قلبي في يديك الجزء الثاني
صدى الأسرار في أروقة العائلة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام تمر ثقيلةً على عائشة. كلما حاولت تجاهل أمر القلم والصندوق، عادت الذكريات والأسئلة لتغزوها. بدأت ترى أحلاماً غريبة، ألواناً تتداخل، وأصواتاً خافتة تناديها. كانت تشعر وكأنها تتحرك في عالمٍ مزدوج، عالمٌ حاضرٌ وواقعي، وآخرٌ غامضٌ وسري.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب بعض الأغراض القديمة في علية المنزل، وجدت صندوقاً آخر. كان أصغر من صندوق والدتها، ومغطىً بقماشٍ منقوشٍ بالزهور. كان يبدو قديماً جداً، وكأن الزمن قد تخلى عنه. "ما هذا يا أمي؟" سألت عائشة، مشيرةً إلى الصندوق. نظرت والدتها إليه، وعلى وجهها ارتسمت علاماتٌ من الحزن والتردد. "هذا... هذا كان صندوق جدتكِ، رحمها الله." "جدتي؟ أم أم أبي؟" "نعم. لقد احتفظت به لأشياءٍ عزيزةٍ عليها." شعرت عائشة بفضولٍ يتزايد. هل كانت جدتها أيضاً تحمل أسراراً؟ هل كانت هذه القدرات، أو هذا "السحر"، ينتقل عبر الأجيال؟
فتحت والدتها الصندوق ببطء. لم يكن يحتوي على الكثير. بضع صورٍ قديمة، ورسالةٌ مطوية، وقلادةٌ فضيةٌ بسيطة. لكن ما لفت انتباه عائشة هو قطعةٌ قماشٍ صغيرة، تبدو كوشاحٍ، مطرزةٌ برموزٍ غريبة، تشبه إلى حدٍ كبير الرموز التي وجدتها في صندوق والدتها. "ما هذه الرموز يا أمي؟" سألت عائشة، مشيرةً إلى الوشاح. ترددت والدتها. "لا أعرف يا ابنتي. ربما كانت مجرد نقوشٍ فنية." "لكنها تشبه تلك التي وجدتها في صندوق أمي." تنهدت والدتها، ونظرت إلى عائشة نظرةً حزينة. "عائشة، بعض الأمور من الماضي يجب أن تظل في الماضي. إنها قد تكون خطيرة." "لكنني أشعر بأن هذا مرتبطٌ بأمي. وأنا أريد أن أعرف." "أعلم يا حبيبتي، وأتفهم ذلك. لكن والدتكِ لم تكن تود أن تراكي في ورطة. لقد كانت تحب أن تحميكم."
بدأت عائشة تشعر بالضيق. كانت كلما اقتربت من الحقيقة، أُغلقت الأبواب أمامها. بدأت تشك في أن الجميع، والدتها، جدها، وحتى أحمد، كانوا يخفون عنها شيئاً.
في تلك الليلة، وبينما كانت عائشة تتأمل الوشاح المطرز، أمسكت بالقلم الأزرق المضيء. ووضعت طرف القلم على الوشاح. بدأت الرموز تتوهج هي الأخرى، وكأنها تستجيب لسحر القلم. بدأت تتكون كلماتٌ جديدة، تتراقص على الوشاح. "حيثُ النورُ يبدأُ، هناكَ الخطرُ يكمنُ." "الروحُ هيَ المفتاحُ، والعقلُ هوَ السجانُ."
كانت كلماتٍ غامضة، لكنها بدت وكأنها تجيب على بعض أسئلتها. الروح هي المفتاح؟ ما معنى ذلك؟ وهل كانت روحها هي المفتاح؟
تذكرت محادثةً لها مع أحمد قبل بضعة أيام. كان يتحدث عن خططه المستقبلية، عن تطلعاته. وكانت عائشة تستمع، لكن عقلها كان مشغولاً بأمورٍ أخرى. شعرت بأنها لم تكن على نفس الموجة معه.
"أحمد،" قالت، "هل تؤمن بوجود قوى خفية في الكون؟" نظر إليها أحمد بتفاجؤ. "قوى خفية؟ ماذا تقصدين؟" "يعني... طاقات، أو أشياء لا يمكن تفسيرها بالعلم." ابتسم أحمد. "عائشة، أنا أؤمن بما أراه وألمسه. وبما يمكنني إثباته. أنا أؤمن بالعقل والعمل الجاد." "ولكن ماذا لو كان هناك ما هو أبعد من ذلك؟" "ربما، لكنني لا أرى دليلاً على ذلك." شعر أحمد بأن هناك شيئاً يحدث لعائشة. لقد بدأت تتحدث بطريقةٍ مختلفة.
عادت عائشة إلى صندوق والدتها. كانت قد قرأت الرسائل مرةً، لكنها أرادت أن تقرأها مرةً أخرى. وبينما كانت تقرأ، وجدت ورقةً مخبأةً في طيات إحدى الرسائل. كانت مكتوبةً بخط يد والدتها، ولكن بحبرٍ سائل، وليس بالقلم المضيء. "عائشة ابنتي الغالية، إذا كنتِ تقرئين هذه الورقة، فهذا يعني أنكِ اكتشفتِ سرنا. سر عائلتنا. لا تخافي يا ابنتي. هذه القدرة، هذه الروح، ليست لعنة، بل هي هدية. هديةٌ من الله، لمن اختارهم. ولكن، هذه الهدية تأتي مع مسؤوليات. يجب أن تتعلمي كيف تتحكمين بها، وكيف تستخدمينها للخير. هناك قوى مظلمة تسعى لاستغلالها. وعليكي أن تكوني قويةً، واعيةً، وحذرة. لا تثقي بسهولة. اطلبي العلم، واطلبي الحكمة. ولا تنسي أبداً أن الله هو المالك المطلق لكل شيء. والدتكِ."
شعرت عائشة بدموعٍ تنهمر على خديها. لقد فهمت الآن. لم يكن الأمر مجرد خيال، ولم تكن مجرد وسوسة. كانت هذه قدرةً حقيقية، ورثتها عن والدتها، وربما عن جدتها.
لكن مع هذا الفهم، زادت المخاوف. قوى مظلمة؟ من هي هذه القوى؟ وكيف يمكنها أن تحمي نفسها؟
قررت عائشة أن تسعى للحصول على مزيدٍ من المعلومات. ذهبت إلى مكتبة الجامعة، وبدأت تبحث عن كتبٍ تتعلق بالأساطير، والفلكلور، والروحانيات. كانت تعرف أنها تسير في طريقٍ مجهول، لكنها كانت مدفوعةً بشغفٍ لا يقاوم.
وفي هذه الأثناء، بدأت تظهر بعض التعقيدات في علاقتها بأحمد. كان أحمد يشعر بأن عائشة تبتعد عنه، وأن هناك شيئاً تخفيه. كان يحاول التحدث إليها، لكنها كانت دائماً تجد عذراً. "عائشة، هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل أحمد في إحدى الليالي، عندما التقيا صدفةً في أحد الأسواق. "نعم، كل شيءٍ بخير، أحمد. فقط... أشعر ببعض الإرهاق." "لكنكِ لا تبدين بخير. صوتكِ يبدو حزيناً، وعيناكِ تبدوان شاردتين." "لا تقلق عليّ، أنا بخير." شعر أحمد بالإحباط. "عائشة، أنا أحبكِ. وأريد أن أكون بجانبكِ، ولكنني أشعر بأن هناك جداراً يفصل بيننا." "لا يوجد جدار يا أحمد. ربما أنتَ تبالغ." "أنا لا أبالغ. ولكنني أشعر بأنكِ لم تعودي تشاركينني كل شيء. وهذا يقلقني."
لم تستطع عائشة أن تشرح له. كيف يمكنها أن تخبره عن القلم المضيء، وعن الرسومات الغامضة، وعن شعورها بأنها تحمل سراً عائلياً خطيراً؟ كان أحمد رجلاً عملياً، واقعياً. قد لا يفهم، وقد يظن أنها فقدت صوابها.
كانت تشعر بأنها تسير في طريقٍ وحيدة. بدأت تدرك أن سعيها لفهم قدراتها قد يعرض علاقتها بأحمد للخطر. لكنها لم تستطع التوقف. لقد وجدت هدفاً جديداً في حياتها، هدفاً يتعلق بماضيها، وبمستقبل عائلتها.
في نهاية الفصل، شعرت عائشة بأنها على وشك اكتشاف شيءٍ كبير. كانت الأسرار تتكشف ببطء، مثل خيوطٍ متشابكة، ووجدت نفسها في قلب شبكةٍ معقدة. لقد أدركت أن ماضي عائلتها لم يكن مجرد ماضٍ، بل كان كنزاً من الأسرار، وربما كان سيفاً ذا حدين.