الفصل 6 / 25

الحب الأول

أشباح الماضي ونداء المستقبل

بقلم مريم الحسن

تردد الصوت في أرجاء المنزل الهادئ، صوتٌ حمل معه عبق ذكرياتٍ كانت ليلي تحاول جاهدةً أن تدفنها تحت رمال النسيان. "ليلي... هل أنتِ هنا؟" كان صوتاً مألوفاً، ولكنه كان ممزوجاً بخيبة أملٍ عميقة، وبحثٍ محموم.

فجأة، قفز قلب ليلي في صدرها، شعورٌ بالصدمة والرعب والفضول اجتاحها. هل يعقل؟ هل هو حقاً...؟ مدتْ أذنها، تحاول أن تسمع بوضوح، في حين أن جسدها كله قد تصلب مكانه.

"أنا هنا يا أبي"، أجابتْ بصوتٍ خافت، بالكاد مسموع.

دخل والدها، "الأستاذ محمود"، إلى غرفتها. وجهه كان يحمل آثار القلق، وعيناه تبحثان عن شيءٍ لم يجده. "كنتُ أبحث عنكِ. هل أنتِ بخير؟"

"نعم يا أبي، أنا بخير." أجابتْ، وهي تحاول جاهدةً أن تخفي ارتعاشة صوتها.

"رأيتُ... رأيتُ سيارةً غريبةً تقف أمام المنزل قبل قليل. ظننتُ أن هناك زائراً، ولم أتعرف على السيارة. أتساءل من يكون." قال الأب، وهو يمسح جبينه.

لم تستطع ليلي أن تتنفس. "سيارة غريبة؟" هل كان من الممكن؟ هل كان "أحمد" قد عاد؟ تذكرتْ سيارته القديمة، تلك التي كانت تحمل بصمات أيام الشباب، وبصمات حبها الأول.

"لا أعرف يا أبي. ربما زائرٌ للأهل." حاولتْ أن تبدو طبيعية، ولكن قلبها كان يدق كطبول حربٍ في صدرها.

"ربما. ولكن الغريب أنني لم أرَ أحداً يدخل أو يخرج. دعكِ من هذا. سارة اتصلتْ بي قبل قليل. قالتْ إنها قلقةٌ عليكِ."

"سارة؟" تساءلتْ ليلي. "لماذا؟"

"لا أعرف. ولكنها ذكرتْ أنكِ تحدثتِ معها عن... عن مشاعرٍ صعبة. هل أنتِ في خلافٍ مع أحد؟"

شعرتْ ليلي وكأن الأرض تدور بها. كانت سارة، بصداقتها الصادقة، تضعها في مواجهةٍ مع واقعها. "لا يا أبي. لا خلاف. فقط... بعض التفكير العميق."

"التفكير العميق الذي يجعلكِ تجلسين وحيدةً في غرفتكِ في هذا الوقت المتأخر؟" سأل الأب برفق، ولكن بعينين حادتين. كان يعرف ابنته جيداً.

"أنا... أفكر في بعض الأمور المتعلقة بمستقبلي." قالتْ ليلي، تلجأ إلى نصف الحقيقة.

"مستقبلكِ؟ هل تقصدين... آدم؟" سأل الأب، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة. "لقد أبلغني والده بالأمس أن الأمور تسير على ما يرام، وأن الخطبة قريبةٌ جداً. هذا خبرٌ سعيدٌ يا ابنتي."

اهتزتْ ليلي من الداخل. الخطبة قريبة؟ كيف يمكن ذلك؟ وهي ما زالتْ عالقةً في أغوار حبٍ قديم، لا تدري كيف تتخلص منه.

"نعم يا أبي. آدم رجلٌ طيب." قالتْ، وهي تشعر بمرارةٍ تعتصر قلبها.

"طيبٌ وخلوقٌ ودينٌ. هذا ما نريده لابنتنا. الحمد لله." قال الأب، وهو يشدّ على يدها. "ولكن، تذكري يا ليلي، أن الزواج ليس مجرد رباطٍ ديني واجتماعي. إنه شركةُ حياة. يجب أن يكون القلبُ حاضراً، والعقلُ مستيقظاً."

كانت كلمات والدها عميقة، ومعبرة. كانت تلخص كل مخاوفها. كيف يمكنها أن تبني شركة حياة مع آدم، وقلبها ما زال ينادي باسم رجلٍ آخر؟

"هل تشعرين بأن قلبكِ حاضرٌ يا ابنتي؟" سأل الأب، وهو يقرأ ما يدور في عينيها.

"أنا... لا أعرف يا أبي." اعترفتْ ليلي، بضعفٍ يكسر جدار الصمت. "أشعر بأنني... مشوشة."

"مشوشة؟ بسبب ماذا؟"

"بسبب... ذكريات."

ارتسمتْ علامة فهمٍ على وجه الأب. "ذكريات؟ هل تعنين... الماضي؟"

لم تجب ليلي، بل أومأتْ برأسها بصعوبة.

"تذكرين يا ليلي، أن الماضي لا يعود. وأن التمسك به يمنعنا من بناء حاضرٍ سعيد، ومن صناعة مستقبلٍ أفضل." قال الأب، وهو ينظر إليها بعطفٍ وحزم. "لقد مرتْ سنواتٌ على ذلك الوقت. هل ما زلتِ تعتقدين أن التفكير فيه سيجلب لكِ السعادة؟"

"لا أعتقد ذلك يا أبي. ولكن... يصعب عليّ أن أتجاوزه."

"ليس الأمر سهلاً، ولكنه ممكن. خاصةً إذا كان لديكِ من يدعمكِ. آدم رجلٌ يحبكِ، ويريد بناء مستقبلٍ معكِ. هل منحتهِ فرصةً كاملة؟ هل فتحتِ قلبكِ له؟"

"أحاول يا أبي. ولكن... الشعور بالذنب يقتلني."

"الذنب؟ لماذا تشعرين بالذنب؟"

"لأنني... لم أنسَ. أشعر بأنني أخونكما، وأخون آدم، إذا لم أكن معه بكل قلبي."

"يا ابنتي، لا أحد يطلب منكِ محو ذكرياتكِ. ولكننا نطلب منكِ أن تعيشي حاضركِ. وأن تمنحي قلبكِ لمن يستحق. آدم يستحق فرصةً كاملة. وهذا يتطلب منكِ أن تضعي الماضي حيث يجب أن يكون: في مكانه، كدرسٍ تعلمته، وليس كسجنٍ تبقى فيه."

صمت الأب، تاركاً كلماته ترن في أذن ليلي. كانت كلماته كالبلسم، ولكنها أيضاً كانت كشرارةٍ توقظ فتيل القلق.

"ولكن ماذا لو... ماذا لو عاد؟" سألتْ ليلي فجأة، مستسلمةً للشبح الذي طالما راودها.

"إذا عاد... فسيكون وقتها القرار لكِ. ولكن، هل أنتِ مستعدةٌ حقاً لهذا؟ هل تتمنين ذلك؟" سأل الأب، بنظرةٍ تخترق روحها.

نظرتْ ليلي بعيداً، نحو النافذة. لم تجب. لم تكن تعرف حقاً ما إذا كانت تتمنى ذلك. كانت تعلم أنها تعاني، وأنها بحاجةٍ إلى الخروج من هذا الدوامة. ولكن، هل كانت مستعدةٌ لكسر كل ما بنتهُ مع آدم؟

"فكرّي جيداً يا ليلي. الغد يومٌ جديد. وفرصةٌ جديدة. استغليها بحكمة. الأبواب المفتوحة أمامكِ كثيرة، فلا تغلقيها بنفسكِ." قال الأب، ثم قبل جبينها وخرج.

تركتْ كلمات الأب ليلي وحدها مع أفكارها المتصارعة. إدمان الذكريات، ونداء المستقبل، والخوف من المجهول. كان عليها أن تقرر. هل تستمر في العيش في عالمٍ من الأشباح، أم تخوض معركةً صعبةً لاستعادة حياتها؟

وفجأة، سمعتْ صوتاً خافتاً قادماً من حديقة المنزل. صوتٌ لحنٌ قديم، لحنٌ عرفته جيداً. لحنٌ كان أحمد يعزفه على جيتاره في ليالي الصيف. هل كان هذا حقيقياً؟ أم مجرد وهمٍ جديد؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%