الفصل 19 / 25

الحب الأول

اعترافاتٌ في ضوءِ القمر

بقلم مريم الحسن

توجّهتْ لينا نحو بيتِ نور الدين، وقلبها يخفقُ بخوفٍ ممزوجٍ بالأمل. لم تكنْ تعرفُ كيفَ ستبدأ، ولا كيفَ سيستقبلُ نور الدينُ ما ستُخبرهُ به. كانتْ تعلمُ أنّ الحقيقةَ ستكونُ صدمةً لهُ، وأنّها قد تُغيّرُ كلّ شيءٍ بينهما. لكنّها أدركتْ أيضًا، أنّها لا تستطيعُ أنْ تعيشَ في عالمٍ مليءٍ بالأكاذيب، وأنّ حبّها لنور الدين يستحقُّ أنْ يُقاتلَ من أجلهِ، وأنْ يُبنى على أساسٍ متينٍ من الصدقِ والوضوح.

وصلتْ إلى منزلِ نور الدين، ودقّتِ البابَ برفق. فتحتْ لها والدتهُ، السيدة عائشة، التي بدتْ مستغربةً لرؤيتها في هذا الوقتِ المتأخرِ من الليل.

"لينا؟ ما بكِ؟ هل حدثَ مكروهٌ؟" سألتْ السيدة عائشة بقلقٍ ظاهر.

"لا، يا خالتي، لا شيء. فقط… أرغبُ في التحدثِ مع نور الدين، في أمرٍ ضروريٍّ جدًا."

نظرتْ السيدة عائشة إلى لينا بتفحص، ثمّ رأيتِ الحزنَ والجديةَ في عينيها. "حسنًا، أدخلِي. نور الدينُ في غرفتهِ. سأناديهُ لكِ."

دخلتْ لينا المنزل، وشعرتْ بتيارٍ من التوترِ يسري في جسدها. كلّ شيءٍ هنا بدا مألوفًا، لكنّ معاني الأشياءِ قد تغيرتْ. جلستْ في الصالون، تنتظرُ نور الدين، وهي تحاولُ جاهدةً أنْ تُحافظَ على رباطةِ جأشها.

بعدَ دقائقَ قليلة، نزلَ نور الدين. بدا مرهقًا، وشعرهُ مبعثرٌ، وعيناهُ تحملانِ أثرَ سهرٍ طويل. عندما رأى لينا، تعالتْ الدهشةُ على وجههِ.

"لينا؟ ماذا تفعلينَ هنا؟ هل كلّ شيءٍ على ما يرام؟" سألَ بقلقٍ واضح.

"نور الدين،" بدأتْ لينا، صوتها يكادُ يخنقها، "يجبُ أنْ أتحدثَ معك في أمرٍ مهمٍّ جدًا. أمرٌ يتعلقُ بنا، وبالماضي."

تغيرتْ نظرةُ نور الدين. أصبحَ جادًا، وأدركَ أنّ الأمرَ ليسَ بالبسيط. "تفضلي، نحنُ في مكانٍ خاصّ."

توجهَا إلى الحديقةِ الخلفيةِ للمنزل، حيثُ تجلسُ أضواءُ القمرِ على أوراقِ الأشجار. كانَ الجوّ هادئًا، ومناسبًا لمحادثةٍ سرية. جلستْ لينا على مقعدٍ حجريٍّ، ونور الدينُ جلسَ بجانبها، ينتظرُ ما ستقولهُ.

"نور الدين،" بدأتْ لينا، تأخذُ نفسًا عميقًا، "اليومَ، علمتُ حقيقةً غيّرتْ كلّ شيءٍ أعرفه. حقيقةٌ تتعلقُ بالحاجّ أحمد، وبعائلتي، وبقصصٍ قديمةٍ لم أعلمْ بوجودها."

نظرَ إليها نور الدينُ بترقب. "ما هي؟"

"الحاجّ أحمد… هو خالدٌ الذي تحدثتْ عنه جدتي. الرجلُ الذي أحبّ خالتها زينب. لكنّ الأمورَ لم تسرْ كما أرادوا، وفُرقَ بينهما. ثمّ… ثمّ تزوجتْ زينبُ من رجلٍ آخر، وماتتْ."

كانَ نور الدينُ يستمعُ بذهول. لم يكنْ يتوقعُ شيئًا كهذا. "ولكن… كيفَ؟ ولماذا لم تخبرني والدتي شيئًا؟"

"والدتي، السيدة فاطمة، كانتْ تعلمُ بالقصة. كانتْ أختَ زينبَ الصغرى. وهي التي حاولتْ أنْ تُبقيَ هذهِ القصةَ طيّ الكتمان، خوفًا من أنْ يتكررَ الألمُ. والحاجّ أحمد… هو والدك."

اهتزّ نور الدينُ بعنف. "ماذا؟ أبي؟ هو خالد؟ هذا مستحيل!"

"لا، ليسَ مستحيلًا. لقد أخبرني بنفسهِ. لقد عادَ إلى هنا بعدَ سنواتٍ طويلة، وفي 'دارِ الأمل'، وجدَني، ووجدَك. ربما كانَ القدرُ يُعيدُ ترتيبَ الأمور."

صمتَ نور الدينُ للحظة، يحاولُ استيعابَ كلّ هذهِ المعلومات. ثمّ قالَ بصوتٍ متعب: "ولكنّ أبي… لم يذكرْ لي شيئًا عن هذا. كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ قد عاشَ كلّ هذا الوقتِ دونَ أنْ يُخبرني؟"

"لأنّهُ كانَ يحاولُ حمايتكَ، كما تقولُ والدتي. كانَ يخشى أنْ تُصابَ بنفسِ الألمِ الذي عاناهُ. وحينَ رأى حبّي لكَ… أدركَ أنّ الأمورَ قد تتكرر. لذا، حاولَ أنْ يُبعدني عنكَ."

"ولكنّ هذهِ ليستْ حماية، لينا! هذهِ أكاذيب! لقد عشتُ عمري كلّهُ وأنا أظنّ أنّ كلّ شيءٍ على ما يرام. ووالدي… هل كانَ يعرفُ أنّ زينبَ كانتْ حبّ حياته؟"

"نعم. لقد عرفَ. وبعدَ وفاةِ زينب، لم يعدْ لديهِ ما يفعلهُ في هذهِ البلاد، فسافرَ. ثمّ عادَ بعدَ سنواتٍ طويلة، وتزوجَ والدتكِ، وأنجبَك."

"والآنَ… ماذا نفعلُ؟" سألَ نور الدينُ، وصوتهُ يعكسُ اليأسَ والتعب. "لقد تحطمتْ كلّ قناعاتي. لم أعدْ أعرفُ من أينَ أبداً."

"يجبُ أنْ نواجهَ هذا، يا نور الدين. يجبُ أنْ نُخبرَ والدكَ بكلّ شيء. وأنْ نقولَ لهُ أنّنا نحبّ بعضنا، وأنّنا لن نسمحَ للأسرارِ بأنْ تُدمّرَ حياتنا."

"ولكنْ… هل سيتقبلُ؟ هل سيغفرُ لنا؟"

"لا أعرفُ،" قالتْ لينا، والشعورُ بالوحدةِ يتزايدُ في قلبها. "ولكنّني متأكدةٌ من شيءٍ واحد. حبّنا أقوى من أيّ شيء. يجبُ أنْ نُحاول. إذا لم نفعل، سنظلّ نعيشُ في ظلّ هذهِ الأسرارِ للأبد."

نظرتْ لينا إلى نور الدين، وفي عينيها كلّ الأملِ والحبّ الممكن. "يجبُ أنْ نُعطيَ أنفسنا فرصة. فرصةً لنكونَ صادقينَ مع أنفسنا، ومع الآخرين. فرصةً لنبنيَ مستقبلنا على أساسٍ متينٍ من الحقيقة."

ثمّ أضافتْ، وصوتها أصبحَ أكثرَ حزمًا: "سأتحدثُ مع والدي، الحاجّ أحمد. وسأُخبرهُ أنّني أحبّك، وأنّني لن أتخلّى عنكَ. وأنّ قصصَ الماضي يجبُ أنْ تبقى في الماضي. وأنّ الحاضرَ لنا، والمستقبلَ لنا."

نظرَ إليها نور الدينُ، وفي عينيهِ بريقٌ من الأملِ الخجول. لقد رأى في عينيها القوةَ والشجاعةَ التي يحتاجها.

"إذن، سنفعلُ ذلكَ معًا، يا لينا. سنواجهُ هذا معًا. ولكنْ… كيفَ سيبدأُ كلّ شيء؟"

"سأبدأُ أنا،" قالتْ لينا، "وسأُخبرهُ أنّني أحبّك. ثمّ… ثمّ سنرى. ربما، إذا عرفَ أنّ حبّنا صادقٌ، وأنّنا لن نسمحَ للأسرارِ بأنْ تُدمّرنا، فسيتفهم."

في تلكَ اللحظة، أدركَتْ لينا أنّ هذهِ هي اللحظةُ الحاسمة. اللحظةُ التي يجبُ أنْ تُكشفَ فيها كلّ الأوراق، وأنْ تُواجَهَ فيها كلّ الحقائق. حبّها لنور الدين، وحبّ الحاجّ أحمد لزينب، كلّها قصصٌ متشابكة، ويجبُ أنْ تُحلّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%