الفصل 15 / 25

الحب الأول

هواجس الليل وأحلام الغد

بقلم مريم الحسن

نامت ليلى تلك الليلة نوماً مضطرباً، تتداخل فيه صورٌ من لقائها بيوسف مع ذكرياتٍ من طفولتها، وأحاديث جدتها، وحتى لمحاتٍ من حياتها المستقبلية التي رسمها لها خطوبتها بأحمد. كانت الأحلام تأخذها إلى بساتينٍ بعيدة، حيث تتطاير الكلمات كالفراشات، وحيث تتحدث الأشجار بلغةٍ سريةٍ لا يفهمها إلا من يحمل قلباً نقياً.

في الصباح، عندما استيقظت، شعرت بأن شيئاً قد تغير. لم يعد قلبها متخبطاً بنفس القدر، بل كان هناك نوعٌ من الهدوء، هدوءٌ ناتجٌ عن وضوحٍ داخلي. لقد أدركت أن مشاعرها تجاه يوسف، رغم جمالها، يجب أن توضع في إطارها الصحيح. لم تكن تريد أن تؤذي أحداً، ولا أن تقع في خطأٍ يندم عليه.

بعد أن أدّت صلاتها، وقرأت ما تيسر من القرآن، جلست في شرفتها الصغيرة، تتأمل حديقة المنزل. كانت الزهور تتفتح، والنحل يحوم حولها، والحياة تستمر، بكل ما فيها من جمالٍ وصعاب. قررت أن تتحدث مع جدتها مرةً أخرى، بلغةٍ أكثر وضوحاً.

"جدتي،" قالت ليلى وهي تدخل غرفة الحاجة فاطمة، التي كانت تقرأ كتاباً دينياً. "أود أن أتحدث معكِ في أمرٍ هام."

جلست الحاجة فاطمة، ووضعت الكتاب جانباً. "تفضلي يا ابنتي. أنا مستمعةٌ لكِ."

"لقد زرتُ يوسف بالأمس." بدأت ليلى، تنظر إلى يديها. "وكان لقاؤنا طيباً جداً. تحدثنا عن الكتب، وعن الأدب، وعن الحياة. شعرت بأنني أرتاح له، وأنه يفهم ما في قلبي."

ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامةً خفيفة. "هذا جيدٌ يا ليلى. يوسف شابٌّ طيب، ويحمل قلباً كبيراً. من الرائع أن تجدي من تتحدثين إليه ويستمع إليكِ."

"لكن يا جدتي..." ترددت ليلى، ثم واصلت: "هذا الانفتاح في الحديث، وهذا الشعور بالراحة، جعلني أفكر. لقد علمتني أن الحب الحقيقي يجب أن يبنى على التفاهم، وعلى معرفة الآخر. وأنا أشعر أنني لا أعرف أحمد حقاً، مقارنةً بما شعرت به مع يوسف."

"الحب يا ليلى، قد يأتي بأشكالٍ مختلفة." قالت الحاجة فاطمة، بصوتٍ هادئٍ ومليءٍ بالحكمة. "ما تشعرين به تجاه يوسف، قد يكون إعجاباً بروحٍ طيبة، أو تقديرٌ لشخصٍ يحمل قيماً جميلة. وهذا شيءٌ طبيعيٌّ. ولكن العلاقة التي تهدف إلى الزواج، يجب أن تكون واضحةً ومباشرة، وأن تتم ضمن إطارٍ شرعيٍّ. أحمد هو خطيبكِ، ومن واجبكِ أن تحاولي بناء علاقةٍ معه، قائمةٍ على الاحترام، والتفاهم، والدعاء."

"ولكن كيف لي أن أبني علاقةً مع أحمد، وأنا أشعر بهذا الانجذاب نحو يوسف؟" سألت ليلى، وقد استقرّت الدموع في عينيها.

"الانجذاب قد يكون مجرد زوبعةٍ عابرة." قالت الحاجة فاطمة. "وأحمد، شابٌّ خلوق، وقد يكون لديه أيضاً أمورٌ يريد أن يبوح بها، ولكن الخجل يمنعه. حاولي أن تفتحي له المجال. تحدثي إليه عن اهتماماتكِ، اسأليه عن أحلامه. أحياناً، كلماتٌ بسيطةٌ، أو نظرةٌ صادقة، يمكن أن تفتح أبواباً مغلقة."

"ولكن إذا ظلّت الأمور كما هي، وإذا لم أشعر بالانسجام مع أحمد؟"

"عندما يأتي وقتُ الزواج، ستتضح الأمور يا ليلى." قالت الحاجة فاطمة، وهي تضع يدها على يد حفيدتها. "الحلال فيه بركةٌ، والزواج ليس نهاية المطاف، بل هو بدايةٌ لمسيرة. إذا كان بينكما نصيبٌ، فسيرشدكما الله إلى الطريق الصحيح. ولكن، يجب أن تتحلّي بالصبر، وأن تمنحي علاقتكِ بأحمد فرصةً. ولا تطلقي العنان لمشاعرٍ لم تُختبر بعد، فقد تكون مجرد وهمٍ."

شكرت ليلى جدتها، وشعرت بأن ثقلاً قد أُزيح عن صدرها. لقد أدركت أن الحل ليس في تجاهل مشاعرها، بل في فهمها، وفي توجيهها نحو ما يرضي الله. كان عليها أن تمنح أحمد فرصةً، وأن تحاول بصدقٍ بناء جسور التواصل بينهما.

في هذه الأثناء، كان أحمد يشعر بقلقٍ متزايد. لم يكن يرى ليلى كثيراً، وكان خطيبته تبدو متحفظةً وهادئةً بشكلٍ غريب. حاول أن يتصل بها عدة مرات، لكن الردود كانت قصيرةً ومقتضبة. كان يخشى أن يكون قد أخطأ في شيءٍ، أو أن يكون هناك من يحاول التدخل بينهما.

ذهب لزيارة والده، الحاج إبراهيم، في مكتبه. كان الحاج إبراهيم رجلاً حكيماً، وصاحب خبرةٍ في الحياة.

"يا أبي،" قال أحمد، وهو يجلس قبالة والده. "أنا قلقٌ بشأن ليلى."

"قلقٌ؟ وما سبب هذا القلق؟" سأل الحاج إبراهيم، وهو يرفع حاجبيه.

"هي تبدو بعيدةً عني. أحاول أن أتحدث إليها، لكنها لا تبدو مرتاحةً. أشعر بأنها تخفي عني شيئاً."

تنهد الحاج إبراهيم. "يا بني، الفتيات لديهن طبيعةٌ خاصة. قد يكون خجلها هو السبب. أو ربما تشعر بضغطٍ ما. تحدث إليها بصدقٍ، واطلب منها أن تخبركِ ما في قلبها. الأمانة في الحديث هي أساس أي علاقةٍ ناجحة."

"ولكن كيف؟"

"اذهب إليها، واطلب منها أن تتحدث معكِ وحدكما. اختر وقتاً مناسباً، ومكاناً هادئاً. قل لها أنك مهتمٌ بسعادتها، وأنك تريد أن تعرف ما يشغل بالها، وأنك مستعدٌ لسماع كل شيءٍ، وأنك ستحترم ما تقوله. الأهم هو أن تفتح لها باب الثقة."

أصغت أحمد إلى والده، وشعر بأن لديه الآن خطة. لقد أدرك أن الصمت لن يحل المشكلة، وأن عليه أن يبادر.

في المساء، بينما كانت ليلى تجلس في حديقة منزلها، تتأمل النجوم، وصلها صوتُ هاتفها. كان أحمد.

"مساء الخير يا ليلى." قال أحمد بصوتٍ دافئ. "هل أنتِ مشغولةٌ الآن؟"

"مساء النور يا أحمد. لا، أنا جالسةٌ في الحديقة."

"هل يمكنني أن آتي لزيارتكِ؟ أريد أن أتحدث معكِ في أمرٍ هام."

شعرت ليلى بقليلٍ من التوتر، لكنها تذكرت حديث جدتها. "تفضل يا أحمد. المنزل مفتوحٌ لكَ."

وصل أحمد بعد وقتٍ قصير، وجلس قبالتها على مقعدٍ حجريٍّ في الحديقة. كان الهواء يحمل عبق الياسمين، والنجوم تلمع في سماءٍ صافية.

"ليلى،" بدأ أحمد، بعد لحظةٍ من الصمت. "أعلم أننا لم نتحدث كثيراً منذ خطوبتنا. وأنا أريد أن أتأكد أن كل شيءٍ على ما يرام بيننا."

"أنا أيضاً يا أحمد." قالت ليلى، وهي ترفع عينيها لتنظر إليه.

"أشعر بأنكِ قد تكونين متحفظةً، أو أن هناك شيئاً يشغل بالكِ. أريد أن تعرفي أنني هنا لأستمع إليكِ، وأنني أهتم بسعادتكِ فوق كل شيء. إذا كان هناك أي شيءٍ يزعجكِ، أو أي أمرٍ تريدين مناقشته، فأنا على استعدادٍ لسماعه. أريد أن نبني علاقتنا على الصدق والصراحة."

نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه صدقاً وحرصاً لم ترهما من قبل. شعرت بأنها بدأت تفتح باباً جديداً، باباً يقودها إلى فهمٍ أعمق، وإلى طريقٍ ربما يكون حلالاً ومرضياً.

"أحمد،" بدأت ليلى، تأخذ نفساً عميقاً. "شكراً لكَ. أنا أقدر لكَ اهتمامك. هناك بعض الأمور التي كنتُ أفكر فيها، وربما حان الوقت لمناقشتها."

كانت هذه بدايةً. بدايةٌ لحديثٍ قد يغير مسار حياتهما، بدايةٌ لمحاولةٍ صادقةٍ لبناء علاقةٍ مبنيةٍ على أساسٍ قويٍّ. كانت هواجس الليل قد بدأت تنجلي، وبدأت أحلام الغد تتشكل، بطريقةٍ لم تكن متوقعة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%