندوق. إنه الماضي، والماضي يجب أن يبقى مدفوناً."

شعرت عائشة بخيبة أملٍ عميقة. لقد أغلقت والدتها الباب أمامها. هذا يعني أن الأمر أكبر مما كانت تتخيل. وأن هذا السر لا يتعلق فقط بوالدتها، بل بعائلتها كلها.

في اليوم التالي، وبينما كانت عائشة تتحدث مع صديقتها المقربة، سارة، شعرت بأن شيئاً ما في عالمها يتغير. كانت سارة، دائماً، مصدر قوتها ودعمها، لكن الآن، بدأت تشعر بأنها لا تستطيع مشاركتها كل شيء.

"ما بكِ يا عائشة؟" سألت سارة، وهي تلاحظ نظراتها الشرود. "تبدين شاردة الذهن منذ أيام." "لا شيء يا سارة، فقط... بعض الأمور العائلية." "إذا كنتِ تحتاجين للتحدث، فأنا هنا." نظرت عائشة إلى سارة، وشعرت برغبةٍ في البوح، لكنها تذكرت كلمات والدتها. "الماضي يجب أن يبقى مدفوناً."

في المساء، قرر أحمد أن يزور الشيخ أحمد. كان متوتراً، لكنه كان مصمماً. وجد الشيخ أحمد جالساً في حديقته، يقرأ في كتابٍ قديم. "السلام عليكم يا عمي،" قال أحمد. "وعليكم السلام يا أحمد. تفضل بالجلوس." جلس أحمد، وبدأ يتحدث. روى له خططه المستقبلية، وعمله، ومدى حبه لعائشة.

استمع الشيخ أحمد بصبر، ثم قال: "يا بني، أنا لا أشُك في نواياك، ولا في جديتك. لكن الزواج ليس مجرد ارتباطٍ عاطفي. إنه ميثاقٌ مقدس، يجمع أسرتين، وروحين. وأنا أرى في عائشة فتاةً تتمتع بوعيٍ روحيٍ عميق، لا أرى مثله في الكثيرين. أريد أن أتأكد من أنك على مستوى هذه الروح."

شعر أحمد بالضيق. "يا عمي، أنا أحاول دائماً أن أكون على قدر المسؤولية. وأنا أحب عائشة، وأريد أن أجعلها سعيدة." "الحب وحده لا يكفي يا أحمد. العقل السليم، والقلب الواعي، والفهم العميق للدين والحياة، هذه هي الأسس التي يبنى عليها بيتٌ سعيد." "ولكن كيف يمكنني أن أثبت لك ذلك؟" سأل أحمد. "بإظهار أنك تفهم ما أقصده. بإظهار أنك تفهم أن عائشة ليست مجرد فتاةٍ جميلة، بل هي روحٌ تسعى للمعرفة، وتسعى للسمو. أريد أن أرى أنك تقدر هذه الصفات، وأنك ستسعى لرعايتها، وليس فقط تلبية رغباتها الدنيوية."

شعر أحمد بأن هناك حاجزاً غير مرئي بينه وبين الشيخ أحمد. لقد كان يتحدث بلغة، والشيخ أحمد يتحدث بلغة أخرى. كانت لديهما مفاهيم مختلفة عن الحب، والزواج، وعن روح الإنسان.

انتهت الزيارة دون الوصول إلى نتيجةٍ حاسمة. غادر أحمد والشيخ أحمد يشعران بالفتور. كانت الثقة تتصدع، والشكوك تتزايد. شعر أحمد بأن وضعه مع عائشة أصبح أكثر تعقيداً. وأن عليه أن يفعل شيئاً ليثبت نفسه، ليس فقط كزوجٍ محتمل، بل كشخصٍ يفهم روح عائشة، روحٌ بدأت تتغير، وأصبحت تحمل أسراراً لم يعد يفهمها أحد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%