الفصل 16 / 25

الحب الأول

مفترق الطرق: الحقائق المكشوفة

بقلم مريم الحسن

في تلك الليلة الهادئة، جلست ليلى وأحمد في حديقة المنزل، تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم. كان حديثهما قد بدأ ببطءٍ، كمن يعبر جسراً رفيعاً. ليلى، بتوجيهٍ من جدتها، قررت أن تبدأ الحديث بصدقٍ، دون أن تخوض في تفاصيل قد تكون مؤذية.

"أحمد،" قالت ليلى بصوتٍ ثابت، "أنا أقدر لكَ اهتمامك. وأعلم أننا في مرحلةٍ مهمةٍ لبناء علاقتنا. ولكن، أحتاج منك أن تفهمني. أحياناً، أشعر بأننا نتحدث بلغاتٍ مختلفة. أحتاج إلى أن أشعر بأننا نفهم بعضنا البعض بعمقٍ أكبر."

نظر أحمد إليها بعينين مليئتين بالتركيز. "ماذا تقصدين بـ 'لغات مختلفة' يا ليلى؟"

"أقصد يا أحمد، أنني أشعر بأننا نتحفظ كثيراً. لا نتحدث عن أحلامنا الحقيقية، عن مخاوفنا، عن ما يشغل أفكارنا بعمق. أحياناً، أجد نفسي أفكر في أمورٍ لا أجد الكلمات المناسبة لمشاركتها معك."

أومأ أحمد برأسه ببطء. "أتفهم. ربما لم نتح لنا الفرصة الكافية لذلك. وأنا أيضاً، أجد صعوبةً في البوح عن بعض الأمور. قد يكون ذلك بسبب طبيعتي، أو بسبب الحياء الذي تعلمناه."

"ولكن،" تابعت ليلى، "لقد تعرفتُ مؤخراً على شخصٍ، جعلني أدرك مدى أهمية التواصل الحقيقي. شخصٌ يشاركني اهتماماتي، ويشجعني على التفكير بعمقٍ."

ارتسمت على وجه أحمد علامةٌ غامضة. لم يكن متأكداً من المعنى الدقيق لكلامها. "هل تقصدين أحداً من أصدقائكِ؟"

"ليس بالمعنى التقليدي للصداقة." قالت ليلى، وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة. "لقد كان لقاءً عرضياً، ولكن هذا الشخص، لديه شغفٌ كبيرٌ بالأدب، وبالكلمة الطيبة. وقد شعرت بأنني أفهمتُه، وأنه فهمني."

كان أحمد يسمع، لكنه كان يشعر بأن هناك شيئاً ما. لم يكن يريد أن يستنتج، ولكنه لم يستطع أن يمنع نفسه. "هل هذا الشخص هو... يوسف؟"

صدمت ليلى من سؤاله. كيف عرف؟ هل كان يراقبها؟ أم أن هناك أحاديث أخرى تدور؟

"يوسف؟" ردت ليلى، محاولةً أن تبدو طبيعية. "كيف علمتَ؟"

"علمتُ من خلال بعض الكلمات المبعثرة، ومن خلال بعض الحركات." قال أحمد، وصوته يحمل نبرةً تحمل مزيجاً من الحزن وعدم الارتياح. "والدتي، عمتكِ أمينة، ذكرت لي أنكِ قضيتِ وقتاً طويلاً في محل الكتب الخاص بيوسف. وهي قلقةٌ بشأن ذلك. لم تكن تريد أن تقتربوا كثيراً قبل الزواج."

شعرت ليلى بوخزةٍ من القلق. لقد بدأت الأحاديث تنتشر، وبدأت المخاوف تتزايد. "لم يكن الأمر كما تظن يا أحمد. كنتُ فقط أتحدث معه عن الكتب. لديه معرفةٌ واسعة."

"ولكن، هل تتحدثين معه عن أحلامكِ؟ عن مشاعركِ؟" سأل أحمد، بنبرةٍ فيها بعض المرارة. "هل تشعرين بأنكِ تفهمينه، ويفهمكِ؟"

كان السؤال موجهًا إلى قلب ليلى. لقد قالت ذلك بنفسها قبل قليل. "نعم، أشعر بذلك." اعترفت ليلى بصوتٍ خفيض.

صمت أحمد للحظة، ثم قال: "هذا ما كنتُ أخشاه. هذا ما أردتُ أن أتأكد منه. ليلى، أنا أحبكِ. وأريد أن تكوني سعيدةً. ولكن، خطوبتنا ليست مجرد اتفاقٍ عائلي، بل هي وعدٌ أمام الله. ولا يمكن أن تبنى علاقةٌ على أساسٍ غير واضح."

"ماذا تقصد يا أحمد؟" سألت ليلى، وشعرت بأنها تدخل في متاهة.

"أقصد يا ليلى، أنه إذا كنتِ تشعرين بمشاعرٍ تجاه يوسف، أو بأنكِ تجدين فيه ما لا تجدينه فيّ، فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، ومع بعضنا البعض. لا يمكننا أن نستمر في هذه الخطوبة، ونحن نحمل هذه الشكوك."

كان كلام أحمد كالصاعقة. لم تكن تتوقع هذا. لم تكن تريد أن تصل الأمور إلى هذا الحد. "أحمد، أنا لم أقل أنني أحب يوسف. أنا فقط وجدتُ في حديثه ما لم أجده في حديثنا. ولكني لم أقل أنني لا أحبك أنت."

"ولكن، هل حبكِ لي، هو الحب الذي ترغبين فيه؟" سأل أحمد، وكان صوته يحمل نبرةً من اليأس. "هل ترضين بأن تكون حياتكِ مقيدةً بشخصٍ، لا تشعرين معه بالانسجام العميق الذي تبحثين عنه؟"

كانت ليلى تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية. لقد كانت تبحث عن الحب الحقيقي، عن التفاهم، عن الانسجام. وقد شعرت بذلك مع يوسف. ولكنها كانت مخطوبةً لأحمد، وكان أحمد يبدو صادقاً في مشاعره، وكان يخشى فقدانها.

"أحمد،" قالت ليلى، تحاول أن تهدئ من روعها. "أنا لم أقصد أن أؤذيك. أنا فقط... أشعر بالحيرة. أنا أريد أن أفهم ما هو الحب الحقيقي، وما هو الحلال. وأنا أحترمك، وأحترم عائلتنا. ولكن..."

"ولكن؟" سأل أحمد، بلهجةٍ تحمل الكثير من الألم. "ولكن ماذا يا ليلى؟ هل أنتِ مستعدةٌ للتخلي عني، من أجل شخصٍ آخر؟"

"لا، ليس الأمر كذلك." قالت ليلى بسرعة. "الأمر هو أنني... أريد أن أتأكد. أريد أن أتأكد أنني اتخذتُ القرار الصحيح. أريد أن يكون زواجي مبنياً على أساسٍ سليم، وليس مجرد واجبٍ أو تقليد."

"وما هو الأساس السليم في نظركِ؟" سأل أحمد، بنبرةٍ تحمل قدراً من السخرية اللاذعة. "هل هو الانبهار بكلمات شاعرٍ، أم هو الاستقرار والتفاهم الحقيقي؟"

"ربما هو مزيجٌ من الاثنين." قالت ليلى. "ربما أحتاج إلى الوقت الكافي لأعرف ما أريده حقاً، وما هو مكتوبٌ لي."

"الوقت؟" كرر أحمد. "الوقت قد يكون سلاحاً ذو حدين يا ليلى. قد يجعل الأمور تتضح، وقد يجعل الجروح أعمق."

كانت عتمة الليل تزداد، والظلال تتشكل حولهما. كانا يقفان في مفترق طرق، طريقٌ يؤدي إلى مستقبلٍ قد يكون هادئاً ولكنه بارد، وطريقٌ آخر، مليءٌ بالمخاطر، ولكنه قد يقود إلى الشغف والحب الحقيقي.

"أحمد،" قالت ليلى، وعيناها تدمعان. "أنا آسفةٌ إذا كنتُ قد سببتُ لكَ ألماً. ولكنني لا أستطيع أن أخدع نفسي، ولا أستطيع أن أخدعك. أحتاج إلى بعض الوقت لأفكر. وأحتاج إلى أن أتأكد من مشاعري. إذا كان ما بيننا حقيقياً، فسيعود. وإذا لم يكن كذلك، فربما من الأفضل أن نعرف ذلك الآن، قبل أن نتورط أكثر."

وقف أحمد، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب، بريقٌ لم تعرف ليلى ما إذا كان غضباً، أم حزناً، أم قراراً حاسماً. "الحقيقة يا ليلى، قد تكون مؤلمةً، ولكنها دائماً أفضل من الوهم. سأعطيكِ هذا الوقت. ولكن، لا تلومي أحداً إذا انقلبت الأحداث بطريقةٍ لم تتوقعيها."

غادر أحمد، تاركاً ليلى وحدها في الحديقة، تحت سماءٍ تبدو الآن أكثر قتامةً. كانت كلماته الأخيرة تحمل وعداً، أو ربما تهديداً. كانت الحقيقة قد بدأت تظهر، ولكنها لم تكن بالبساطة التي تخيلتها. كان مفترق الطرق أمامها، والقرار لم يكن سهلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%