الفصل 17 / 25

الحب الأول

غيمةٌ تلقي بظلالها

بقلم مريم الحسن

استمرت الأيام تمضي، حاملةً معها نسيمًا لطيفًا فوق أراضي "دار الأمل"، لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، كانت أعماق روح لينا تغلي ببركانٍ خامدٍ ينتظر شرارة الانفجار. لم تعد الساعات تمرّ هانئةً في روتينها اليومي؛ كلّ كلمةٍ تُقال، كلّ نظرةٍ تُلقى، كانت تُثير في صدرها أربعمائة ألف تساؤل. نظراتُ الحاجّ أحمد، تلك التي كانت يومًا تبعثُ فيها الطمأنينة، باتت الآن تُلقي بظلالٍ من الريبة، تستشعرُ في ثناياها ما لا تستطيعُ البوح به.

في إحدى ليالي الصيف الهادئة، حيثُ كانت سماءُ القرية تتلألأ بالنجوم كلوحةٍ يرسمها فنانٌ ماهر، جلست لينا في شرفتها المطلّة على بساتين النخيل الوارفة. كان الهواءُ محمّلًا بعطر الياسمين، لكنّ روحها لم تجد فيهِ سوى عبقٍ حزين. أمسكت بيديها كتابَ جدّتها المجلّد بالجلد البالي، تصفّحتهُ ببطء، ومرّت أصابعها على الأحرفِ العربيةِ القديمة، وكأنّها تبحثُ عن إجاباتٍ ضائعةٍ بين السطور. كانت تتذكّرُ الأحاديثَ التي دارت بينها وبين جدّتها قبل رحيلها، تلك الهمساتِ الخافتة عن تاريخِ العائلة، وعن أسرارٍ دفينةٍ ربما لم يُتّسع لها في سياقِ الحياةِ العادية.

في تلك الليلة، وقفت والدتها، السيدة فاطمة، على عتبةِ غرفتها، تحملُ كوبًا من الشاي الدافئ. "ماذا تفعلينَ يا ابنتي؟ ألا يزالُ النومُ بعيدًا عن عينيكِ؟" سألت بصوتٍ حنونٍ، لكنّ عينيها كانتا تحملانِ قلقًا خفيًا، كأنّها تشعرُ بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام.

نظرت لينا إليها، وفي عينيها بريقٌ غامض. "كنتُ فقط أستعيدُ بعض الذكريات، يا أمي. تذكرتُ حديث جدتي عن قصةِ حبٍ قديمةٍ في عائلتنا، قصةٌ لم تُكملها أبدًا."

تجمدت السيدة فاطمة للحظة، ثمّ ابتسمت ابتسامةً باهتة. "القصصُ القديمةُ تحملُ في طياتها الكثير من الأشواقِ والحنين، يا لينا. لكنّ الأهمّ هو حاضرنا ومستقبلنا."

شعرت لينا ببعض البرود في ردّ والدتها، وهذا زاد من شكوكها. حاولت أن تستجدي منها المزيد. "لكنّ جدتي ذكرتْ اسمًا… اسمَ رجلٍ أحبّتهُ كثيرًا قبل زواجها من جدي. أظنّ أنّ اسمها كان… 'خالد'؟"

اهتزّ كتف السيدة فاطمة بخفّة، وكأنّها تفادتْ لمسةً باردة. "كان هناكَ في الماضي رجالٌ كثيرون، يا ابنتي. المهمّ الآن هو أنّ عائلتنا اجتمعتْ، وأنّكِ وجدتِ السعادةَ مع خطيبكِ."

هذهِ الكلمات، "خطيبكِ"، أشعلتْ في صدر لينا نارًا جديدة. هل كان خوف والدتها من فتحِ جراحٍ قديمة، أم كان هناكَ ما هو أعمق؟ هل كانت تلكَ القصةُ مجردَ حكايةٍ عابرة، أم أنّ لها جذورًا تمتدّ إلى زمنٍ لا تعرفهُ؟

في اليوم التالي، وبعد أنْ قررتْ أنْ تواجهَ الأمورَ بنفسها، ذهبتْ لينا إلى مكتبةِ الحاجّ أحمد، بحجةِ البحثِ عن كتابٍ قديمٍ يتعلقُ بتاريخِ المنطقة. كانتْ تعرفُ أنّ الحاجّ أحمد، بذاكرتهِ الفولاذيةِ وعلاقتهِ التاريخيةِ بالعائلة، قد يملكُ بعضَ الخيوطِ التي قد تقودها إلى الحقيقة.

عندما دخلتْ المكتبة، استقبلها الحاجّ أحمد بابتسامةٍ وادعة، وعيناهُ تشعّانِ بحكمةِ السنين. "أهلاً بكِ يا ابنتي. هل تبحثينَ عن شيءٍ معين؟"

"نعم، يا عمّي،" قالت لينا، وحاولتْ أنْ تجعلَ صوتها ثابتًا. "كنتُ أتساءلُ… هل تتذكرُ شيئًا عن علاقةٍ قديمةٍ بينَ عائلتنا وعائلةٍ أخرى في هذهِ المنطقة، قبلَ عقودٍ مضت؟ ربما… كان اسمُ رجلٍ يُدعى 'خالد' مرتبطًا بقصّةٍ ما؟"

تغيّرتْ ملامحُ الحاجّ أحمد فجأة. اختفتْ الابتسامة، وحلّ محلّها تعبيرٌ معقدٌ من الحزنِ والندم. تنهّدَ بعمق، وكأنّما استجمعَ شجاعتهُ. "آه… خالد. نعم، أتذكرُ خالدًا. كانَ صديقًا قديمًا لوالدِكِ، و… كانَ يملكُ قلبًا طيبًا."

كانتْ هذهِ الكلماتُ كافيةً لتُشعلَ فضولَ لينا، لكنّ طريقةَ حديثهِ، والتردّدَ الذي اكتنفَ كلماته، زرعَ في قلبها خوفًا جديدًا. "ما هي قصتهُ مع والدي، يا عمّي؟ وهل كانَ هناكَ شيءٌ آخر… شيءٌ يتعلقُ بفتاةٍ من عائلتنا؟"

نظرَ الحاجّ أحمد نحو النافذة، يتأملُ الرمالَ التي تحملُ معها حكاياتِ الماضي. "لقد كانَ خالدٌ يحبّ… يحبّ أختَ والدكِ، يا ابنتي. كانَ حبًا عميقًا وصادقًا. لكنّ الأقدارَ كانتْ أقوى من أحلامهما."

شعرتْ لينا ببرودةٍ مفاجئةٍ تسري في عروقها. أختُ والدها؟ هل كانتْ تتحدثُ عن جدتها؟ لا، فجدتها تزوجتْ من جدها. إذاً، عن من كانتْ تتحدثُ؟

"من كانتْ هذهِ الفتاة، يا عمّي؟" سألتْ بصوتٍ يكادُ يكونُ همسًا.

لم يستطع الحاجّ أحمد أنْ يُخفيَ حزنهُ. "لقد كانتْ… كانتْ ابنةَ عمّ والدكِ، زينب. كانتْ فتاةً جميلةً وذاتَ خلقٍ رفيع. وكانَ خالدٌ متعلقًا بها بشدة. لكنّ الأمورَ لم تسرْ كما خططوا. لقد اضطرّ خالدٌ للسفرِ خارجَ البلادِ في مهمةٍ ضروريةٍ للعائلة، وعندما عاد، وجدَ أنّ الأمورَ قد تغيرتْ."

"تغيرت؟ وكيف؟" سألت لينا، وقلبها يخفقُ بعنفٍ كطائرٍ حبيس.

"لقد… لقد اضطرتْ زينبُ للزواجِ من رجلٍ آخر، بسببِ ظروفٍ قاهرةٍ تخصّ عائلتها. رجلٌ كبيرٌ في السنّ، ولديهِ ثروةٌ كبيرة. كانَ ذلكَ لحمايةِ عائلتها من فقرٍ مدقعٍ كانَ يهددهم. وحينَ عادَ خالدٌ، وجدَ زينبَ قد أصبحتْ زوجةً لرجلٍ آخر، وبعدَ فترةٍ وجيزةٍ… رحلتْ زينبُ إلى جوارِ ربها."

كانتْ الكلماتُ تضربُ لينا كأمواجٍ عاتية. خالدٌ، زينب، حبٌّ قُتِلَ قبلَ أنْ يُزهر. لكنّ هذا لا يفسرُ شيئًا عن الحاجّ أحمد، وعن عائلتها الحالية.

"لكنّ… ما علاقةُ كلّ هذا بالحاجّ أحمد؟" تساءلتْ بفضولٍ أثقلتهُ المخاوف.

نظرَ إليها الحاجّ أحمد، وعيناهُ امتلأتْ بدموعٍ غائرة. "خالدٌ… خالدٌ لم يكنْ سوى… أنا يا ابنتي."

ارتعشَ جسدُ لينا بالكامل. لم تستطعْ أنْ تُصدّقَ ما سمعتْ. الرجلُ الوقورُ، الشيخُ الجليلُ الذي كانتْ تكنّ لهُ كلّ الاحترام… هو خالد؟ هو الرجلُ الذي أحبّ زينب؟

"ولكن… ولكنّ والدكِ… والدي… كيف؟"

"لقد كانَ والدي، رحمهم الله، متزوجًا من زينبَ بعدَ أنْ اضطرتْ للزواجِ منهُ. لقد كانَ رجلًا طيبًا، ولم يُجبرها على شيء. كانَ يعرفُ أنّ قلبها لم يكنْ لهُ. وبعدَ وفاتها… أحسّ بالحزنِ الشديدِ لأنّهُ لم يستطعْ تحقيقَ سعادتها. أما أنا… فقد تركتُ البلادَ وقتها، محاولًا نسيانَ كلّ شيء، لكنّ القلبَ لا ينسى. وبعدَ سنواتٍ طويلة، عندما بدأتُ أرى حبّكِ لـ… لـ 'نور الدين'، تذكرتُ قصةَ الماضي، وأدركتُ أنّني لا أستطيعُ أنْ أكونَ سببًا في تكرارِ مأساةٍ أخرى."

ثمّ أضافَ الحاجّ أحمد، وصوتهُ أصبحَ أضعفَ وأكثرَ حزنًا، "والدكِ… والدكِ لم يكنْ يعرفُ أنّ زينبَ كانتْ مرتبطةً بي. لقد تزوجها بعدَ وفاته. والحقيقةُ أنّ… أنّ والدتكِ، السيدة فاطمة، هي أختُ زينبَ الصغرى. ولقد كانتْ تعلمُ بقصةِ الحبّ بيني وبينَ أختها، وكانتْ تراقبُ الأمورَ عن كثب."

صُدمتْ لينا. كلّ شيءٍ انقلبَ رأسًا على عقب. الحاجّ أحمد… هو والد نور الدين؟ أم أنّ هذا مستحيل؟

"ولكن… ولكنّ والد نور الدين… هو الحاجّ أحمد؟"

أومأ الحاجّ أحمد برأسه، وبدا كأنّ كلّ قوتهُ قد تلاشت. "نعم يا ابنتي. أنا والدُ نور الدين. وحينَ رأيتُكِ… تذكرتُ كلّ شيء. الخوفُ الذي رأيتيهِ في عينيّ… هو خوفٌ من أنْ تتكررَ المأساة. خوفٌ من أنْ يُصابَ نور الدينُ بنفسِ الألمِ الذي عشتهُ. لذا، حاولتُ أنْ أُبعدكِ عنه، ولكنّ الحبّ… الحبّ لهُ قوانينٌ أخرى."

انتهتْ الكلمات، وبقيتْ لينا واقفةً في المكتبة، تشعرُ بأنّ الأرضَ قد سُحبتْ من تحتِ قدميها. كلّ ما ظنّتْ أنّهُ حقيقة، كانَ مجردَ طبقاتٍ من الأسرارِ والأوهام. والحاجّ أحمد، الرجلُ الذي احتضنتْهُ عائلتها كصديقٍ حميم، هو في الحقيقةِ… أبٌ لرجلٍ أحبّتهُ، وفي نفسِ الوقتِ، الرجلُ الذي أحبّ خالتها، زينب.

انتهتْ جولةُ الصمت، وتسلّلتْ ظلمةُ المساءِ إلى زوايا المكتبة، وكأنّها تُلخّصُ الظلمةَ التي غشّتْ روحَ لينا. في هذهِ اللحظة، أدركتْ لينا أنّ الأمورَ قد تجاوزتْ نقطةَ اللاعودة، وأنّ الحقيقةَ، مهما كانتْ مؤلمة، يجبُ مواجهتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%