الحب الأول
المواجهةُ العظيمة
بقلم مريم الحسن
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ لينا بقلبٍ مثقلٍ ولكنهُ مليءٌ بالعزم. لم تعدْ ترغبُ في تأجيلِ المواجهةِ الحاسمة. بعدَ أنْ تحدثتْ مع نور الدين، وشعرَتْ ببعضِ الطمأنينةِ لوجودِ شريكٍ لها في هذهِ الرحلةِ الشاقة، قررتْ أنْ تبدأَ بنفسها. ذهبتْ إلى منزلِ الحاجّ أحمد، وقلبها يخفقُ بقوةٍ كأجنحةِ فراشةٍ حبيسة.
عندما وصلتْ، استقبلها الحاجّ أحمد بابتسامةٍ وادعة، لكنّ عيونهُ كانتْ تحملُ قلقًا خفيًا. "أهلاً بكِ يا ابنتي. هل جئتِ في وقتٍ مناسب؟"
"نعم، يا عمّي،" قالتْ لينا، وحاولتْ أنْ تجعلَ صوتها ثابتًا. "أردتُ أنْ أتحدثَ معك في أمرٍ مهمٍّ جدًا. أمرٌ يتعلقُ بما قلتهُ لي بالأمس."
نظرَ إليها الحاجّ أحمد، وعيناهُ تتفحصانِ وجهها. "أنا أستمعُ، يا ابنتي."
جلستْ لينا أمامهُ، وأخذتْ نفسًا عميقًا. "يا عمّي، لقد علمتُ بالأمسِ حقيقةً صعبةً جدًا. حقيقةٌ قلبتْ عالمي رأسًا على عقب. ولكنّني قررتُ أنْ أواجهها، بدلًا منْ أنْ أهربَ منها."
"وما هي هذهِ الحقيقةِ التي غيرتْ عالمكِ؟" سألَ الحاجّ أحمد، وشعرتْ لينا بنبرةِ خوفٍ في صوته.
"لقد علمتُ أنّك… أنتَ 'خالد'. وأنّك أحببتَ خالتها زينب. وأنّك والدُ نور الدين."
تجمّدَ الحاجّ أحمد في مكانه. بدا وكأنّ الوقتَ قد توقفَ للحظة. وجههُ شحبَ، وعيناهُ اتسعتا بالذهولِ والصدمة. ثمّ أطلقَ تنهيدةً طويلة، عميقة، بدا وكأنّها تحملُ كلّ أثقالِ السنين.
"نعم، يا ابنتي. كلّ ما قلتيهِ صحيح. أنا خالد. ولقد أحببتُ زينبَ حبًا لم يعرفْ لهُ مثيل. ولكنّ الأقدارَ… كانتْ أقوى منّا."
"ولكنّني… أحبّ نور الدين، يا عمّي." قالتْ لينا، وصوتها بدأ يهتزّ. "وأنا أعلمُ أنّ هذا قد يُربكك، وقد يُخيفك، لأنّنا نبدو كأنّنا نقعُ في نفسِ الخطأِ الذي وقعَ فيهِ خالدٌ وزينب. ولكنّ حبّنا… حبّنا مختلف. هو حبٌّ صافٍ، صادق، مبنيٌّ على الاحترامِ والتقدير."
دمعتْ عينا الحاجّ أحمد. "أتفهمُ ذلكَ يا ابنتي. أتفهمُ ألمَ الحبّ. لقد عانيتُ منهُ طويلًا. ولكنّني… خشيتُ عليكِ. خشيتُ أنْ تتكررَ المأساة."
"ولكنّك كنتَ تُحاولُ حمايتنا بالأسرارِ، يا عمّي. والأسرارُ لا تبني مستقبلًا. هي فقط تُدمّرهُ. لقد تحدثتُ مع نور الدين، وهو… يشعرُ بنفسِ الشيء. نحنُ نريدُ أنْ نكونَ صادقينَ. نريدُ أنْ نُعطيَ حبّنا فرصةً. فرصةً ليكونَ قويًا، وصافيًا، وحقيقيًا."
"ولكنْ… كيفَ؟ كيفَ ستواجهونَ هذا؟" سألَ الحاجّ أحمد، وكانَ صوتهُ يكادُ يكونُ همسًا.
"سنواجهه. معًا. أنا ونور الدين. وسنُخبركَ أنّنا نحبّ بعضنا. وأنّنا نريدُ أنْ نبدأَ حياةً جديدة، حياةً لا تُظلمُ بقصصِ الماضي."
انحنى الحاجّ أحمد، ووضعَ يديهِ على وجههِ، وكأنّهُ يُحاولُ أنْ يُخفيَ الألمَ عن لينا. "لقد ارتكبتُ أخطاءً كثيرة، يا ابنتي. أخطاءً أخشى أنْ تُثقلَ كاهلكِ أنتِ ونور الدين. ولكنّني… حينَ رأيتُكما معًا، شعرتُ بأملٍ صغير. أملٌ بأنّ الحبّ يمكنُ أنْ ينتصرَ في النهاية."
"أتمنى ذلكَ يا عمّي،" قالتْ لينا، وهي تشعرُ ببعضِ الارتياحِ لتغلّبها على خوفها. "ولكنّني بحاجةٍ إلى دعمك. بحاجةٍ إلى تفهمك. لستُ أريدُ أنْ أُكررَ مأساةَ خالتها زينب. أريدُ أنْ أعيشَ قصّةَ حبٍّ سعيدة."
"سأحاولُ يا ابنتي. سأبذلُ كلّ ما في وسعي. ولكنّ… يجبُ أنْ تتحدثي مع نور الدين. يجبُ أنْ يكونَ هو أيضًا مستعدًا للمواجهة."
"لقد تحدثتُ معهُ، يا عمّي. وهو مستعد