الفصل 2 / 25

الحب الأول

همسات العشق في أروقة الذاكرة

بقلم مريم الحسن

في صباح اليوم التالي، استيقظت لينا على أصواتٍ مبشرةٍ بالفرح. زقزقة العصافير، وصوت بائع الحليب وهو ينادي على بضاعته، ورائحة القهوة العربية تفوح من المطبخ. شعرت وكأنها عادت إلى زمنٍ قديم، زمنٌ بسيطٌ ومليءٌ بالبراءة.

نزلت إلى المطبخ، فوجدت جدتها تحضر الإفطار. رائحة الخبز الطازج والجبن البلدي ملأت المكان. ابتسمت لينا، وشعرت أن عودتها إلى هنا كانت هي القرار الصائب.

"صباح الخير يا جدتي." قالت وهي تقبل يدها.

"صباح النور يا حبيبتي. كيف نمتِ؟" سألت أمينة بعينين تلمعان بالحب.

"نمّت جيداً، كأنني لم أنم منذ سنوات." أجابت لينا، وجلست على المائدة.

بدأتا بتناول الإفطار، وتبادلتا أطراف الحديث. تحدثت لينا عن حياتها في المدينة، وعن ضغوط العمل، وعن شعورها بالوحدة الذي غالباً ما كان يرافقها. استمعت جدتها بصبر، وهزت رأسها بتفهم.

"الدنيا يا ابنتي كالبحر، تارةً هادئةٌ وتارةً عاصفة. ولكنكِ يا لينا، كنتِ دائماً قويةً كالسفينة التي تجتاز الأمواج." قالت أمينة، ووضعت يدها على يد لينا.

"لكني تعبت يا جدتي. تعبت من محاربة الأمواج وحدي." قالت لينا بصوتٍ خافت.

"وهنا يا ابنتي، تجدين مرفأً. هنا تجدين من يشارككِ حمل السفينة، ومن يسندكِ إذا تعبتِ. الإيمان يا لينا، والرضا، والعائلة، هم أساس كل شيء."

كانت كلمات جدتها كبلسمٍ يداوي جراح روحها. شعرت لينا أن عبئاً ثقيلاً بدأ ينزاح عن صدرها.

بعد الإفطار، قررت لينا أن تتجول في أرجاء القرية. تركت المنزل، ومشيت في الأزقة الضيقة المرصوفة بالحجارة القديمة. المنازل القديمة، والجدران البيضاء، والورود الملونة المتسلقة على الأبواب، كلها خلقت جواً ساحراً.

مرت بمسجد القرية الصغير، الذي كان يرتفع مئذنته البيضاء نحو السماء. سمعت صوت الأذان وهو يدوي في الأرجاء، فشعرت بقلبها يمتلئ بالسكينة. دخلت المسجد، وجلست في أحد أركانه. كان المسجد هادئاً، تفوح منه رائحة البخور القديم، والهدوء الذي يبعث على التأمل.

رفعت يديها، وبدأت تدعو. دعت لنفسها، ولعائلتها، ولأمة محمد. دعت أن يمنحها الله القوة، وأن يهديها إلى الطريق الصحيح.

وبينما هي غارقةٌ في دعائها، سمعت صوتاً. صوتٌ خافتٌ، قادمٌ من خارج المسجد. صوتٌ لم تستطع أن تحدده. انتبهت لينا، وتوقفت عن الدعاء.

"هل من أحدٍ هنا؟" نادت بصوتٍ خافت.

لا رد.

ارتعش جسدها قليلاً. هل هو نفس الصوت الذي سمعته بالأمس؟ بدأت تراودها الشكوك. هل كانت تتخيل؟ أم أن هناك شيئاً يحدث فعلاً؟

نهضت لينا، واقتربت من باب المسجد. فتحته قليلاً، ونظرت إلى الخارج.

كانت ترى شاباً يقف على بعد خطواتٍ قليلة، يتأمل جدار المسجد. كان يرتدي ثوباً أبيض بسيطاً، ويحمل في يده كتاباً. كان شاباً وسيماً، بملامحٍ عربيةٍ أصيلة، وشعرٍ أسودٍ داكنٍ ينسدل على جبينه.

شعر لينا بالارتباك. لم تر هذا الشاب من قبل في القرية. هل هو زائر؟

نظر الشاب نحوها، وللحظةٍ التقت أعينهما. كانت عيناه عميقتين، بلون العسل، تحملان بريقاً غامضاً. شعر قلب لينا بوخزةٍ غريبة، كأنها تعرفه من مكانٍ ما.

ابتسم الشاب ابتسامةً خفيفة، ثم أومأ برأسه باحترام.

"السلام عليكم." قال بصوتٍ هادئٍ وعميق.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ردت لينا، وشعرت بكلماتها تخرج بصعوبة.

"هل تسمحين لي بالدخول؟ أردت فقط أن أرى هذا المسجد التاريخي." سأل وهو يشير إلى المسجد.

"بالتأكيد. تفضل." قالت لينا، وفتحت الباب له.

دخل الشاب، وسار بخطواتٍ هادئةٍ داخل المسجد. نظر حوله بإعجاب، ثم توقف أمام المحراب.

"سبحان من بنى هذا المكان." تمتم وهو يتأمل الزخارف الإسلامية القديمة.

"إنه مسجدٌ قديمٌ جداً. بناه أجدادنا منذ مئات السنين." قالت لينا، وهي تقف بجانبه.

"أسمعتُ الكثير عن هذه القرية الهادئة. لم أكن أتوقع أن أجد فيها هذا الجمال." قال الشاب، ونظر إليها.

"وهل أنت من هذه القرية؟" سألت لينا.

"لا، لستُ من هنا. أنا طالبٌ في الأزهر، وأتيتُ لقضاء بعض الوقت مع عمتي هنا. اسمها الحاجة فاطمة." أجاب.

"الحاجة فاطمة! إنها جارتنا. إنها سيدةٌ طيبةٌ جداً." قالت لينا بفرح.

"نعم، إنها كذلك. إنها تحب هذه القرية كثيراً." قال الشاب، وعاد بنظره إلى عينيها. "أنا اسمي 'عمر'."

"لينا." أجابت، وشعرت بأن اسمها قد خرج بضعف.

"تشرفنا يا لينا." قال عمر، ومد يده ليصافحها.

صافحته لينا، وشعرت بدفءٍ يسري في جسدها. كانت يده قويةً ودافئة.

"هل أتيتِ لزيارة عائلتكِ؟" سألها عمر.

"نعم، أتيتُ لقضاء بعض الوقت مع جدتي. لقد اعتزلتُ العمل في المدينة مؤخراً." قالت لينا.

"الحياة في المدينة لها بريقها، ولكنها تحمل أيضاً الكثير من الضغوط." قال عمر. "الهدوء الذي نجده في الأماكن مثل هذه، هو ما نحتاجه بالفعل."

"أتفق معك تماماً." قالت لينا، وبدأت تشعر بنوعٍ من الألفة مع هذا الشاب.

"هل تسمحين لي أن أسألكِ سؤالاً؟" سأل عمر، ونظرته كانت تحمل فضولاً.

"تفضل."

"لماذا كنتِ وحدكِ في المسجد في هذا الوقت المبكر؟"

شعرت لينا بالاحراج قليلاً. "كنتُ أدعو." أجابت بصوتٍ خافت.

"الدعاء هو سلاح المؤمن." قال عمر، ونظرته كانت تحمل احتراما. "وخاصةً في الأماكن المباركة كهذه."

سكتت لينا، وبدأت تشعر بأن قلبها يخفق بسرعة. لم تكن تتوقع أن تلتقي بشخصٍ كهذا. شخصٌ يبدو أنه يفهمها، ويفهم ما تبحث عنه.

"ربما كان يجب أن أقول إنني سمعتُ صوتاً غريباً بالأمس، وهذا ما دفعني للمجيء إلى المسجد." قالت لينا، معترفةً بجزءٍ من الحقيقة.

"صوتاً غريباً؟" سأل عمر، ونظرته أصبحت أكثر اهتماماً.

"نعم. همسٌ خافتٌ. كنتُ أتساءل ما هو."

"ربما كانت رياحاً، أو ربما شيئاً آخر." قال عمر، وعينه كانت تحدق في وجهها. "لكن الأهم هو أنكِ هنا الآن. وأننا تحدثنا."

شعرت لينا بكلماته تلامس شغاف قلبها. كان هناك شيءٌ في عيني عمر، شيءٌ يجعلها تشعر بالأمان، وبأنها ليست وحدها.

"ربما." قالت لينا، وشعرت بأن خديها قد احمرا.

"هل ستعودين إلى المدينة قريباً؟" سأل عمر.

"لا أعرف بعد. ربما سأبقى هنا لفترةٍ أطول." أجابت.

"هذا جيد. ربما نتقابل مرةً أخرى. هناك الكثير من الأماكن الجميلة هنا لنتحدث فيها." قال عمر، وابتسامته زادت اتساعاً.

شعرت لينا بأن يومها قد بدأ بشكلٍ جميلٍ جداً. لقاءٌ غير متوقع، مع شابٍ وسيم، ذو أخلاقٍ رفيعة، وروحٍ طيبة. هل كان هذا هو الحظ؟ أم أن القدر كان يرتب لها لقاءً لم تتوقعه؟

حينما خرجت لينا من المسجد، كان قلبها لا يزال يخفق. تركت وراءها شاباً بملامحٍ جذابة، وصوتاً عميقاً، وعينين ساحرتين. شعرت لينا بأنها قد عثرت على شيءٍ لطالما كانت تبحث عنه، شيءٌ أكثر من مجرد مكانٍ هادئ. لقد عثرت على بدايةٍ جديدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%