الفصل 13 / 25

الحب الأول

نسيم الذكريات وصخب الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على بساتين الزيتون الشاسعة، ترسم لوحات متغيرة من الضوء والظل على الأرض العطرة. في ركن هادئ من المنزل الكبير، حيث تتسلل نسمات الصباح العليلة محمّلة بعبق الياسمين وزهر الليمون، جلست ليلى. لم تكن وحدها، فظلُّ جدتها الحنون، الحاجة فاطمة، يظلُّها، ويغمر المكان بدفءٍ لا تملك إلا أن تستشعره. كانت ليلى، في الثامنة عشرة من عمرها، قد بلغت أوج نضارتها، وحسنها يفيض كفيضان النهر في الربيع، لكن في عينيها كان هناك ظلٌّ من حيرةٍ وتساؤل، قصةٌ لم تكتمل فصولها بعد.

"هل أنتِ متضايقة يا حبيبتي؟" سألت الحاجة فاطمة بصوتٍ خفيض، تخترقه دقةٌ في الإيقاع، كأنها تقرأ ما في قلب حفيدتها دون أن تنطق به. يدها المجعدة، التي شهدت فصولاً من العمر، لامست شعر ليلى الداكن المنسدل على كتفيها.

ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتة، حاولت أن تخفي ما يعتمل في صدرها. "لا يا جدتي، أنا بخير. فقط أفكر."

"في أي شيءٍ يشغل بالك؟" أصرت الحاجة فاطمة، وعيناها اللتان رأتا عوالم كثيرة، تترقبان ردَّ ابنتها. "هل الأمر يتعلق بالدراسة؟ أم بـ... أحمد؟"

تورد وجه ليلى قليلاً عند ذكر اسم أحمد. كان أحمد، ابن عمها، شاباً وسيماً، خلوقاً، وقد خطبها رسمياً منذ عدة أشهر. كان البيت كله مبتهجاً بهذه الخطوبة، يرون فيها مستقبلاً مشرقاً لليلى، ورابطاً أقوى للعائلة. لكن في قلب ليلى، كان هناك صوتٌ آخر، صوتٌ خافتٌ بدأ يهمس منذ زمنٍ ليس بالبعيد، صوتٌ لم يكن لأحمد.

"أحمد شابٌّ طيب يا جدتي، وهو يحترم العائلة." قالت ليلى، محاولةً أن ترضي ضميرها. "ولكن..."

"ولكن ماذا يا روح جدتك؟" شجعتها الحاجة فاطمة. "الكلام يخرج من القلب، فلا تكتميه."

تنهدت ليلى بعمق، ثم قالت بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً: "أشعر أنني لا أعرف أحمد حقاً. نحتفظ بمسافةٍ دائماً، وأحاديثنا تدور حول أمورٍ سطحية. لا أشعر أننا نتشارك شيئاً حقيقياً، لا أحلامنا، ولا مخاوفنا."

صمتت الحاجة فاطمة للحظة، تفكّر في كلمات حفيدتها. لم تكن غريبةً عن هذه المشاعر، فقد عاشت قصصاً مشابهة، ورأت صراعاتٍ داخليةٍ كثيرة. "الحب يا ليلى، ليس فقط في النظرات الأولى أو الكلمات المعسولة. الحب ينمو، ويتعمق، ويحتاج إلى سقيٍ بالوفاق والتفاهم. ربما لم تتح لكما الفرصة الكافية لتعرفا بعضكما البعض حقاً، خصوصاً وأن أم أحمد، عمتكِ الغالية، كانت دائماً تخشى أن تقتربا كثيراً قبل الزواج، خوفاً من العين أو ربما رغبةً في الحفاظ على صورةٍ مثالية."

"ربما." وافقت ليلى، لكن عينها كانت تبحث عن شيءٍ أعمق. كانت تتذكر لقاءاتها العرضية مع يوسف، ابن عمها الآخر، في مكتبة البلدة، أو عندما كان يمرّ بالبيت لزيارة والدته. يوسف، الذي كان يكبرها بسنتين، كان يختلف عن أحمد. كان يوسف شاعراً مرهف الحس، يتحدث عن الكتب، عن الحياة، عن أحلامه بطريقةٍ تجعل ليلى تشعر بأنها تفهم العالم من خلال عينيه. كانت كلماته تحمل وزناً، ورؤيته للحياة فيها عمقٌ وجمالٌ لا تراهما في غيره.

"هل رأيتِ يوسف مؤخراً؟" سألت الحاجة فاطمة، كأنها تقرأ أفكارها للمرة الثانية.

"رأيته قبل يومين في السوق. كان يبيع بعض كتبه المستعملة." أجابت ليلى، وقلبها يخفق قليلاً. "يبدو أنه يعاني قليلاً."

"يعاني؟" استغربت الحاجة فاطمة. "ولماذا؟ ألم تكن والدته قد فتحت له محلاً صغيراً للكتب؟"

"نعم، لكن المبيعات ليست جيدة. هو يهتم بالكتب النادرة، والناس في بلدتنا يفضلون الكتب التي تجلب لهم ربحاً أو ترفيهاً سريعاً. يوسف لا يريد أن يبيع إلا ما يؤمن به، وما يشعر أنه يحمل رسالة."

"هذا شأنٌ نبيل، لكنه قد يكون صعباً في هذه الأيام." قالت الحاجة فاطمة. "لكنه يوسف، ابن ابن عمنا، له مكانته في قلوبنا. هل تحدثتِ معه؟"

"تحدثت معه قليلاً. بدا متعباً. سألته عن أحواله، وشجعته. لكنه لم يتحدث كثيراً. فقط ابتسم بامتنان."

"يوسف يحمل الكثير في صدره، ولكن قلبه طيبٌ جداً." قالت الحاجة فاطمة، وقد تذكرت والد يوسف، ابن عمها الذي كان شاعراً أيضاً، وجمعت بينهما صداقةٌ متينةٌ منذ الصبا. "ربما يحتاج إلى من يستمع إليه حقاً. هل فكرتِ في زيارته في محله؟ قد تجدين هناك ما يشغلكِ عن همومكِ، وقد تجدين هناك ما يساعده."

شعرت ليلى بدفعةٍ من الحماس. فكرة زيارة يوسف، والتحدث إليه، كانت مغريةً جداً. قد يكون هذا هو الشيء الذي تحتاجه لتمتزج مشاعرها المتضاربة، ولتجد طريقها.

"ربما أذهب غداً يا جدتي." قالت ليلى، وابتسامةٌ حقيقيةٌ بدأت ترتسم على وجهها.

"بارك الله فيكِ يا ابنتي." قالت الحاجة فاطمة، وهي تحتضن حفيدتها. "دائماً اختاري ما يريح قلبكِ، وما يرضي دينكِ. فالحياة قصيرة، والحب الحقيقي لا يُبنى إلا على الأسس الصحيحة."

كانت ليلى تشعر ببعض الراحة بعد حديثها مع جدتها. لكن في داخلها، كان هناك سؤالٌ آخر ينمو، سؤالٌ عن حدود الحب، وعن ما هو مباحٌ وما هو محرم. كانت تعلم جيداً أن علاقتها بأحمد يجب أن تكون واضحةً ومستقيمة، وأن أي علاقةٍ أخرى يجب أن تكون ضمن الإطار الشرعي. لكن مشاعرها تجاه يوسف كانت تبدو بريئةً، نابعةً من إعجابٍ بالروح والأدب. هل هذا كافٍ؟ وهل يمكن لهذا الإعجاب أن يتحول إلى شيءٍ أكبر، شيءٌ حلالٌ ومرضيٌّ لله؟

في تلك الأثناء، كان أحمد في مكتبه، يراجع بعض العقود. كان شاباً طموحاً، ناجحاً في عمله، ويسعى لبناء مستقبلٍ آمن. كان يحب ليلى، ويراها الزوجة المثالية له: جميلة، من عائلةٍ طيبة، وهادئة. لكنه كان يشعر أحياناً بأن ليلى تخفي عنه شيئاً، بأنها ليست مرتاحةً تماماً. كان يلوم نفسه، هل فعل شيئاً أغضبها؟ هل قال كلمةً أساءت إليها؟ كان يتمنى لو يستطيع أن يفتح قلبه معها، وأن يفهم ما يدور في عقلها، ولكن خجل الفتاة، والحذر الاجتماعي، كانا يضعان حواجز بينهما. كان يخشى أن يبدو لحوحاً أو متطفلاً.

كان يعلم أن ليلى تقضي بعض الوقت مع الحاجة فاطمة، وأن جدتها هي مرجعها الأول. ربما كان عليه أن يتحدث معها، وأن يطلب منها أن تتحدث إلى ليلى. لكنه تردد. هل هذا هو الأسلوب الصحيح؟ أم أنه سيزيد الأمور تعقيداً؟

كانت الأفكار تتصارع في رأسيهما، ليلى وأحمد. كلٌّ منهما في عالمه، يحاول أن يفهم ما يمر به، وكلٌّ منهما يتمنى أن يجد الطريق الصحيح. لكن الطريق لم يكن واضحاً تماماً بعد، وكان القادم يحمل المزيد من التساؤلات، والمزيد من الانعطافات.

ارتفعت الشمس في كبد السماء، معلنةً بداية يومٍ جديد، ويومٍ يحمل في طياته خيوطاً متشابكة من المشاعر والأقدار. كانت بساتين الزيتون تئن تحت وطأة الحر، لكنها تظل صامدة، كصمود القلوب التي تبحث عن طريقها بين دروب الحياة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%