الحب الأول
وهجُ الماضي في مرآةِ الحاضر
بقلم مريم الحسن
عادَتْ لينا إلى دارِها، تحملُ في جعبتها ثقلَ الحقائقِ التي انقشعتْ كالغيمةِ الكثيفة. كلّ خطوةٍ كانتْ تخطوها كانتْ ثقيلةً، كأنّها تسيرُ على أرضٍ من زجاجٍ مكسور. لم تعدْ ترى الشوارعَ والأشجارَ كما كانتْ؛ كلّ شيءٍ بدا مشوهًا، مغطىً بغبارِ الأسرارِ القديمة. وصلَتْ إلى غرفتها، وأغلقتْ البابَ خلفها، وكأنّها تُحاولُ أنْ تخفيَ نفسها عن العالمِ كلّه، وعن نفسها أيضًا.
جلستْ على حافةِ سريرها، وشعرتْ بالبردِ رغمَ حرارةِ الجوّ. كانتْ صورةُ الحاجّ أحمد، بعينيهِ المليئتينِ بالحزنِ والندم، محفورةً في ذاكرتها. خالدٌ… هو الحاجّ أحمد. زينب… هي خالتها؟ لم تكنْ تعلمُ بوجودِ خالةٍ اسمها زينب. والدتها، السيدة فاطمة، لم تتحدثْ قطّ عن أختٍ لها. كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ هذا؟
بدأتْ ذاكرتها تستعيدُ كلّ التفاصيلَ الصغيرة. ابتسامةُ السيدة فاطمة الباهتةُ عندما سألتْ عن خالد، التردّدُ في صوتها، القلقُ في عينيها. كلّ شيءٍ كانَ واضحًا الآن. والدتها كانتْ تعلمُ. لقد كانتْ تعرفُ هذهِ الحكايةَ طوالَ الوقت، وكانتْ تُبقيها طيّ الكتمان. ولكن لماذا؟ ولماذا لم تخبرها؟
تنهدتْ بعمق، وحاولتْ أنْ تُرتّبَ الأفكارَ المتناثرةَ في عقلها. الحاجّ أحمد، والد نور الدين، كانَ يحبّ خالتها زينب، لكنّ القدرَ فرّق بينهما. ثمّ تزوجتْ زينبُ من رجلٍ آخر، ثمّ ماتتْ. ثمّ… بعدَ كلّ هذهِ السنوات… يتقاطعُ طريقهُ معها، ومع ابنها، في "دارِ الأمل". هل كانَ هذا لقاءً عابرًا، أم أنّ القدرَ كانَ يُعيدُ ترتيبَ أوراقه؟
شعرتْ لينا بغصةٍ في حلقها. حبّها لنور الدين، الذي كانَ يبدو لها نقيًا وصافيًا، أصبحَ الآنَ ملطخًا بتفاصيلَ معقدة. هل كانَ الحاجّ أحمد يُحاولُ حمايتهما من تكرارِ مأساةِ خالدٍ وزينب؟ أم كانَ يُحاولُ إخفاءَ حقيقتهِ؟
قررتْ لينا أنْ تواجهَ والدتها. لم يعدْ لديها الطاقةُ لتحمّلَ المزيدَ من الأسرار. وقفتْ، ومشيتْ بخطواتٍ ثابتةٍ نحو غرفةِ والدتها. وجدتْ السيدة فاطمة جالسةً على أريكتها، تحدّقُ في الفراغِ بعينينِ شاردتين.
"أمي،" قالتْ لينا بصوتٍ واضحٍ، لكنّهُ خالٍ من المشاعر.
رفعتْ السيدة فاطمة رأسها، وكأنّها كانتْ تنتظرُ هذهِ اللحظة. "لينا. هل أنتِ بخير؟"
"لا، لستُ بخير،" قالتْ لينا، وجلستْ أمامها. "لقد تحدثتُ مع الحاجّ أحمد. وهو… أخبرني بكلّ شيء."
ارتعشَ جسدُ السيدة فاطمة بخفّة، ثمّ انحنى رأسها. "آه… لقد حانَ الوقتُ إذن."
"لماذا، يا أمي؟ لماذا لم تخبريني؟ لماذا كتمتِ هذهِ القصةَ كلّ هذهِ السنوات؟" سألتْ لينا، وشعرتْ بالمرارةِ تتسللُ إلى صوتها.
بدأتْ السيدة فاطمة بالحديث، وصوتها كانَ متقطعًا، محمّلًا بآلامٍ دفينة. "كانَ الأمرُ معقدًا يا ابنتي. قصّةُ زينبَ وخالدٍ كانتْ جرحًا عميقًا في عائلتنا. بعدَ وفاةِ زينب، كانَ خالدٌ غارقًا في حزنهِ. ثمّ سافرَ بعيدًا، وحاولَ أنْ ينسى. أما أنا… كنتُ الفتاةَ الصغيرةَ التي رأتْ كلّ هذا الألم. لم أكنْ أرغبُ في أنْ ترى أنتِ أو نور الدين نفسَ الألم. والدي، الحاجّ أحمد، لم يكنْ يعرفُ شيئًا عن مدى حبّ خالدٍ لزينب. لقد تزوجها في وقتٍ لم يكنْ فيهِ خالدٌ موجودًا، وكانَ يظنّ أنّها سعيدة. وعندما عادَ خالدٌ، لم يعدْ هناكَ ما يمكنُ فعله. كلّ شيءٍ كانَ قد فاتَ أوانه."
"ولكنّ الحاجّ أحمد… هو والد نور الدين؟ كيفَ؟"
"الأقدارُ يا ابنتي، الأقدارُ دائمًا لها كلمتها. بعدَ سنواتٍ طويلة، وبعدَ أنْ فقدَ كلّ شيء، التقى الحاجّ أحمد بامرأةٍ طيبةٍ، وأنجبَ منها نور الدين. وعندما جاءَ إلى 'دارِ الأمل'، لم يكنْ يعلمُ أنّ زينبَ هي ابنةُ عمّ زوجتهِ السابقة. لقد كانَ كلّ شيءٍ مجردَ صدفةٍ غريبةٍ، ثمّ تطوّرتْ الأمورُ، وأصبحتْ عائلاتنا متشابكةً بهذهِ الطريقة."
"ووالدي؟ ما هو دوره في كلّ هذا؟"
"والدكِ، رحمهُ الله، كانَ يعرفُ بقصةِ زينبَ وخالد. لقد كانَ صديقًا لخالدٍ، وكانَ يحاولُ مساعدتهُ. ولكنّهُ لم يكنْ يعرفُ أنّ الحاجّ أحمد هو خالد. كلّ ما كانَ يعرفهُ هو أنّ خالدًا قد ذهبَ بعيدًا، وأنّ زينبَ تزوجتْ رجلًا آخر. وبعدَ وفاته، لم أخبرْ أحداً، خوفًا من أنْ تُعادَ نفسُ الدائرةِ من الحزنِ والألم."
شهدتْ لينا ببطء. والدها كانَ يعرفُ، والدتها كانتْ تعرفُ، والحاجّ أحمد كانَ خالد. كلّ هذهِ الأسرارِ العميقة، وكلّ هذهِ الوجوهِ المألوفة، كانتْ تحملُ قصصًا خفيةً لم تعلمْ بها.
"لماذا لم يخبرني نور الدين؟" سألتْ لينا، وشعرتْ بغضبٍ مكبوتٍ يتصاعدُ في صدرها.
"نور الدين… كانَ يحاولُ أنْ يحميكِ، يا ابنتي. لقد كانَ يعلمُ أنّ الحاجّ أحمد، والدي، لديهِ مشاعرُ معقدةٌ تجاهكِ. لقد شعرَ بالخطرِ، وقررَ أنْ يُبعدكِ عنه، وأبعدَ نفسه عنكِ، ظنًا منهُ أنّ هذا هو الحلّ."
"الحلّ؟ أنْ نعيشَ في أكاذيب؟ أنْ نتجنّبَ بعضنا البعض؟ هذا ليسَ حلًا، يا أمي. هذا دمارٌ."
"أنا أعرفُ يا ابنتي. لقد رأيتُ الحزنَ في عينيكِ، ورأيتُ كيفَ أنّ هذهِ الأسرارَ كانتْ تُثقلُ كاهلكِ. لم يعدْ بإمكاننا الاستمرارُ هكذا. يجبُ أنْ نواجهَ الحقائقَ، مهما كانتْ مؤلمة."
"والآنَ ماذا؟" سألتْ لينا، وشعرتْ بأنّها فقدتْ كلّ سيطرتها على الأمور.
"الآنَ… يجبُ أنْ نتحدثَ مع نور الدين. يجبُ أنْ نُخبرهُ بكلّ شيء. وأنْ نُعطيهِ الخيارَ. خيارُ المواجهةِ، أو خيارُ الرحيل. ولكنْ، مهما كانَ القرار، يجبُ أنْ يكونَ مبنيًا على الحقيقةِ، وعلى الصدقِ. ليسَ على الأوهامِ والأسرار."
في تلكَ اللحظة، شعرتْ لينا بأنّها على وشكِ الانهيار. لكنّها أدركتْ شيئًا مهمًا. حبّها لنور الدين، حبّها الذي كانَ يبدو أنّهُ محكومٌ عليهِ بالفشلِ قبلَ أنْ يبدأ، قد يكونُ أقوى من كلّ هذهِ الأسرار. قد يكونُ قادرًا على تخطّي جبالِ الماضي، إذا ما واجهوهُ معًا.
وقفتْ لينا، واتجهتْ نحو الباب. "يجبُ أنْ أرى نور الدين."
نظرتْ إليها السيدة فاطمة، وعيناها امتلأتْ بالدموع. "كوني حذرةً يا ابنتي. الحبّ ليسَ دائمًا سهلًا."
"الحبّ الحقيقيّ، يا أمي،" قالتْ لينا، وشعرتْ بشيءٍ من القوةِ يتغلغلُ في روحها، "هو الذي يستطيعُ أنْ يواجهَ الظلامَ، وينيرَ الطريق."
خرجتْ لينا من الغرفة، تاركةً والدتها في حزنها، حاملةً معها ثقلَ الحقيقة، وشعلةَ أملٍ ضعيفةٍ بأنّ حبّها لنور الدين قد يجدُ طريقهُ رغمَ كلّ شيء.