الفصل 1 / 25

الحب الأول

هدير الموج وصمت القلب

بقلم مريم الحسن

كانت الرمال الدافئة تحت وطأة قدميها تلتهب، فصيف بلاد الساحل لا يعرف الرحمة، والشمس تستعر في كبد السماء كعين حمراء لا تنام. وقفت "لينا" على حافة الشاطئ، تتأمل البحر المتلألئ الذي يمتد كوشاح أزرق لا نهاية له. كانت أمواج البحر تكسر على الشاطئ بضجيجٍ قوي، كأنها تحاول أن تنافس صخب الحياة الذي اعتادت أن تطحن روحها الهشة. أما هي، فكان قلبها ساكناً، يرتعش بصمتٍ عميق، وكأن كل قطرة ماء في هذا المحيط الشاسع لا تستطيع أن تبلل جفافاً استقر في أعماقها.

كانت تلك الأمسية تحمل وعداً بالهدوء، وعداً لطالما اشتاقت إليه. بعد سنواتٍ طويلة قضتها في غياهب العمل الشاق، حيث كانت تتصارع مع أرقامٍ جامحة وأوراقٍ لا تنتهي، قررت أن تهرب. هربت إلى هذه القرية الساحلية الهادئة، قرية جدتها التي لم ترها منذ زمن، قريةٌ تركت فيها كل ذكريات الطفولة البريئة، وكل أحلامٍ عذبةٌ لم تسنح لها فرصة التحقق.

التفتت خلفها، نحو البيت الصغير الملون الذي يعبق برائحة الياسمين وعبق الذكريات. نافذةٌ صغيرةٌ في الطابق العلوي كانت تبعث نوراً ذهبياً خافتاً، تركتها جدتها مفتوحة لتستقبل نسائم الليل العليلة. تخيلت وجه جدتها الطيب، تلك العينين اللتين احتفظتا بالكثير من الحكايات، وتلك اليدين اللتين نسجتا من خيوط الصبر أجمل الأثواب.

"لينا! يا ابنتي! أين أنتِ؟"

نادى صوتٌ أجشٌ ودافئٌ كصوت البحر في هدوءه. التفتت لتجد عمها "الحاج يوسف" يقف عند بداية الشاطئ، يلوح لها بيده الكبيرة. كان الحاج يوسف رجلٌ نبيل، طويل القامة، بملامحٍ نحتتها الأيام لتصبح كخريطةٍ لحياةٍ عاشها بإباءٍ وشرف. ترتسم على وجهه ابتسامةٌ دائمةٌ، ونورٌ إيمانيٌ يغلفه كالهالة.

ابتسمت لينا، وهرعت إليه بخطواتٍ متسارعة، فدفء عائلتها كان دائماً الملجأ الوحيد لها. احتضنها الحاج يوسف بحنانٍ أبوي، وشعر جسدها المرهق بالراحة والأمان.

"أهلاً بعودتك يا ابنتي، لقد افتقدنا ضحكتكِ هنا." قال وهو يمسح على رأسها.

"وأنا افتقدتكم أكثر يا عمي." أجابت بصوتٍ مختنقٍ بالعاطفة.

"جدتكِ تنتظركِ بفارغ الصبر. قالت إنها أعدت لكِ كعكة اللوز التي تحبينها."

ابتسمت لينا، وبدأ الشفق يصبغ السماء بألوانٍ وردية وبرتقالية، تتمازج مع زرقة البحر لتخلق لوحةً فنيةً بديعة. كانت هذه القرية، بكل بساطتها، تحمل جمالاً أصيلاً، جمالاً لم تجده في زحام المدينة وصخبها.

دخلت البيت، فوجدت جدتها "أمينة" جالسةً على كرسيها الخشبي المريح، وفي يدها مسبحةٌ صغيرةٌ تتلو آياتٍ من القرآن بصوتٍ خفيض. ارتسمت على وجهها تجاعيدٌ عميقةٌ، لكن بريق عينيها ظل متوهجاً كالنجم.

"حمداً لله على سلامتكِ يا حبيبتي." قالت بصوتٍ فيه بحةٌ، واحتضنتها بحبٍ كبير.

"سلامتكِ يا جدتي." ردت لينا، وغرقت في رائحة البخور والورد التي تفوح من جدتها.

كانت تلك الليلة بدايةً مختلفة. استعادت لينا أنفاسها، وتنفست عبق التراب وروائح البحر. جلست مع عائلتها، استمعت إلى أحاديثهم الطيبة، وتبادلت معهم الابتسامات الصادقة. شعرت أن أعباء الحياة بدأت تتلاشى، وأن قلباً غدا جافاً بدأ يرتوي بقطراتٍ من السعادة.

بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها. كانت الغرفة كما تركها فيها الزمن، سريرٌ خشبيٌ قديم، نافذةٌ تطل على الشارع المضاء بفوانيسٍ تقليدية، ورفٌ صغيرٌ يعلوه بعض الكتب القديمة. فتحت النافذة، ودخل نسيمٌ لطيفٌ حمل معه رائحة البحر والياسمين. جلست على حافة السرير، وبدأت تفكر.

كانت "لينا" قد تجاوزت عامها الثلاثين، لم تتزوج بعد. لم يكن الأمر اختياراً متعمداً، بل نتيجةً لظروفٍ عصفت بحياتها. انشغالها بالعمل، والمسؤوليات التي تحملتها مبكراً، كلها عوامل جعلتها تؤجل البحث عن شريك الحياة. كان لديها أحلامٌ كبيرة، وأهدافٌ تسعى لتحقيقها، ولم تسمح لأي شيءٍ أن يقف في طريقها. لكن في أعماقها، كان هناك فراغٌ، فراغٌ لم تستطع أرقام العمل ولا صفقات السوق أن تملأه.

تذكرت حديث جدتها قبل سنواتٍ، عندما قالت لها: "يا ابنتي، الدنيا دار اختبار، والحياة مزرعة، وما تزرع اليوم تحصد غداً. لا تشغلكِ الدنيا عن آخرتكِ، ولا تنسي أن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وأن السعادة الحقيقية تكمن في القناعة والرضا."

كانت كلمات جدتها بمثابة بلسمٍ على روحها، ولكن أحياناً، كانت تلك الروح تتوه في زحمة الحياة.

فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً من الخارج. صوت خطواتٍ تقترب من المنزل. انتبهت لينا، وشعرت بفضولٍ غريب. رفعت رأسها، ونظرت نحو النافذة. كان الظلام قد اكتمل، ولم يكن هناك سوى ضوء الفوانيس الخافت.

اقتربت الخطوات من باب المنزل، ثم سمعت همساً. همساً خافتاً، غير مفهوم. قلبها بدأ يخفق بسرعة. هل هو لص؟ هل هناك خطر؟

نهضت من سريرها بحذر، واقتربت من الباب. أمسكت بمقبض الباب، وبدأت تفكر. ماذا لو كان أحداً من أهل القرية؟ ربما أضاع طريقه؟

ترددت للحظة، ثم اتخذت قرارها. لا بد من معرفة مصدر الصوت. بحذرٍ شديد، فتحت الباب قليلاً، وأطلت برأسها.

لم يكن هناك أحد. الشارع كان خالياً، والفوانيس تلقي بظلالها الطويلة على الأرض. شعرت لينا بخيبة أملٍ غريبة. هل سمعت شيئاً لا وجود له؟ هل هي مجرد أوهام؟

أغلقت الباب ببطء، وعادت إلى سريرها. شعرت ببعض الارتباك، ولكنها حاولت أن تتجاهل الأمر. ربما كان صوت رياحٍ أو حيوانٍ تائه.

نظرت إلى السماء من النافذة. كانت النجوم تتلألأ بكثافة، وكأنها جواهرٌ متناثرةٌ على قماشٍ أسود. شعرت ببعض الرهبة أمام هذا الجمال اللامتناهي.

"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك." تمتمت بكلماتٍ خرجت من صميم قلبها، كلماتٌ طالما رددتها في أوقات الضيق والوحدة.

أغمضت عينيها، وحاولت أن تغفو. لكن صورة ذلك الصوت، وذلك الهمس المجهول، ظلت تتردد في ذهنها. كان هناك شيءٌ غريبٌ في هذا المكان، شيءٌ لا تستطيع أن تحدده. شيءٌ جعل قلبها، الذي ظنته قد توقف عن الشعور، يبدأ بالنبض بإيقاعٍ جديد، إيقاعٍ يحمل معه وعداً بمفاجآتٍ لم تكن تتوقعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%