الحب الأول
سهام الشك ونار الغيرة
بقلم مريم الحسن
مرت الأيام، وكل يومٍ كان يحمل معه لقاءً جديداً بين لينا وعمر. كانت أحاديثهما تتعمق، وتتجاوز مجرد الكلام العام إلى الغوص في أعماق روحهما. اكتشفت لينا في عمر شاباً مثقفاً، متديناً، يحمل في قلبه شغفاً بالعلم والأدب، ويؤمن بأهمية الأسرة والتراحم. واكتشف عمر في لينا فتاةً ذكية، ذات قلبٍ طيب، وعزيمةٍ قوية، تتوق إلى الاستقرار والحياة الهادئة.
كانت جدة لينا، الحاجة أمينة، تراقب العلاقة بين حفيدتها وعمر بعينٍ حكيمة، ودعاءٍ صادق. كانت ترى في عمر الشاب المناسب للينا، فهو يمتلك الأخلاق التي تبحث عنها، والتدين الذي يكمل إيمانها، والهدوء الذي يملأ فراغ حياتها.
وفي أحد الأيام، بينما كان عمر ولينا يتمشيان على شاطئ البحر، وقد غابت الشمس تاركةً وراءها سماءً مرصعةً بالنجوم، قال عمر: "لينا، لقد رأيتُ اليوم والدكِ في السوق. لقد تحدثنا قليلاً."
تجمدت لينا للحظة. والدها؟ لم تر والدها منذ سنواتٍ طويلة، ولم يكن بينهما أي تواصل. كان والدها قد سافر إلى الخارج، بحثاً عن الرزق، ولكنه لم يعد أبداً.
"والدي؟" سألت لينا بصوتٍ مرتجف. "هل حقاً رأيته؟"
"نعم، رأيته. بدا متعباً، ولكنه بصحةٍ جيدة. لقد أخبرني أنه عاد مؤخراً." قال عمر، وشعر بقلقٍ يسيطر على لينا.
"لم أكن أعرف أنه عاد. لم يخبرني أحد." قالت لينا، وشعرت بقلبها يرتجف.
"ربما كان يرغب في مفاجأتكِ. أو ربما لم يجد الوقت الكافي ليخبر الجميع." قال عمر، محاولاً تهدئتها.
"ولكن... لماذا لم يأتِ لرؤيتي؟" سألت لينا، وشعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها.
"لا أعرف يا لينا. ربما كان لديه سببٌ ما. لكنه بدا رجلاً طيباً." قال عمر، وعيناه تنظران إليها بتعاطف.
في تلك الليلة، لم تستطع لينا أن تنام. صورة والدها، الذي طالما تخيلته في أحلامها، قد ظهرت فجأة، وأثارت فيها الكثير من المشاعر المتناقضة. حب، شوق، ولكن أيضاً بعض الخوف.
في اليوم التالي، شعرت لينا بأن شيئاً ما قد تغير. كانت تفكر في والدها، وتتساءل عن سبب غيابه الطويل، وعن سبب عودته المفاجئة.
وصل عمر إلى منزل جدتها، وكان يرتدي ثوباً أسود أنيقاً. شعرته لينا ببعض الغرابة.
"ماذا هناك يا عمر؟ هل أنت بخير؟" سألت لينا.
"نعم، أنا بخير. ولكن... هناك شيءٌ أردتُ أن أخبركِ به." قال عمر، وشعرت لينا بأن قلبه كان مضطرباً.
"ما هو؟"
"لقد قابلتُ والدكِ مرةً أخرى اليوم. و... لقد تحدثنا عنكِ." قال عمر.
"وماذا قال؟" سألت لينا، وشعرت بأنها على وشك أن تنهار.
"قال... قال إنه لا يريدكِ أن تتزوجي. قال إنه لم يوافق على علاقتكِ بي." قال عمر، وكانت كلماته تخرج بصعوبة.
صعقت لينا. والدها؟ لم يكن قد رآه منذ سنوات، ولكنه يتدخل الآن في حياتها؟
"كيف... كيف يمكن ذلك؟" سألت لينا، وشعرت بأنها على وشك البكاء. "لم يرني منذ زمنٍ طويل!"
"أعلم يا لينا. ولكنه يبدو أنه رجلٌ متشبثٌ بآرائه. لقد قال إنه يخشى أن أكون سبباً في إبعادكِ عنه." قال عمر.
"هذا جنون! أنتَ لا تعرف أبي. إنه لم يكن موجوداً أصلاً." قالت لينا، وشعرت بالغضب يملأها.
"أعلم يا لينا. ولكنني أردتُ أن أخبركِ. لا أريدكِ أن تفاجئي. ربما... ربما عليكِ أن تتحدثي معه." قال عمر.
"أتحدث معه؟ كيف؟ إنه مجرد شبحٌ في حياتي." قالت لينا، وشعرت بمرارةٍ لا تطاق.
"لا تقولي ذلك يا لينا. إنه والدكِ. ربما يحتاج فقط إلى فرصةٍ ليفهم." قال عمر.
"أنا لا أعرف يا عمر. أشعر بأن كل شيءٍ أصبح معقداً." قالت لينا.
"لا تدعي هذا الأمر يؤثر على علاقتنا يا لينا." قال عمر، وأمسك بيديها. "أنا أحبكِ، وأريد أن أكون معكِ. بغض النظر عن أي شيء."
نظرت لينا إلى عيني عمر، ورأت فيهما الصدق والوفاء. هذا الرجل، الذي جاء إلى حياتها كهدية، أصبح الآن محور صراعٍ جديد.
"ولكن... ماذا لو لم يقبل؟ ماذا لو حاول أن يفرق بيننا؟" سألت لينا.
"لن ندعه يفعل. سنقف معاً، وسنتجاوز هذه العقبة." قال عمر، وشعرت لينا بقوةٍ تنبعث منه.
في تلك الأثناء، كانت الحاجة أمينة قد سمعت ما يدور بين لينا وعمر. دخلت الغرفة، ووجهها يعكس القلق.
"ما الذي يحدث يا أبنائي؟" سألت.
روت لينا لوالدتها ما قاله عمر. غضبت الحاجة أمينة، وشعرت بالظلم.
"هذا الرجل، لم يظهر إلا الآن، ويحاول أن يتحكم في حياة ابنته؟" قالت بصوتٍ غاضب.
"ربما لم يفهم يا أمي. ربما يحتاج إلى التوضيح." قال عمر، بصوتٍ هادئ.
"التوضيح؟ لقد كان غائباً لسنوات! أين كان عندما كانت لينا تحتاج إليه؟" قالت الحاجة أمينة.
"لقد تحدثتُ مع والدكِ يا لينا." قالت الحاجة أمينة. "اليوم، رأيته في المسجد. لقد حاول أن يتحدث معي، ولكني لم أعطه فرصة. إنه لا يفهم شيئاً."
"ماذا قال لكِ يا أمي؟" سألت لينا.
"قال إنه يخشى عليكِ. ولكنه لم يقل لي أي شيءٍ يدل على أنه يريدكِ أن تتخلي عن عمر." قالت الحاجة أمينة. "ولكنه بدا غاضباً. غاضباً جداً."
شعر عمر بأن الموقف أصبح أكثر تعقيداً. والد لينا، الذي كان غائباً، أصبح الآن عقبةً حقيقية.
"علينا أن نفكر في طريقةٍ لإرضائه." قال عمر. "ربما نحتاج إلى زيارته."
"زيارته؟" سألت لينا، وشعرت بالخوف. "أنا لا أعرف كيف أتصرف معه."
"لا تقلقي يا لينا. سأكون معكِ." قال عمر، وعيناه مليئةٌ بالأمل.
"لكن، كيف؟" سألت.
"سأذهب أولاً، لأتحدث معه. لأفهم وجهة نظره. ثم، سنذهب معاً. لا أريدكِ أن تتحملي كل هذا وحدكِ." قال عمر.
شعر عمر بأن هناك نيران الغيرة بدأت تشتعل في قلبه. هذه العقبة الجديدة، التي جاءت من والد لينا، جعلته يشعر بأن حبه في خطر. لقد كان مستعداً للقتال من أجل لينا، ولأجل مستقبلهم معاً.